كتب باسم الموسوي
يقوم هذا الكتاب )Genocide Prevention, Deborah Mayersen) على فكرة جذابة في ظاهرها، ومقلقة في عمقها: بدل أن يدرس الإبادة حيث وقعت، يذهب إلى الحالات التي كان خطر الإبادة فيها عاليًا، ثم لم تقع، أو وقعت جزئيًا ثم جرى الحدّ منها. بهذا المعنى، يريد الكتاب أن ينقل دراسات الإبادة من أخلاق الندم إلى علم الوقاية؛ من عبارة “لن يتكرر ذلك” إلى سؤال أكثر برودة وصرامة: ما العوامل التي تجعل مجتمعًا مهددًا بالإبادة قادرًا على النجاة؟
منذ المقدمة، يضع المؤلف مشروعه تحت عنوان واضح: “مقاربات قائمة على الأدلة لمنع الإبادة الجماعية”. ينطلق من شهادة ناجٍ من إبادة كمبوديا، ثم يوسّع الإطار ليقول إن الذاكرة وحدها لم تمنع تكرار الإبادات بعد الهولوكوست، إذ وقعت كوارث في بنغلادش وكمبوديا وتيمور الشرقية ورواندا والبوسنة والسودان والعراق وميانمار والصين وإثيوبيا. لذلك يطرح الكتاب نفسه كمحاولة لتحديد إجراءات عملية قادرة على خفض خطر الإبادة، لا الاكتفاء بإدانتها بعد وقوعها.
قيمة الكتاب أنه لا يدرس “الشر” بوصفه لغزًا أخلاقيًا مجردًا، بل بوصفه مسارًا اجتماعيًا وسياسيًا يمكن اعتراضه. هنا تكمن فكرته المركزية: لا يكفي أن نعرف عوامل الخطر؛ يجب أن نعرف أيضًا عوامل المرونة. فهناك مجتمعات تتوافر فيها الكراهية، والدعاية، والسلطة القمعية، والتمييز، والحرب، ومع ذلك لا تنزلق بالكامل إلى الإبادة. ما الذي يمنع السقوط؟ هل هو ضغط خارجي؟ مؤسسات محلية؟ نخبة دينية أو سياسية تتدخل؟ تضامن شعبي؟ ممر إنساني؟ حماية دولية؟ انقسام داخل جهاز الدولة؟ هذا هو السؤال المنتج في الكتاب.
لذلك اختار المؤلف ست حالات: الدنمارك خلال الهولوكوست، بلغاريا خلال الهولوكوست، تيمور الشرقية، الإيزيديون في جبل سنجار، البهائيون في إيران، والهايتيون وذوو الأصل الهايتي في جمهورية الدومينيكان. ويُظهر الفهرس أن الكتاب مبني فعلًا حول هذه الحالات الست، قبل خاتمة عن كيفية تطبيق المقاربات الوقائية.
في حالة الدنمارك، يدرس الكتاب كيف نجا أكثر من 95% من اليهود الدنماركيين، بفضل شبكة تضامن اجتماعي واسعة، وتحذيرات مبكرة، ومساعدة من الجيران والأصدقاء والغرباء، ثم تهريب الآلاف إلى السويد. هنا تبدو “المرونة” كفضيلة اجتماعية لا كقرار دولة فقط: مجتمع يرفض عزل الأقلية، فيمنع تحويلها إلى فريسة سهلة.
في بلغاريا، يدرس حالة أكثر تعقيدًا: دولة حليفة لألمانيا النازية، قطارات الترحيل كانت شبه جاهزة، ومع ذلك لم يُسلَّم اليهود البلغار المواطنون إلى “الحل النهائي”، رغم أن يهود تراقيا ومقدونيا الخاضعتين للاحتلال البلغاري رُحّلوا وقُتل معظمهم. هنا لا يقدّم الكتاب بطولة نقيّة، بل مفارقة تاريخية: نجاة جماعة داخل حدود المواطنة، وتخلّي عن جماعات في أراضٍ محتلة أو ملحقة.
في تيمور الشرقية، تظهر الوقاية بوصفها فعلًا دوليًا سريعًا. بعد استفتاء 1999، تصاعد عنف الميليشيات المرتبطة بالقوات الإندونيسية، وخاف قادة تيمور من إبادة جديدة. لكن الضغط الدولي، وقبول إندونيسيا بدخول قوة متعددة الجنسيات، ووصول قوات “إنترفيت”، أدت إلى خفض سريع للخطر. هذه الحالة تبيّن أن التدخل الخارجي، حين يأتي في لحظة مناسبة وبغطاء دولي، قد يقطع مسار الإبادة قبل اكتماله.
وفي سنجار، لا يتحدث الكتاب عن إبادة مُنعت، بل عن إبادة جرى الحدّ من اتساعها. فتنظيم داعش ارتكب إبادة ضد الإيزيديين، لكن فتح ممرات للنجاة وإيصال مساعدات عاجلة إلى المحاصرين في الجبل أنقذ عشرات الآلاف. هنا تصبح الوقاية أقل مثالية وأكثر قسوة: أحيانًا لا يكون السؤال كيف نمنع الجريمة كلها، بل كيف نمنع اكتمالها.
أما فصل البهائيين في إيران فيدرس حالة خطر طويل الأمد لم يتحول، بحسب المؤلف، إلى إبادة جماعية مكتملة. يتحدث عن إعدامات واعتقالات وحرمان من التعليم والعمل ودعاية منظمة واضطهاد منذ 1979، لكنه يميّز بين الاضطهاد البنيوي وبين الإبادة بوصفها محاولة تدمير جماعة كليًا أو جزئيًا. هذه الحالة تمنح الكتاب بعدًا مهمًا: الإبادة ليست لحظة انفجار فقط، بل قد تكون أفقًا كامنًا داخل سياسات اضطهاد مستمرة.
لكن هنا بالضبط تبدأ مشكلة الكتاب الكبرى. فهو يريد أن يقدّم نظرية عامة عن الوقاية من الإبادة، ثم يتجنّب، أو يعجز عن مواجهة، المثال الأكثر إلحاحًا في زمن صدوره: غزة.
لا تظهر غزة في بنية الكتاب كما تظهر الدنمارك وبلغاريا وتيمور وسنجار وإيران والدومينيكان. وهذا الغياب ليس تفصيلًا فهرسيًا عابرًا. إنه فجوة سياسية ومعرفية في صلب المشروع. لأن غزة، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تعد حالة هامشية في نقاش الإبادة؛ أصبحت إحدى القضايا المركزية في القانون الدولي، وفي دراسات العنف الجماعي، وفي سؤال فشل الوقاية نفسه.
محكمة العدل الدولية تنظر في قضية رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة، وقد أصدرت أوامر تدابير مؤقتة في 2024 تلزم إسرائيل، من بين أمور أخرى، باتخاذ إجراءات لمنع أفعال تدخل ضمن نطاق اتفاقية الإبادة وتحسين الوضع الإنساني في غزة. كما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة، وهو استنتاج ترفضه إسرائيل وتعدّه منحازًا، لكنّه بات جزءًا من السجل الحقوقي والقانوني الدولي حول الحرب. كذلك خلصت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة ضد الفلسطينيين في غزة، مستندة إلى نمط القتل والتدمير والتهجير ومنع شروط الحياة الأساسية وتصريحات مسؤولين إسرائيليين. وذهبت هيومن رايتس ووتش، في تقرير عن حرمان الفلسطينيين من المياه، إلى أن السياسات الإسرائيلية ترقى إلى جريمة الإبادة أو أفعال إبادة، إضافة إلى جريمة الإبادة بوصفها مرتبطة بالتجويع والحرمان من شروط البقاء.
من هنا يصبح غياب غزة عن الكتاب فضيحة منهجية لا مجرد نقص في التحديث. فالكتاب لا يتحدث عن الإبادة كموضوع تاريخي بارد، بل عن الوقاية. وغزة هي الحالة التي تضع هذا العلم كله أمام امتحانه الأكثر مباشرة: ماذا تفعل “مقاربات الوقاية” حين يكون الخطر معلنًا، والضحايا مرئيين، والمحكمة الدولية منعقدة، والمنظمات الحقوقية تصدر تقاريرها، والصور تصل يوميًا، والدول الكبرى لا تزال توفر الغطاء السياسي والعسكري والدبلوماسي؟
يمكن تفسير هذا الإهمال بعدة مستويات.
أولًا، هناك تفسير زمني محتمل. ربما أُنجزت بنية الكتاب أو دراسات حالاته قبل أن تتبلور حرب غزة في صورتها القانونية الحالية. لكن هذا التفسير ضعيف جزئيًا، لأن الكتاب يتضمن معطيات حديثة جدًا، بينها إشارة إلى عامي 2024 و2025 في فصل البهائيين في إيران. أي إن الزمن وحده لا يكفي لتبرير الغياب. لو أراد المؤلف، كان يمكنه على الأقل أن يضيف فقرة في المقدمة أو الخاتمة عن غزة بوصفها امتحانًا راهنًا لمفهوم الوقاية.
ثانيًا، هناك تفسير منهجي. الكتاب اختار حالات “نجاة” أو “تخفيف خطر”، لا حالات إبادة جارية أو مكتملة. من هذه الزاوية قد يقول المؤلف إن غزة ليست حالة “مرونة ناجحة”، بل حالة فشل وقائي، ولذلك لا تدخل ضمن تصميمه المقارن. لكن هذا الرد لا يصمد تمامًا، لأن فصل سنجار نفسه يعالج حالة إبادة وقعت ثم جرى الحدّ من اتساعها. فإذا كان إنقاذ عشرات الآلاف من الإيزيديين يستحق الدراسة بوصفه “تخفيفًا” للإبادة، فإن السؤال عن غياب ممرات النجاة، وغياب الحماية الدولية، واستمرار الحصار والتدمير في غزة، يستحق بدوره أن يكون في قلب الخاتمة على الأقل.
ثالثًا، هناك تفسير سياسي ـ أكاديمي. دراسات الإبادة، رغم طابعها الأخلاقي العالي، ليست خارج خرائط القوة. بعض الإبادات تدخل سريعًا في اللغة المقبولة للمؤسسات الغربية، وبعضها يبقى عالقًا في منطقة الألفاظ الحذرة: “فظائع”، “أزمة إنسانية”، “نزاع”، “معاناة مدنيين”، “استخدام مفرط للقوة”، قبل أن يُسمح بتسميته باسمه. المسألة لا تتعلق بالأدلة وحدها، بل بمن يملك سلطة الاعتراف بالأدلة. هنا يبدو الكتاب أسيرًا لمفارقة عميقة: يريد بناء علم للوقاية من الإبادة، لكنه لا يفكك بما يكفي البنية السياسية التي تجعل بعض الإبادات قابلة للتسمية، وبعضها قابلة للإنكار أو التأجيل.
رابعًا، هناك مشكلة في مركزية النموذج الهولوكوستي داخل الكتاب. لا شك أن الهولوكوست هو المرجع المؤسس في القانون الدولي الحديث حول الإبادة، والكتاب يبدأ وينتهي تقريبًا تحت ظله، من الدنمارك وبلغاريا إلى إيلي فيزل في الخاتمة. لكن الخطر يظهر حين يتحول الهولوكوست من ذاكرة كونية ضد الإبادة إلى معيار انتقائي لرؤية الإبادة. فالوفاء الحقيقي لذاكرة الهولوكوست لا يكون بتكرار “لن يتكرر ذلك” داخل الحالات المريحة سياسيًا، بل باختبار العبارة حين يكون المتهم حليفًا للغرب، وحين يكون الضحايا فلسطينيين، وحين تكون اللغة الأخلاقية ذات كلفة سياسية.
خامسًا، يغيب عن الكتاب سؤال الاستعمار الاستيطاني بوصفه بنية طويلة المدى للإبادة أو للطرد أو لجعل الحياة مستحيلة. الحالات التي يدرسها الكتاب مهمة، لكنها غالبًا تُقرأ ضمن نماذج: أقلية مهددة، دولة قمعية، حرب، ميليشيا، تدخل دولي، ضغط خارجي. أما فلسطين فتفرض نموذجًا أكثر إحراجًا: عنف استعماري ممتد، احتلال، حصار، تجريد من السيادة، نظام تمييز، ثم حرب تدميرية واسعة. هذا النوع من العنف لا ينفجر فجأة، بل يتراكم داخل بنية يومية من السيطرة. لذلك فإن إدخال غزة كان سيجبر الكتاب على توسيع مفهوم “الخطر” من لحظة الإنذار المبكر إلى التاريخ الطويل لنزع الأرض والحق والحياة السياسية.
أهمية الكتاب، إذن، لا تُلغى بسبب هذا الغياب. بل يمكن القول إن قوته النظرية هي ما يجعل غياب غزة أكثر فداحة. فهو يعطينا أدوات مفيدة: عوامل الخطر، عوامل المرونة، دور الإنذار المبكر، أهمية الضغط الدولي، ضرورة التضامن المحلي، أثر الممرات الآمنة، قيمة التدخل السريع، وحدود الخطاب الأخلاقي بلا إرادة سياسية. لكنه، حين نضع غزة أمام هذه الأدوات، يكشف شيئًا ربما لم يقصده: أن مشكلة منع الإبادة ليست فقط في نقص المعرفة، بل في فائض المعرفة العاجزة. العالم لا يفشل دائمًا لأنه لا يعرف؛ يفشل أحيانًا لأنه يعرف ولا يريد أن يتصرف.
بهذا المعنى، الكتاب جيد حين يسأل: كيف نجت الدنمارك؟ كيف توقفت الكارثة في تيمور؟ كيف فُتح ممر في سنجار؟ لكنه يصبح ناقصًا حين لا يسأل: لماذا لم تُفتح غزة؟ لماذا لم تتحول التحذيرات إلى حماية؟ لماذا بقي القانون الدولي أبطأ من الموت؟ ولماذا تستطيع المؤسسات أن تدرس الوقاية من الإبادة بأثر رجعي، لكنها ترتبك حين تُطلب الوقاية في الزمن الحاضر؟
إن مراجعة هذا الكتاب لا ينبغي أن تنتهي بإدانته فقط، بل بوضعه أمام منطقه الخاص. فإذا كان هدفه بناء مقاربة قائمة على الأدلة لمنع الإبادة، فإن غزة ليست حالة خارجية عليه، بل هي امتحانه الداخلي. وإذا كان يريد أن يتعلّم من المجتمعات التي قاومت الانزلاق إلى الإبادة، فعليه أيضًا أن يتعلّم من العالم الذي شاهد غزة وهي تنزلق أمامه، ثم واصل إنتاج البيانات والمؤتمرات والتقارير.
الكتاب يقول إن الوقاية ممكنة. غزة تقول إن الإمكان وحده لا يكفي. بين الجملتين تقع السياسة كلها.
