كتب باسم الموسوي

ليست العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل نتاج قرار سياسي عابر أو تحالف ظرفي، بل هي بنية مركّبة تتداخل فيها العقيدة الدينية مع المصالح الاقتصادية، وتتشابك فيها الهوية الثقافية مع حسابات القوة. فهم هذه العلاقة يتطلب تجاوز التفسيرات التبسيطية التي تختزلها في “لوبي” أو “تبعية”، والاقتراب بدلًا من ذلك من شبكة أعمق من العوامل التي تتغذّى بعضها من بعض.
في قلب هذه البنية، تقف البروتستانتية الأمريكية بوصفها أحد الأعمدة التاريخية للوعي السياسي. فالبروتستانت، بمختلف تياراتهم، لا يزالون يشكّلون الكتلة الدينية الأكبر في الولايات المتحدة، بنسبة تقارب 40 إلى 43 في المئة من السكان. هذه الكتلة ليست متجانسة، لكنها تضم تيارًا مؤثرًا للغاية هو التيار الإنجيلي، ولا سيما “الإنجيليون البيض”، الذين لعبوا دورًا حاسمًا في صياغة المواقف السياسية تجاه الشرق الأوسط.
الدعم الإنجيلي لإسرائيل لا ينبع فقط من اعتبارات استراتيجية، بل من قناعة لاهوتية تُعرف بـ“الصهيونية المسيحية”. في هذا التصور، يُنظر إلى قيام إسرائيل وازدهارها كجزء من سردية دينية أوسع مرتبطة بنبوءات توراتية. هذه الرؤية تمنح الدعم لإسرائيل طابعًا “واجبًا عقائديًا”، يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية. لذلك، يصبح الدفاع عن إسرائيل، في هذا السياق، ليس مجرد موقف سياسي، بل تعبيرًا عن إيمان.
في المقابل، يشكّل الكاثوليك، الذين يمثلون نحو 19 إلى 20 في المئة من السكان، أكبر طائفة مسيحية منفردة، لكنهم يختلفون في مقاربتهم. فالموقف الكاثوليكي، المتأثر بتوجهات الكنيسة العالمية، يميل إلى قدر أكبر من التوازن، وغالبًا ما يدعم حل الدولتين ويركّز على البعد الإنساني والحقوقي. هذا التباين داخل المسيحية الأمريكية يوضح أن الدعم لإسرائيل ليس إجماعًا دينيًا، بل نتيجة وزن تيار بعينه داخل البنية الدينية.
لكن الدين وحده لا يفسّر كل شيء. فإلى جانب البعد اللاهوتي، هناك بعد اقتصادي لا يقل أهمية، يتمثل في حضور الجالية اليهودية في مفاصل الاقتصاد الأمريكي. رغم أن اليهود يشكّلون حوالي 2% فقط من السكان، فإن حضورهم في قطاعات المال والأعمال يفوق هذه النسبة. أسماء بارزة في عالم التكنولوجيا والاقتصاد، مثل Larry Ellison وMark Zuckerberg وMichael Dell، تعكس هذا التأثير في قمة الهرم الاقتصادي.
كما تشير التقديرات إلى أن نسبة الرؤساء التنفيذيين اليهود في شركات Fortune 500 تتراوح بين 2.4% و4%، أي أعلى من نسبتهم السكانية. هذا الحضور لا يعني سيطرة أو هيمنة بالمعنى المبسّط، بل يدل على اندماج عميق في بنية الرأسمالية الأمريكية، قائم على عوامل مثل التركيز التاريخي على التعليم، وريادة الأعمال، وأخلاقيات العمل.
هنا تحديدًا يتقاطع الاقتصادي مع السياسي. فوجود نخبة اقتصادية فاعلة، مرتبطة ثقافيًا أو هوياتيًا بإسرائيل، يساهم في تعزيز الروابط بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية. لكن هذا التقاطع لا يعني علاقة تبعية، بل أقرب إلى شراكة مصالح. الولايات المتحدة لا تدعم إسرائيل فقط بدافع التأثير الداخلي، بل لأنها ترى فيها امتدادًا استراتيجيًا لمصالحها في منطقة مضطربة.
هذا ما يجعل العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيدًا من مجرد ضغط لوبي أو اندفاع ديني. إنها شبكة من التفاعلات: عقيدة دينية تمنح الشرعية، ونخبة اقتصادية تعزّز الترابط، ومؤسسة سياسية ترى في هذا التحالف أداة لتحقيق مصالحها الجيوسياسية.
غير أن هذا التداخل نفسه يطرح أسئلة عميقة. هل يمكن فصل القرار السياسي عن تأثيرات الهوية؟ وهل تظل المصالح الاستراتيجية مستقرة عندما تتغيّر التوازنات الداخلية، سواء الدينية أو الاقتصادية؟ ثم، إلى أي حد يمكن لهذا التحالف أن يستمر إذا بدأت الكلفة السياسية أو الأخلاقية في الارتفاع داخل المجتمع الأمريكي نفسه؟
ما يبدو واضحًا أن العلاقة الأمريكية مع إسرائيل ليست جامدة، لكنها أيضًا ليست سهلة التغيير. فهي تستند إلى طبقات متراكمة من التاريخ والعقيدة والمصلحة، تجعلها أكثر من مجرد تحالف سياسي عابر. إنها، في جوهرها، تعبير عن كيفية تشكّل القوة في العالم الحديث: ليس فقط بالسلاح، بل بالأفكار، والاقتصاد، والهوية.
ومن هنا، فإن فهم هذه العلاقة لا يقتصر على تحليل السياسات، بل يتطلب قراءة أعمق للبنية التي تنتجها. لأن ما يبدو في الظاهر قرارًا سياسيًا، هو في الحقيقة نتيجة تفاعل طويل بين الدين والاقتصاد والسلطة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com