كتب أيمن جزيني في أساس ميديا:
في البلدان المستقرّة، تبدو الدعوة إلى الدولة أمراً بديهيّاً لا يحتاج إلى خطاب سياسيّ أو معركة فكريّة. أمّا في لبنان فقد جاءت كلمة رئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام عن الدولة ومعناها السياسيّ لتشكّل ما يشبه إعلاناً سياسيّاً واضحاً عن معنى الدولة، ومعنى الوطنيّة، ومعنى الشجاعة في زمن الانهيارات الكبرى.
لم تكن كلمة نوّاف سلام في حفل تكريم “المقاصد” خطاباً بروتوكوليّاً في مناسبة تكريميّة وحسب، بل بدت كأنّها محاولة لإعادة تعريف النقاش اللبنانيّ نفسه: من نقاش في توازنات الطوائف والقوى، إلى نقاش في مصير الدولة ومعنى بقائها.
بدت الكلمة أبعد من خطاب سياسيّ عابر. لم يتحدّث بلغة التسويات الرماديّة المعتادة في الحياة السياسيّة اللبنانيّة، بل اختار لغة مباشرة تقوم على فكرتين واضحتين: لا إنقاذ للبنان خارج منطق الدولة، ولا دولة فعليّة في ظلّ تعدّد القرار السياديّ والسلاح والوظيفة الإقليميّة.
هذه محاولة سياسيّة من رئيس الحكومة لإعادة ترتيب النقاش اللبناني كلّه، بعد سنوات طويلة جرى خلالها تحويل الدولة إلى تفصيل ثانويّ داخل سرديّات أكبر منها: المقاومة، المحاور، الصراعات الإقليميّة، التوازنات الطائفيّة، أو الحسابات الجيوسياسيّة العابرة للحدود.
لبنان بوصفه ساحة لا دولة
تكمن مأساة لبنان الحديثة في أنّه لم يُعامَل، منذ نهاية الحرب الأهليّة، بوصفه دولة مكتملة السيادة، بل بوصفه مساحة مفتوحة لتقاطعات القوى الإقليميّة. تحوّل هذا الواقع مع الوقت إلى ما يشبه العقيدة السياسيّة لدى قسم من السياسيّين اللبنانيّين، فجرى التعامل مع ضعف الدولة باعتباره أمراً طبيعيّاً، بل أحياناً ضروريّ لحماية “التوازنات” أو “الخصوصيّات” أو “المقاومة”.
لكنّ التجربة اللبنانيّة أثبتت العكس تماماً. كلّما ضعفت الدولة، تمدّدت الانقسامات الطائفيّة، تعمّقت التبعيّة للخارج، وتراجعت فكرة المواطنة لمصلحة الولاءات الجزئيّة. حين لا يعود القرار السياديّ موحّداً، تصبح البلاد كلّها معرّضة للاهتزاز مع كلّ تحوّل إقليميّ، وكأنّ اللبنانيّين محكومون بالعيش داخل حرب مؤجّلة باستمرار.
من هنا تحديداً تأتي أهمّيّة عبارة رئيس الحكومة حين شدّد على أنّ الدولة التي يريدها اللبنانيّون هي “دولة يكون قرارها قرار مؤسّساتها الدستوريّة، وسلاح واحد هو سلاح جيشها الوطنيّ”. تختصر هذه الجملة جوهر الأزمة اللبنانيّة منذ عقود: وجود سلطات متعدّدة داخل الكيان الواحد، لكلّ منها حساباتها الإقليميّة وأولويّاتها الخاصّة ورؤيتها للعالم.
لقد حاول لبنان طويلاً التعايش مع فكرة “الدولة الناقصة”، أي الدولة التي لا تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم. لكنّ السنوات الأخيرة أثبتت أنّ هذا النموذج لم يعُد قابلاً للاستمرار. تغيّر العالم، وتغيّرت المنطقة وبدأت تميل إلى البحث عن الاستقرار والتنمية والدولة القادرة، بعد عقود من الاستنزاف الأيديولوجيّ والصراعات المفتوحة.
الحرب التي لم يختَرها اللّبنانيّون
ربّما كانت العبارة الأكثر حساسيّة في خطاب سلام قوله إنّ الحرب الأخيرة “لم نختَرها بل فُرضت علينا”. لا تحمل هذه الجملة توصيفاً سياسيّاً للحرب فقط، بل تمثّل انقلاباً هادئاً على اللغة التي حكمت لبنان خلال السنوات الماضية، التي جرى فيها تقديم الانخراط في الحروب الإقليميّة باعتباره امتداداً طبيعيّاً للهويّة الوطنيّة أو التزاماً أخلاقيّاً يتجاوز فكرة الدولة نفسها.
لكنّ ما يقوله سلام هنا هو العكس تماماً: لبنان ليس مطالَباً بأن يكون ساحة دائمة لحروب الآخرين، ولا أن يتحوّل شعبه إلى مجتمع يعيش باستمرار على إيقاع الجبهات المفتوحة. الأهمّ أنّه ربط ذلك مباشرة بالنتائج الواقعيّة للحرب: الاحتلال، الدمار، النزوح، القتل، والانهيار الإضافيّ.
في هذه النقطة تحديداً تظهر دقّة الشجاعة السياسيّة في كلام سلام. لا يستخدم لغة المزايدة، ولا يحتمي بالغموض التقليديّ الذي يترك لكلّ طرف إمكانيّة تفسير الكلام كما يريد، بل يذهب إلى مواجهة مباشرة مع ثقافة سياسيّة كاملة قامت لعقود على إعادة إنتاج الهزائم بوصفها انتصارات رمزيّة.
من هنا جاءت أهميّة العبارة القاسية التي قالها سلام حين تحدّث عمّن “يحاول أن يستخفّ بعقولنا ويسمّي ذلك انتصارات”. هذه ليست سجالاً سياسيّاً، بل محاولة لوقف التزييف الجماعيّ للوعي اللبنانيّ، الذي جعل جزءاً من البلاد يعيش طويلاً داخل سرديّة منفصلة عن الوقائع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياديّة الفعليّة.
نهاية زمن الوظائف الإقليميّة
في العمق، يعكس خطاب سلام إدراكاً متزايداً أنّ البيئة الإقليميّة نفسها تغيّرت. الشرق الأوسط الذي نشأ بعد صعود المحاور العقائديّة لم يعد قائماً بالشكل نفسه. تدخل المنطقة تدريجاً مرحلة جديدة عنوانها الأساسيّ: الدول التي تريد البقاء مطالَبة بإعادة تعريف أولويّاتها على أساس الاقتصاد والاستقرار وإعادة بناء المؤسّسات.
أمّا لبنان فما يزال حتّى اليوم عالقاً بين مشروع الدولة ومشروع “الوظيفة الإقليميّة”، أي فكرة أنّ أهّميّة البلد تأتي من دوره داخل صراعات المنطقة لا من قدرته على بناء دولة قابلة للحياة. هذه الفكرة تحديداً هي التي استنزفت لبنان لعقود، لأنّها جعلت الكيان اللبنانيّ كلّه رهينة لتوازنات خارجيّة متقلّبة.
حين يقول سلام: “كفانا مغامرات عبثيّة في خدمة مشاريع أو مصالح أجنبيّة”، لا يوجّه نقداً ظرفيّاً فقط، بل يعلن عمليّاً رفض استمرار تحويل لبنان إلى منصّة جيوسياسيّة تستخدمها القوى الإقليميّة لتحقيق مصالحها. هذا تحوُّل بالغ الأهميّة لأنّ جزءاً كبيراً من المأزق اللبنانيّ نشأ من تطبيع فكرة التبعيّة، إلى حدّ أنّ شرائح عريضة من اللبنانيّين باتت تتعامل مع الارتهان للخارج بوصفه قدراً دائماً لا يمكن تجاوزه.
الدّولة بوصفها شرط بقاء
ما يمنح خطاب سلام قوّته الفعليّة ليس ارتفاع نبرته، بل برودته السياسيّة. لم يتحدّث بلغة التعبئة أو الثأر أو التخوين، بل بلغة الدولة التي تحاول استعادة معناها بعد غياب مديد. حتّى حين انتقد المغامرات والحروب والخطابات الوهميّة، فعل ذلك من داخل منطق وطنيّ لا إقصائيّ، حين شدّد على ضرورة مواجهة الحقيقة “جميعاً دون إقصاء أو استقواء”.
هذه نقطة شديدة الأهميّة لأنّ أيّ مشروع لبناء الدولة في لبنان لا يمكن أن ينجح إذا تحوّل إلى مشروع انتقام سياسيّ أو طائفيّ. الدولة لا تُبنى بالغلبة، بل بإعادة دمج الجميع داخل عقد وطنيّ واضح: لا أحد فوق القانون، لا أحد خارج الدولة، ولا شرعيّة لأيّ قوّة تنافس المؤسّسات الدستوريّة في وظائفها السياديّة.
لقد تعب اللبنانيّون من الخطابات القصوى، ومن اللغة التي لا تنتج سوى المزيد من الانقسام والتعبئة والخوف المتبادل. ربّما لهذا السبب تحديداً بدا كلام سلام مختلفاً: لقد حاول أن يعيد السياسة إلى دورها الطبيعيّ، أي إدارة الدولة لا إدارة الحروب المفتوحة.
لهذا بدت كلمة سلام، بكلّ ما حملته من وضوح سياسيّ، أقرب إلى محاولة لإنقاذ فكرة لبنان نفسها، لا الدفاع عن حكومة أو موقع سياسيّ. البلاد التي استُنزفت لعقود بين الجغرافيا والأيديولوجية والمحاور، لم يعد أمامها سوى خيار واحد: العودة إلى منطق الدولة بوصفه الصيغة الوحيدة القادرة على حماية المجتمع والكيان معاً.
هذه ربّما أصعب أشكال الشجاعة الوطنيّة في لبنان اليوم: أن تقول إنّ بقاء الدولة أهمّ من بقاء الأوهام، وإنّ السيادة ليست خطاباً عاطفيّاً بل نظام كامل من المسؤوليّة والقرار والقانون، وإنّ الوطن لا يمكن أن يعيش إلى الأبد بوصفه ساحة مفتوحة للآخرين.
المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
