خاص مركز بيروت للأخبار

يثير العرض الأمريكي المطروح بشأن لبنان سلسلة من الأسئلة التي يصعب تجاهلها، ليس فقط حول فرص نجاحه، بل حول طبيعته الحقيقية ومعايير تطبيقه. فالمبادرة، كما يجري تسويقها، تقوم على مطالبة حزب الله بوقف كامل لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما لا تتضمن التزاماً مقابلاً وواضحاً بوقف العمليات البرية الإسرائيلية أو الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي ما زالت القوات الإسرائيلية تسيطر عليها.

وهنا يبرز السؤال الأساسي: كيف يمكن الحديث عن “وقف إطلاق نار” فيما تستمر العمليات العسكرية من جانب واحد؟ ففي المفهوم التقليدي لأي هدنة أو وقف للأعمال العدائية، يُفترض أن يتوقف الطرفان عن استخدام القوة العسكرية. أما أن يُطلب من طرف وقف النار فيما يحتفظ الطرف الآخر بحرية الحركة البرية والجوية وحق تنفيذ الضربات متى يشاء، فإن ذلك يبدو أقرب إلى فرض وقائع ميدانية جديدة منه إلى صناعة تسوية متوازنة.

انذارات إسرائيلية باستهداف مناطق لبنانية تجبر اللبنانيين عى النزوح من مكان لآخر رغم "وقف اطلاق النار"
انذارات إسرائيلية باستهداف مناطق لبنانية تجبر اللبنانيين على النزوح من مكان لآخر رغم “وقف اطلاق النار”

الأكثر إثارة للانتباه أن جوهر المفاوضات السابقة كان يتمحور حول وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية التي احتلتها خلال الحرب. لكن النقاش المطروح حالياً يبدو وكأنه انتقل إلى مرحلة مختلفة بالكامل، حيث بات التركيز على ترتيبات أمنية مستقبلية ونقاط تفاوض جديدة، فيما تحوّل ملف الانسحاب نفسه من استحقاق واجب التنفيذ إلى بند قابل للأخذ والرد.

وبعبارة أخرى، جرى الانتقال من التفاوض على تنفيذ ما كان يفترض أنه اتفاق قائم أساساً، إلى التفاوض على شروط جديدة تمنح “إسرائيل” وقتاً إضافياً لترسيخ الوقائع التي فرضتها بالقوة على الأرض.

أما الموقف الأمريكي، فيبدو منسجماً بصورة شبه كاملة مع الرواية الإسرائيلية. فالتصريحات الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين تركز بصورة أساسية على ضرورة وقف حزب الله لإطلاق النار، بينما يقلّ الحديث عن الغارات الإسرائيلية المتواصلة والعمليات البرية والتوغلات اليومية التي تشهدها المناطق الجنوبية. وهذا يطرح علامات استفهام جدية حول قدرة واشنطن على لعب دور الوسيط المحايد طالما أنها تتبنى عملياً معظم المقاربة الأمنية الإسرائيلية.

عمليات الهدم والتدمير للقرى والبلدات في الجنوب بقيت مستمرة رغم ما يسمى "وقف اطلاق النار"
عمليات الهدم والتدمير للقرى والبلدات في الجنوب بقيت مستمرة رغم ما يسمى “وقف اطلاق النار”

وفي الداخل اللبناني، يواجه التعاطي الرسمي مع هذه الطروحات انتقادات متزايدة، إذ يرى معارضون أن أي قبول بصيغة لا تتضمن انسحاباً إسرائيلياً واضحاً وجدولاً زمنياً ملزماً لوقف الاعتداءات، قد يؤدي عملياً إلى تثبيت معادلة جديدة تمنح إسرائيل حق استخدام القوة متى أرادت، مقابل تقييد الطرف اللبناني فقط.

وفي المحصلة، تبدو المشكلة الأساسية في أن النقاش لم يعد يدور حول كيفية تطبيق وقف إطلاق النار، بل حول كيفية إدارة تداعيات غياب وقف إطلاق النار. وبينما تُطرح مبادرات وعروض سياسية تحت عنوان التهدئة، تستمر الوقائع الميدانية في الإشارة إلى مسار مختلف تماماً، حيث تتوسع العمليات العسكرية وتتعاظم الضغوط، فيما يبقى السؤال معلقاً: هل المطلوب فعلاً وقف الحرب، أم فرض شروطها الجديدة؟

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com