خاص مركز بيروت للأخبار

بقلم: م. مصطفى زين العابدين

منذ أن تشكل الشرق الأوسط الحديث عقب الحرب العالمية الثانية، لم تكن المشكلة العربية مع الولايات المتحدة في سوء الفهم، بل في سوء التقدير. فخلال أكثر من سبعة عقود، جرى التعامل مع واشنطن في أجزاء واسعة من العالم العربي بوصفها مرجعية قادرة على إنتاج العدالة السياسية، فيما كانت الوقائع المتراكمة تشير إلى أنها كانت ولا تزال الضامن الاستراتيجي الأول للتفوق الإسرائيلي في المنطقة.

تغيرت الإدارات الأمريكية، وتعاقبت الأزمات والحروب والاتفاقيات، لكن الثابت الوحيد الذي لم يتبدل هو أن أمن “إسرائيل” وتفوقها العسكري والسياسي شكلا دائماً جزءاً من العقيدة الاستراتيجية الأمريكية، لا بنداً تفاوضياً قابلاً للمساومة أو المراجعة.

من هنا، تبدو قراءة التاريخ ضرورة سياسية وليست ترفاً فكرياً.

منذ عام 1948، لم تعرف المنطقة حرباً كبرى إلا وكانت الولايات المتحدة حاضرة فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ولم تعرف “إسرائيل” أزمة وجودية حقيقية إلا وتحولت واشنطن إلى غرفة عمليات سياسية وعسكرية ودبلوماسية مفتوحة لدعمها.

أما العرب، فقد تنقلوا بين المراهنة على المفاوضات والمبادرات الدولية والضمانات الغربية والوعود الأمريكية، ليكتشفوا في كل مرة أن ميزان المصالح أقوى من ميزان الخطابات.

لم تكن مجازر دير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا وقانا أحداثاً معزولة عن السياق السياسي الدولي. كما لم تكن الحروب المتكررة على غزة، وما خلفته من عشرات آلاف الضحايا والجرحى والمشردين، كافية لإحداث تحول جوهري في الموقف الغربي من إسرائيل. وفي كل مرة كان يسقط فيها آلاف المدنيين، كانت الإدانات الدولية ترتفع، فيما كانت الوقائع الميدانية تستمر في الاتجاه نفسه.

هنا تكمن المفارقة التي تجاهلتها قطاعات واسعة من النخب العربية لعقود طويلة.

هنا تكمن المفارقة التي تجاهلتها قطاعات واسعة من النخب العربية لعقود طويلة.
هنا تكمن المفارقة التي تجاهلتها قطاعات واسعة من النخب العربية لعقود طويلة.

فحين تكون الضحية عربية، تتحرك المؤسسات الدولية لإصدار البيانات وإدارة الأزمات. أما حين تصبح كلفة الصراع مرتفعة على “إسرائيل” أو حين تتعرض حساباتها الاستراتيجية للاهتزاز، يبدأ الحديث عن التهدئة والمفاوضات والحلول السياسية. والفرق بين الحالتين ليس أخلاقياً ولا قانونياً، بل يرتبط مباشرة بموازين القوة والمصالح.

ولعل ما جرى خلال السنوات الأخيرة يقدم أوضح مثال على ذلك. فالحروب التي كان يفترض، وفق الرواية الإسرائيلية والغربية، أن تعيد رسم المنطقة وتفرض وقائع جديدة بصورة نهائية، انتهت إلى نتيجة مختلفة تماماً. فبدلاً من إنتاج شرق أوسط جديد تحت الهيمنة الإسرائيلية، دخلت المنطقة في مرحلة أكثر تعقيداً وأشد اضطراباً، وظهرت حدود القوة العسكرية بوصفها أداة قادرة على التدمير أكثر من قدرتها على إنتاج الاستقرار.

لقد بُنيت رهانات كثيرة على أن الضغوط العسكرية الهائلة ستؤدي إلى انهيارات سياسية متتالية، وأن مراكز القوى المناهضة للمشروع الإسرائيلي ستفقد قدرتها على الصمود. غير أن الوقائع الميدانية أظهرت مساراً مختلفاً. فـ إيران بقيت لاعباً رئيسياً رغم العقوبات والضغوط والحروب، و المقاومة في لبنان ما زالت حاضرة في الميدان رغم حجم الاستهداف غير المسبوق الذي تعرضت له، فيما لم تتمكن “إسرائيل” من تحويل تفوقها العسكري الكاسح إلى حسم سياسي نهائي.

وهنا تبرز إحدى أهم الحقائق التي غالباً ما يتم تجاهلها في النقاش العربي المعاصر.

فالدول المنتصرة لا تبحث باستمرار عن انتصار جديد لإثبات أنها انتصرت. و الدول التي تحقق أهدافها الاستراتيجية لا تضطر إلى توسيع عملياتها العسكرية بعد كل جولة قتال. أما استمرار التوسع في العمليات، والانتقال من هدف إلى آخر، ومن جبهة إلى أخرى، فهو مؤشر على وجود فجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة على الأرض.

ولهذا فإن النقاش الدائر اليوم حول مستقبل لبنان يتجاوز مسألة السلاح أو الحدود أو ترتيبات ما بعد الحرب. إنه يتعلق بجوهر المعادلة الأمنية التي ستحكم المنطقة خلال العقود المقبلة.

فالرهان على الضمانات الدولية وحدها يصطدم بتجارب تاريخية قاسية. والرهان على أن الولايات المتحدة ستتحول فجأة إلى وسيط محايد يتجاهل طبيعة التحالف الذي حكم سياساتها لعقود طويلة.

أما الرهان على أن “إسرائيل” ستتوقف طوعاً عن استثمار تفوقها العسكري عندما تتاح لها الفرصة، فهو رهان لا تدعمه سوابق التاريخ ولا منطق الجغرافيا السياسية.

إن قراءة ما جرى في المنطقة منذ عام 1948 تكشف حقيقة ثابتة: لم تكن المشكلة يوماً في نقص المبادرات السياسية، بل في غياب التوازن القادر على حماية تلك المبادرات. فالاتفاقات تُكتب على الورق، أما استمراريتها فتُحسم في موازين القوى.

ولهذا السبب تحديداً، تبدو محاولات اختزال أزمات المنطقة كلها في بند واحد أو عنوان واحد أو ملف واحد أقرب إلى تبسيط مخلّ لوقائع أكثر تعقيداً. فالصراع الدائر اليوم ليس مجرد نزاع حدودي أو خلاف أمني عابر، بل صراع على شكل النظام الإقليمي نفسه، وعلى الجهة التي ستملك حق تعريف الأمن وتحديد قواعد القوة في الشرق الأوسط.

وبينما لا تزال بعض النخب العربية تبحث عن خلاص يأتي من الخارج، تواصل الوقائع تقديم الدرس ذاته الذي تكرر عشرات المرات خلال العقود الماضية: الدول لا تُحمى بالنوايا الحسنة، ولا تُصان بالوعود، ولا تُبنى استراتيجياتها على افتراض أن الآخرين سيتصرفون خلافاً لمصالحهم.

أما التاريخ، فقد حسم حكمه منذ زمن طويل. فهو لا يسجل ما قيل على طاولات المفاوضات بقدر ما يسجل ما فُرض على الأرض. وبين السطور الممتدة من عام 1948 حتى اليوم، تبدو الحقيقة الأكثر وضوحاً أن المنطقة لم تكن يوماً ساحة صراع على السلام بقدر ما كانت ساحة صراع على موازين القوة التي تحدد شكل ذلك السلام وحدوده ومعناه.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com