خاص مركز بيروت للأخبار
بقلم: م. مصطفى زين العابدين
مصافحة تاريخية تعكس هدوء الواثق ونشوة الانتصار، بينما يغرق الغرب في صخب مستنقعات الشرق الأوسط، تاركاً خلفه المجال مفتوحاً لبكين وموسكو لإعادة رسم خارطة العالم الجديد، هذه هي الصورة التي طالما انتظرها الروس والصينيون لثلاثة عقود متتالية.
وما أعلنه الكرملين عن عزم الزعيمين إطلاق بيان مشترك، يُعد خطوة نحو الإشهار الدبلوماسي الأكثر وضوحاً لأفول الحقبة الاستشرافية التي تلت الحرب الباردة. إنه تجاوز صريح لكل ما تحاول الدوائر الغربية تجميله بمساحيق البروباغندا والزخم الرقمي، ليرسم هذا الإعلان ملامح عصر جديد في العلاقات الدولية ويضع القواعد التأسيسية لـ “عالم متعدد الأقطاب“.
هذا الإعلان المقتضب لا يمثل مجرد مناورة سياسية عابرة، بل هو رصد بنيوي لانسداد آليات العمل الدولي الحالية، وإعلان وفاة مؤسسي لما أسماه المحلل الاستراتيجي تشارلز كروثامر عام 1990 بـ “اللحظة الأمريكية أحادية القطب” (The Unipolar Moment). إننا أمام وثيقة جيو سياسية تحاول شرعنة واقع جديد تبلور ميدانياً على حساب الهيمنة الغربية.
الهيمنة المطلقة: من “نهاية التاريخ” إلى التدخل الفج
منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، تفرّدت واشنطن بصياغة القرار الدولي مستندة إلى أطروحة فرانسيس فوكوياما حول “نهاية التاريخ“، والتي افترضت حتمية سيادة النموذج الليبرالي الغربي واقتصاد السوق.
طوال ثلاثة عقود، مارست الولايات المتحدة ما يصفه الجغرافي والمفكر النظري ديفيد هارفي بـ “الإمبريالية الجديدة” عبر التراكم بالسلب، حيث تم توظيف مؤسسات “بريتون وودز” المالية (صندوق النقد والبنك الدوليين) كأدوات عقابية لإخضاع إرادات الدول.
هذه الأحادية بلغت ذروتها مع غزو العراق عام 2003 خارج أطر الشرعية الدولية ودون تفويض من مجلس الأمن، مما تسبب في تصدّع النظام الدولي “القائم على القواعد” وتحويله إلى نظام قائم على الإملاءات والمصالح الضيقة، الأمر الذي غرس بذور التمرد البنيوي لدى القوى الصاعدة.
فخ ميرشايمر: الاستنزاف عبر حروب الوكالة
تُفسّر نظرية “انتقال القوة” (Power Transition Theory) لعالم السياسة أورجانسكي الواقع الراهن بدقة، فالنظام الدولي يمر بمرحلة خطر وجودي عندما تبدأ القوة المهيمنة بالانحدار النسبي وتبرز قوى تتحدى الوضع القائم (Status Quo).
وفي هذا السياق، يرى أبرز علماء ومفكري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، جون ميرشايمر، أن اندفاع واشنطن نحو “الهيمنة الليبرالية” وتوسيع حلف الناتو، دفعها نحو مستنقعات استراتيجية و حروب بالوكالة أنهكت قواها المعيارية والاقتصادية.
لقد عجزت التحالفات الغربية عن فرض الاستقرار، بل تحولت إلى طرف في إشعال بؤر التوتر لتأجيل لحظة الأفول الحتمي. هذا الإفراط في الاستنزاف العسكري أدى إلى تآكل الردع الأمريكي، وشجّع بكين وموسكو على التحرك المشترك لإعادة صياغة الأمن الجماعي العالمي.
معضلة الشرق الأوسط: “إسرائيل الكبرى” واستعباد الإرادات
عند إسقاط هذه المقاربات على الشرق الأوسط، يتضح كيف تحول الانحياز الأمريكي المطلق لتل أبيب إلى عامل تقويض للهيمنة الأمريكية نفسها.
في دراستهما الأكاديمية الصادمة (The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy)، يفكك جون ميرشايمر وستيفن والت كيف نجحت مجموعات الضغط الصهيونية في تجيير السياسة الخارجية الأمريكية لخدمة مصالح إسرائيلية بحتة، حتى لو تعارضت مع المصالح الاستراتيجية لواشنطن.
هذه التبعية أطلقت يد اليمين الإسرائيلي لمحاولة فرض مشروع “إسرائيل الكبرى” عسكرياً واقتصادياً، وهو ما قاد المنطقة إلى مستنقعات حروب مدمرة أزهقت أرواح مئات الآلاف من المدنيين في فلسطين، ولبنان، وسورية، واليمن والعراق وحديثاً إيران ناهيك عن حروب الربيع العربي والصراعات في دول إفريقية.
إن محاولة إخضاع إرادات الشعوب بقوة السلاح والدبلوماسية المعطلة أنتجت في المقابل بيئة إقليمية صلبة ومناهضة، رأت في التعددية القطبية مخرجاً وحيداً للتخلص من الهيمنة.
الشلل الميداني وتحولات الردع الحديث
وفي نظرة خاطفة للميدان، يمكن مشاهدة أن حاملات الطائرات والأساطيل التقليدية لم تعد كافية لفرض الإرادة السياسية في ظل مفهوم “تفكك القوة النمطية“.
ووفقاً لـ “نظرية الردع” (Deterrence Theory)، فإن التكنولوجيا العسكرية الجديدة القائمة على الطائرات المسيرة الانقضاضية، والصواريخ الفرط صوتية، وحروب العقول والألياف الضوئية، كسرت احتكار القوة الإسرائيلية-الأمريكية.
إيران، على سبيل المثال، تمكنت عبر تكتيكات “الحروب الهجينة” وشبكة تحالفاتها الإقليمية من صياغة معادلة ردع معقدة شلّت قدرة الخصوم في الممرات المائية والمنافذ الاستراتيجية الحيوية. هذا التحول العسكري أثبت عملياً أن تكلفة الحرب المباشرة باتت تفوق قدرة واشنطن وحلفائها على الاحتمال.
فرضيات التفكك الداخلي: ترامب ونتنياهو كمسرّعات للأفول
وليس بعيداً عن مدرسة التحليل البنيوي التاريخي، يمكننا العودة من خلال المقاربات إلى نظرية “إيمانويل والرشتاين” حول النظام-العالمي، حيث نجد أن الإمبراطوريات الكبرى تنهار من الداخل قبل أن تسقط بضغط الخصوم.
أما من الناحية السياسية والاجتماعية، فقد عكس صعود التيار الشعبوي بزعامة دونالد ترامب حالة من الاستقطاب العمودي الحاد داخل المجتمع والمؤسسات الأمريكية، حيث تتقدم النزعة الانعزالية (أمريكا أولاً) على حساب الالتزامات الدولية، مما يسرّع ملامح التفكك الداخلي وتراجع القوة الناعمة.
بالتوازي، يتفق محللون استراتيجيون غربيون (مثل المؤرخ بيني موريس والتقارير الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي) على أن السياسات المتطرفة والصدامية لحكومة بنيامين نتنياهو تقود تل أبيب نحو عزلة دولية خانقة وتآكل متسارع في الشرعية الأخلاقية والقانونية.
إن هذا السلوك القائم على “الأنا العليا” وتجاوز الخطوط الحمراء الدبلوماسية يقع تماماً ضمن سياق “الانتحار الاستراتيجي للأنظمة”، حيث يقود غياب الرؤية السياسية والاعتماد الحصري على التدمير إلى انهيار ذاتي متسارع.
ملامح العصر الجديد: إصلاح البنية الدولية
وبالعودة إلى أعلنه الكرملين اليوم ، فإن هندسة العالم الجديد بالنسبة لقوى الجنوب العالمي لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة بقاء تتلخص في ثلاث ركائز:
-
إعادة صياغة آليات الأمم المتحدة: إنهاء احتكار “الفيتو” في مجلس الأمن لمنع شلل القرار الدولي وتوفير حماية حقيقية للشعوب المستضعفة.
-
التعددية النقدية: دعم تكتلات مثل “بريكس” (BRICS) لخلق نظام مالي موازٍ يعتمد العملات المحلية وينهي “تسييس الدولار” كأداة ضغط استراتيجي.
-
الأمن الشامل وغير القابل للتجزئة: تبني العقيدة التي تنص على أن أمن أي دولة لا يمكن أن يتحقق على حساب أمن الآخرين، وهي الفلسفة التي تنقض التمدد التوسعي للأحلاف العسكرية الغربية.
إن الإعلان الروسي الصيني هو تشريح معمق لنظام قديم يرفض الاعتراف بنهايته، وإيذان بولادة نظام جديد لن تصفى توازناته وعقوده في قاعات المؤتمرات، بل تُكتب ملامحه الكبرى بحدود الميدان من دونباس إلى غزة وبيروت وطهران.
