
كتب حسن حردان:
لقد أدّى إضعاف الدولة الوطنية السورية، وتدمير قدرات الجيش السوري، وحلّه، واشتداد الاستقطاب الطائفي بفعل وصول قوى طائفية تكفيرية إلى سدة السلطة، والتدخل الإسرائيلي على خط تغذية الصراعات الطائفية تحت ذريعة حماية الطائفة الدرزية، وغيرها من الأقليات، الى إدخال سورية في مرحلة من الفوضى والاضطراب تحكمها الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية.. الأمر الذي يحقق الهدف الإسرائيلي الأميركي من إحداث الفوضى الهدامة لإعادة تشكيل سورية وفق ما يسمّى مشروع “الشرق الأوسط الجديد”…
فسياسة فرّق تسد التي فشل الاستعمار الفرنسي في تحقيقها خلال احتلاله لسورية بهدف تقسيمها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، ها هي تتحقق اليوم، مع الأسف الشديد، في ظلّ الهيمنة الأميركية الإسرائيلية على سورية، إثر سقوط نظام الرئيس بشار الأسد…
لقد حصل في سورية ما كنا نحذر منه منذ بداية الحرب الإرهابية الكونية التي شنّت ضدّ الدولة الوطنية السورية بدعم أميركي إسرائيلي تركي، معززا بحلف دولي.. فاليوم بعد انهيار الدولة الوطنية كمعبّر وكحامي لوحدة الشعب السوري، بدأت هذه الوحدة بالتشظي، مع اشتداد الاستقطاب الطائفي بفعل وصول قوى ذات أجندات طائفية (سواء كانت تكفيرية أو غيرها) إلى سدة السلطة، بالإضافة إلى التدخلات الخارجية المتنوّعة، وفي المقدمة التدخل الأميركي، والإسرائيلي، بذريعة حماية الأقليات، مما دفع سورية بالفعل إلى الدخول في مرحلة خطيرة من الفوضى والاضطراب التي تحكمها الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية.. وتجسد ذلك من خلال:
أولاً، إضعاف الدولة الوطنية السورية: قبل عام 2011، كانت الدولة السورية الوطنية توفر الاستقرار والسيطرة المركزية. لكن مع اندلاع الحرب الإرهابية ضدّ سورية، تآكلت سلطة الدولة بشكل كبير في مناطق واسعة، مما خلق فراغاً أمنياً وإدارياً سمح بظهور وتوسّع قوى غير حكومية. هذا الضعف ومن ثم انهيار الدولة شكل بيئة خصبة للصراعات الطائفية والمذهبية.. التي ساعدت على نشوبها السلطة الجديدة برئاسة الجولاني، وهو ما تجسّد في المجازر التي ارتكبتها الجماعات الإرهابية التكفيرية في مدن وقرى الساحل السوري، إلى جانب عمليات الخطف والقتل والاغتيال المستمرة في مخالطة حمص، وأخيراً في دفع الوضع في السويداء إلى الاحتراب الطائفي من خلال محاولة تكرار ما حصل في الساحل…
ثانياً، اشتداد الاستقطاب الطائفي والمذهبي: بينما بدأت الحرب بمطالب سياسية واجتماعية أوسع، تحوّل الصراع تدريجياً إلى صراع ذي أبعاد طائفية ومذهبية واضحة، ساهمت عوامل عدة في إعطائه هذا الطابع:
العامل الأول، صعود الجماعات المتطرفة:
لقد أدى ظهور وتصاعد نفوذ جماعات جهادية ذات ايديولوجية تكفيرية، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة (هيئة تحرير الشام لاحقاً)، إلى تعزيز الطابع الطائفي للصراع، مستهدفة الأقليات وأتباع مذاهب إسلامية أخرى.. وحتى السنة المعتدلين.
العامل الثاني، التدخلات الإقليمية: قامت قوى إقليمية لا سيما تركيا، بدعم أطراف في الصراع بناءً على أسس طائفية، مما زاد من حدة الاستقطاب.
العامل الثالث: التدخل الإسرائيلي بذريعة حماية الدروز والأكراد: تدخلت إسرائيل منذ البداية في هذه الحرب عبر تقديم الدعم للجماعات الإرهابية المسلحة، او عبر ضرب مرتكزات القوة العسكرية والعلمية السورية لمساعدة هذه الجماعات على تعزيز حضورها وسيطرتها على حساب حضور وسيطرة الدولة.. ومع تصاعد التوترات في جنوب سورية، وبالتحديد في السويداء، سارعت “إسرائيل” إلى التدخل بادّعاء حماية الطائفة الدرزية، وخرق الحكم الجديد لاتفاق نزع الأسلحة الثقيلة في الجنوب السوري، ونفذت ضربات جوية ضدّ قوات الحكومة السورية.. هذه التدخلات، بغضّ النظر عن دوافعها المعلنة، تزيد من تعقيد المشهد وتغذي الصراع الطائفي من خلال إعطاء بعد إقليمي ودولي للأحداث المحلية. ويمكن أن تُفسّر هذه التدخلات على أنها استخدام للأوراق الطائفية لتحقيق أهداف استراتيجية..
انطلاقاً مما تقدّم يمكن القول إنّ هذه العوامل تضافرت لتغرق سورية في دوامة من العنف والفوضى التي تتسم بتشابك الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية.. لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين نظام ومعارضة، بل أصبح خليطاً معقداً من الحروب بالوكالة، والنزاعات المحلية، والتنافس على الموارد والنفوذ، وكلّ ذلك يتأثر بقوة بالهويات الطائفية والعرقية. هذا الوضع يجعل من الصعب جداً التوصل إلى حلّ وطني يرسي الأمن والاستقرار، ويضع حداً لمعاناة السوريين ومخاطر الفتنة الطائفية والمذهبية والعرقية التي يغذيها التدخل الإسرائيلي الأميركي.