في آب 1945، كانت أوروبا قد خرجت من الحرب العالمية الثانية محطّمة، وكان الجيش الأحمر يقف في قلب القارة، من برلين إلى البلقان. يومها لم يكن السؤال البريطاني والأميركي هو ما إذا كان الاتحاد السوفياتي قوياً؛ هذه كانت حقيقة ظاهرة لا تحتاج إلى جهاز استخبارات.
ماذا يريد ستالين أن يفعل بهذه القوة؟
ماذا يريد ستالين أن يفعل بهذه القوة؟
السؤال كان: ماذا يريد ستالين أن يفعل بهذه القوة؟ هل يريد منطقة عازلة تحمي روسيا من غزو ثالث يأتيها من الغرب، أم أن الأمن ليس سوى اسم آخر لمشروع توسع لا ينتهي؟ بعد أشهر قليلة، بدأت الإجابة الغربية تتبدل. ما جرى في بولندا وإيران والمضائق التركية لم يُقرأ بوصفه مجموعة أزمات منفصلة، بل بوصفه نمطاً. ومن هذا النمط وُلد الاستنتاج بأن المشكلة ليست في مطالب سوفياتية محددة، بل في طبيعة المشروع السوفياتي نفسه. هكذا تبدأ الحرب الباردة، في الكتاب الذي بين أيدينا، لا حين يتغير ميزان القوى، بل حين يتغير تفسير النيات.
هذه هي الفكرة المركزية في كتاب مايكل ف. جوزف، أصول تنافسات القوى الكبرى. السؤال الذي ينطلق منه الكتاب بسيط، لكنه يصيب فجوة حقيقية في نظرية العلاقات الدولية: لماذا تتأخر المنافسة بين قوة مهيمنة وقوة صاعدة سنوات أو عقوداً، مع أن صعود القوة الجديدة يكون معروفاً ومكشوفاً منذ البداية؟ ولماذا تنتهي بعض التحولات في ميزان القوى إلى مواجهة، بينما تنتهي تحولات أخرى إلى تسوية وسلام مستقر؟
ما الذي تقوله النظرية التقليدية؟
ما الذي تقوله النظرية التقليدية؟
النظرية التقليدية تقول إن المشكلة هي القوة. حين تصعد دولة جديدة، تخاف منها القوة القائمة، وحين تخاف منها تبدأ بمحاصرتها. هذه هي قصة «فخ ثوسيديدس» في نسختها الشعبية: صعود أثينا أثار خوف إسبرطة، وكان الحرب. وهي أيضاً قلب نظريات انتقال القوة والحرب الوقائية. لكن الوقائع، كما يلاحظ المؤلف، لا تسير بهذه البساطة. بريطانيا عرفت منذ القرن التاسع عشر أن الولايات المتحدة ستزيحها من نصف الكرة الغربي، ومع ذلك انتهى المسار إلى تسوية وشراكة. وكانت تعرف أن ألمانيا تتسلح وتصعد، لكنها لم تدخل في المواجهة فوراً. والولايات المتحدة نفسها راقبت صعود الصين منذ التسعينيات، بل ساعدت على دمجها في الاقتصاد العالمي، ولم تنتقل إلى المنافسة الصريحة إلا بعد نحو عقدين.
المشكلة، إذاً، ليست في حجم القوة وحده، بل في السؤال الذي يليها: ما الذي تريده القوة الجديدة؟
ما الذي تريده القوة الجديدة؟
ما الذي تريده القوة الجديدة؟
هنا يقدم جوزف إضافته النظرية. الدول، بحسبه، لا تطلب النفوذ بالطريقة نفسها ولا للأسباب نفسها. قد تتحرك بحثاً عن الأمن، أو المكانة، أو الثروة، أو الانتقام، أو توحيد جماعة قومية، أو استعادة حدود تاريخية. لكن هذه الدوافع ليست عناوين مجردة، لأن كل دافع يتجسد داخل تاريخ وثقافة وجغرافيا محددة. القومية الألمانية لا تنتج الخريطة نفسها التي تنتجها القومية الروسية، ومطلب الأمن لدى دولة تعرضت مراراً للغزو لا يحمل المعنى نفسه لدى قوة بحرية محمية بجغرافيتها. لهذا لا يمكن معرفة النيات من مؤشرات عامة فقط، مثل النظام السياسي أو معدل الإنفاق العسكري أو عدد حاملات الطائرات. يجب فهم المسائل التي تختار الدولة أن تقاتل من أجلها، وربطها بالسردية التي تبرر بها سياستها.
إذا أعلنت قوة صاعدة أن هدفها محدود بمبدأ معين، ثم جاءت أفعالها منسجمة مع هذا المبدأ، يمكن للقوة القائمة أن تطمئن جزئياً، حتى لو كانت تلك الأفعال عنيفة. أما إذا بدأت مطالب القوة الصاعدة تتجاوز المبدأ الذي أعلنته، فإن التفسير يتغير. هنا لا يعود استخدام القوة حادثة موضعية، بل يصبح دليلاً على أن الدولة قالت شيئاً وتريد شيئاً آخر.
هذه العملية يسميها المؤلف «الاستدلالات النوعية». حين يكتشف محلل أميركي أن الصين مستعدة للقتال من أجل تايوان، لا يستنتج بالضرورة ما كان سيستنتجه لو استخدمت الصين القوة لإسقاط حكومة في أفريقيا. الكلفة العسكرية قد تكون متشابهة، لكن المعنى مختلف، لأن تايوان تحتل موقعاً خاصاً داخل التاريخ القومي الصيني، بينما لا يحمل البلد الأفريقي القيمة التاريخية نفسها. لهذا لا تكشف الإشارة المكلفة النيات بمفردها؛ الذي يكشفها هو العلاقة بين الفعل والسياق.
نظرية الإشارات التقليدية
نظرية الإشارات التقليدية
في هذا المعنى، يقدم الكتاب اعتراضاً مهماً على نظرية الإشارات التقليدية. هذه النظرية تفترض أن الكلام الدبلوماسي رخيص، لأن الدولة تستطيع أن تقول ما تشاء، وأن الأفعال المكلفة وحدها تحمل معلومات موثوقة. لكن جوزف يقول إن الكلام قد يصبح مهماً إذا أعلن مبدأ واضحاً يمكن اختبار الأفعال اللاحقة على أساسه. التصريح لا يثبت صدق الدولة، لكنه يبني معياراً يحاصرها. وإذا زعمت أن مطالبها تنحصر في أمن جماعة قومية محددة، ثم بدأت تطالب بأراضٍ لا علاقة لها بهذه الجماعة، فإن كلامها السابق يتحول من أداة طمأنة إلى دليل ضدها.
هنا تظهر أناقة النظرية. الدولة ذات المطالب المحدودة تستطيع، مع الوقت، أن تثبت محدوديتها، لأن أفعالها ستبقى قابلة للتفسير ضمن مبدأ واحد. أما الدولة الجشعة، في مصطلحات النموذج، فستفشل في المحافظة على الاتساق. عاجلاً أو آجلاً ستطالب بشيء لا ينسجم مع المبدأ المعلن، وعندها تنتقل القوة المدافعة من التحوط إلى المنافسة. لذلك لا تكون النتيجة سلاماً فورياً أو حرباً فورية، بل «سلاماً متأخراً» أو «منافسة متأخرة».
لا يكتفي المؤلف بصياغة الفكرة، بل يبني حولها جهازاً بحثياً متكاملاً. يجربها أولاً على 93 من نخب الأمن القومي والسياسة الخارجية الأميركية، ضمن محاكاة مفصلة لدولة صاعدة خيالية. يتلقى المشاركون معلومات عن خطاب الدولة وتحركاتها العسكرية، ثم يُطلب منهم تحديث تقديراتهم لنواياها. النتيجة التي يعرضها الكتاب هي أن النخب لا تنظر إلى العنف وحده، بل إلى مدى اتساق الفعل العسكري مع المبدأ المعلن. أفعال متطابقة في الكلفة قد تنتج تقديرات مختلفة إذا اختلفت علاقتها بالسردية التي قدمتها الدولة عن نفسها.
الحالة البريطانية السوفياتية
الحالة البريطانية السوفياتية
بعد ذلك ينتقل إلى الحالة البريطانية السوفياتية بين 1941 و1946. يتابع تقارير وزارة الخارجية والجيش والاستخبارات والاجتماعات الدبلوماسية، من زيارة أنطوني إيدن إلى موسكو إلى أزمة إيران والمضائق. يخلص إلى أن البريطانيين لم يكتشفوا فجأة أن الاتحاد السوفياتي قوي أو عنيف؛ كانوا يعرفون ذلك. ما تغير هو أنهم لم يعودوا قادرين على تفسير مجموع أفعاله ضمن مبدأ أمني محدود. عند تلك اللحظة، تحولت الوقائع نفسها إلى معنى جديد، وبدأت المنافسة.
ثم يختبر نظريته على أربع عشرة حالة من تنافسات القوى الكبرى منذ 1850، ويقول إنها تفسر النتيجة والتوقيت في اثنتي عشرة حالة. القيمة هنا ليست في الرقم وحده، بل في نوع الحالات التي يحاول تفسيرها: الحالات التي لا تقع فيها الحرب رغم انتقال سريع للقوة، أي «الكلاب التي لا تنبح»، كما يسميها تقليد البحث السياسي. فالنظرية الجيدة لا تفسر فقط لماذا اندلع الصراع، بل لماذا لم يندلع حين كانت النظريات السائدة تتوقعه.
واشنطن.. صنعت خصمها:
لكن أهم فصول الكتاب، سياسياً، هو الفصل المتعلق بالصين. هنا يدافع المؤلف عن أطروحة مخالفة للسردية الأميركية الرائجة التي تقول إن واشنطن كانت ساذجة، وإنها أهدت الصين عقوداً من النمو قبل أن تكتشف متأخرة أنها صنعت خصمها. برأيه، كان التحوط عقلانياً، لأن المعلومات المتاحة لم تكن تبرر الانتقال المبكر إلى المواجهة. الإدارات الأميركية المختلفة، من بوش الأب إلى كلينتون وبوش الابن، حافظت على سياسة متشابهة رغم اختلافاتها الحزبية والشخصية. ثم بدأ التحول مع إدارة أوباما، واكتمل في عهد ترامب، واستمر مع بايدن. هذا الاستمرار، في نظره، لا يفسر بأهواء الرؤساء، بل بتبدل جماعي في تقدير نيات الصين قرابة عام 2011.
هنا يبلغ الكتاب أكثر نقاطه قوة، وأكثر نقاطه إشكالاً أيضاً.
قوته أنه يرفض الحكاية المريحة التي تفسر كل خطأ بشخص رئيس جاهل أو مؤسسة نائمة. وهو محق في أن الاستمرارية عبر إدارات متعارضة تحتاج إلى تفسير بنيوي أعمق. لكن الإشكال يبدأ حين يقدم الحكم الأميركي على النيات الصينية بوصفه نتيجة عقلانية شبه محايدة لعملية تعلم. فالدولة المهيمنة لا تقرأ خصمها من خارج الصراع، بل من داخله. وهي لا تملك معياراً بريئاً يحدد ما هو «مطلب محدود» وما هو «طموح غير مقبول». المعيار نفسه هو جزء من النظام الذي بنته القوة المهيمنة وتريد الدفاع عنه.
واشنطن وبكين… صراع على تعريف الأمن لا على النوايا
واشنطن وبكين… صراع على تعريف الأمن لا على النوايا
من منظور واشنطن، يمكن أن يكون بناء الصين قوة بحرية بعيدة المدى دليلاً على نيات توسعية. لكن من منظور بكين، قد تكون القوة البحرية شرطاً ضرورياً لحماية طرق التجارة ومنع خنق الصين من البحر. ومن منظور الولايات المتحدة، تغيير قواعد النظام الآسيوي سلوك تعديلي. أما من منظور الصين، فالقواعد القائمة صيغت في زمن ضعفها، وأبقت الأساطيل والقواعد الأميركية على حدودها. لا توجد هنا «نية» خام تنتظر من يكتشفها. هناك تنازع على تعريف الأمن نفسه.
المؤلف يعرف أن التاريخ والثقافة مهمان، لكنه يعاملهما غالباً كمخزن معلومات تستخدمه الدولة المدافعة لفك شيفرة خصمها. بينما التاريخ، في الحقيقة، ليس معطى مشتركاً. كل دولة تختار منه ما يدعم روايتها، وتخفي ما يناقضها. الأميركي الذي يقرأ الصين من خلال «قرن الإذلال» قد يفسر سلوكها بوصفه استعادةً للمكانة. والأميركي الذي يقرأها من خلال صعود القوى السلطوية سيراها مشروع هيمنة. كلاهما يملك وقائع، لكن الوقائع لا تختار تفسيرها بنفسها.
المشكلة الثانية أن الكتاب يمنح أجهزة الدولة قدرة على التعلم أكبر مما تمنحها التجربة. الدول لا تبني تقديراتها من المعلومات فقط، بل من المصالح والمؤسسات والسياسة الداخلية. المؤسسة العسكرية ترى تهديدات تبرر ميزانيتها، والجهاز الاستخباراتي يعمل داخل أسئلة تحددها القيادة، والنخب الاقتصادية قد تؤخر المواجهة لأنها تستفيد من التجارة، ثم تنقلب عليها حين تتغير مصالحها. ليس المقصود أن كل تحليل مجرد مؤامرة مصلحية، بل أن إنتاج «النية المعادية» عملية سياسية، لا تمرين ذهني خالص.
في الحالة الصينية تحديداً، يصعب فصل التحول الأميركي عن الأزمة المالية عام 2008، وفشل الحروب الأميركية، وتراجع الثقة بالنظام الليبرالي، وصعود الصناعات التكنولوجية الصينية، وتبدل موقع رأس المال الأميركي من الاندماج إلى الخوف من المنافسة. ما تغيّر لم يكن سلوك الصين فقط، بل موقع الولايات المتحدة من العالم. القوة التي تشعر أن تفوقها ثابت تستطيع احتمال منافس صاعد. أما القوة التي تبدأ بالشك في تفوقها، فستقرأ الأفعال نفسها بدرجة أعلى من الخطر.
حين تتحول قراءة النيات إلى أداة لإعادة تشكيل النظام الدولي
حين تتحول قراءة النيات إلى أداة لإعادة تشكيل النظام الدولي
هذه الزاوية لا تحضر بما يكفي في الكتاب. الدولة المدافعة عند جوزف تحاول معرفة ما إذا كان الخصم محدوداً أو جشعاً. لكن ماذا لو كانت هي نفسها جشعة؟ ماذا لو كان النظام القائم لا يمثل «الوضع الطبيعي»، بل حصيلة قرن من الهيمنة والاستعمار والقواعد العسكرية والحروب؟ في هذه الحالة، لا تكون المنافسة نتيجة اكتشاف أن الصاعد يريد أكثر مما يحق له، بل نتيجة رفض القوة القديمة التنازل عن امتيازات تعتبرها جزءاً من النظام الطبيعي.
ومع ذلك، لا يمكن رفض الكتاب بهذه السهولة. ميزته أنه يفتح ثغرة داخل الواقعية نفسها. حين يقول إن القوة لا تكفي، وإن معنى الفعل يتوقف على التاريخ، فهو يقترب من أرض طالما تركتها الواقعية للمدارس البنائية والتاريخية. لكنه يتوقف قبل الخطوة الأخيرة. يدخل التاريخ إلى النموذج، ثم يجرده من الصراع على تفسيره. ويدخل الثقافة، ثم يحولها إلى متغير يمكن للمحلل العقلاني أن يستخدمه. ويدخل الخطاب، ثم يعامله كإشارة إلى دافع سابق عليه، لا كقوة تشارك في صناعة الدافع والمصلحة والعدو.
ربما تكمن أهمية الكتاب في هذا التوتر تحديداً. إنه محاولة ذكية لإنقاذ النظرية العقلانية من فقرها، من دون التخلي عن حلمها القديم: أن السياسة الدولية، مهما بدت فوضوية، قابلة للرد إلى منطق واضح من المعلومات والتقديرات والاختيارات. لكن العالم الذي يصفه الكتاب أكثر تعقيداً من النموذج الذي يريد احتواءه. فالدول لا تتنافس فقط لأنها تسيء فهم نيات بعضها بعضاً؛ أحياناً تتنافس لأن مصالحها لا يمكن التوفيق بينها، ولأن النظام الذي يحقق أمن طرف يقوم على إخضاع طرف آخر.
في النهاية، لا تندلع المنافسة حين «تُكتشف» نيات الخصم فقط. هي تندلع حين تصبح قراءة معينة لهذه النيات مفيدة، ومقنعة، وقابلة للتحويل إلى سياسة وموازنات وتحالفات. وحين تقول الولايات المتحدة إن الصين كشفت عن نياتها الحقيقية، فهي لا تقدم وصفاً محايداً للعالم؛ إنها تعلن بداية مرحلة تريد فيها إعادة تنظيم الاقتصاد والجيش والحلفاء حول خصم جديد.
القوى الكبرى لا تقرأ التاريخ فقط. هي تكتبه. ولا تكتشف أعداءها دائماً. كثيراً ما تصنعهم، ثم تنظر إلى ما صنعت وتقول: لقد ظهرت الحقيقة أخيراً.