وهم الحرب القصيرة
كتب باسم الموسوي
ثمة افتراض يكاد يرافق كل حرب تبدأها قوة كبرى: أن العنف سيكون مؤقتاً، وأن الكلفة يمكن احتواؤها، وأن الأسواق ستضطرب أسابيع أو أشهراً قبل أن تستعيد توازنها، ثم يعود الاقتصاد والسياسة إلى النقطة التي كانا عندها قبل إطلاق الصاروخ الأول. وفق هذه النظرة، تصبح الحرب فاصلة زمنية بين مرحلتين متشابهتين، لا حدثاً يعيد تشكيل البيئة التي اندلعت فيها. لكن الحروب الكبيرة نادراً ما تعمل بهذه الطريقة. فهي لا تكتفي بتدمير منشآت أو تعطيل ممرات أو رفع أسعار النفط، بل تغيّر سلوك الدول والشركات والأسواق والمجتمعات، وتدفع الجميع إلى بناء بدائل كان وجودها قبل الأزمة غير ضروري. وحين تصبح هذه البدائل جزءاً من الواقع، قد تنتهي الحرب فيما يبقى العالم الذي أنتجته مختلفاً عن العالم الذي سبقها.
هذه هي المشكلة الأساسية في الرهان على حرب قصيرة مع إيران تعقبها عودة سريعة إلى «الوضع الطبيعي». فبعد أشهر من القتال، لم تعد المسألة متعلقة فقط بمقدار ما يستطيع كل طرف تحمله عسكرياً، بل بما أحدثه استمرار الحرب في شبكة الطاقة والنقل والتمويل والعلاقات الإقليمية. كان النفط قبل الحرب يمر عبر منظومة اعتُبرت طوال عقود مستقرة بما يكفي لإدارة المخاطر: مضيق هرمز للمسار الشرقي، وخطوط الأنابيب السعودية وموانئ البحر الأحمر كبدائل عند الضرورة. لكن الأزمة كشفت أن تعطيل ممر لا يعني بالضرورة أن البديل سيظل آمناً. وقد أدى تضرر خط الأنابيب السعودي شرق–غرب في أيلول/سبتمبر إلى تقليص الإمدادات إلى بعض المشترين الأوروبيين، فيما بقيت الملاحة في هرمز مضطربة وإن لم تتوقف كلياً. وبلغ خام برنت في منتصف أيلول مستويات تتجاوز مئة دولار للبرميل.
وهنا يصبح الخطأ هو اختزال الأزمة بسعر برميل النفط. فالبنية الحقيقية للاقتصاد الحديث تتحرك بالديزل، والشاحنات والسفن والجرارات والمعدات الثقيلة والمصانع وشبكات التوزيع. لذلك لا ينتقل ارتفاع الطاقة إلى المستهلك عبر فاتورة الوقود وحدها، بل يتسلل إلى ثمن الطعام الذي نشتريه، وكلفة الشحن، والزراعة، والبناء، والتصنيع، وتذاكر السفر. وقد وصلت أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية في ظل تراجع قدرات التكرير واضطراب الإمدادات، بينما بات نقص مخزونات المنتجات المكررة عاملاً لا يقل أهمية عن سعر النفط الخام نفسه.
بهذا المعنى، يمكن أن يتوقف إطلاق النار غداً من دون أن تتوقف الحرب الاقتصادية غداً. فالسوق لا يستعيد ذاكرته القديمة بقرار سياسي. المخزونات تحتاج إلى إعادة بناء، والمنشآت تحتاج إلى إصلاح، وشركات الشحن تحتاج إلى الاقتناع بأن الممرات أصبحت آمنة، وشركات التأمين تحتاج إلى إعادة تسعير الأخطار، والمصافي تحتاج إلى استعادة إمداداتها المنتظمة. وحتى عندما ينخفض السعر الفوري للنفط، قد تبقى علاوة المخاطر مدمجة في كلفة النقل والتأمين والتمويل لفترة أطول.
الأخطر أن صدمة الطاقة جاءت في لحظة كان الاقتصاد العالمي ينتقل فيها أصلاً من عصر المال الرخيص إلى عصر مختلف. ففي 18 أيلول/سبتمبر رفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة، رابطاً قراره باستمرار الضغوط التضخمية التي ساهم ارتفاع أسعار الطاقة في تغذيتها. وهذه نقطة تتجاوز كثيراً النقاش حول البنزين. فإذا تحولت الحرب إلى مصدر تضخم مزمن، فإن كلفتها ستنتقل من مضخة الوقود إلى سعر الفائدة، ومن هناك إلى الرهون العقارية والديون الحكومية وتمويل الشركات والاستثمارات الجديدة.
وهكذا تظهر الحلقة التي يصعب كسرها: الحرب ترفع كلفة الطاقة؛ والطاقة ترفع التضخم؛ والتضخم يجعل خفض الفائدة أكثر صعوبة؛ والفائدة المرتفعة تزيد كلفة خدمة الديون والاستثمار؛ وارتفاع كلفة التمويل يضغط على الحكومات والشركات والأسر. وفي هذه الحالة لا يعود السؤال: كم سيكلف النفط هذا الشهر؟ بل: أي اقتصاد عالمي يتشكل إذا استقرت كلفة رأس المال والطاقة عند مستويات أعلى مما اعتاده العالم خلال السنوات الماضية؟
ولعل هذا هو أحد الأسباب التي تجعل شعار «نوقف الحرب ثم نعود إلى ما كنا عليه» مضللاً. لأن الاقتصاد لا ينتظر نهاية الحرب كي يتغير. الشركات التي تخشى انقطاع الإمدادات تبدأ منذ الآن بتنويع مورديها. الدول تبحث عن طرق بديلة للطاقة والتجارة. التجار يبنون مخزونات أكبر. شركات النقل تغير مساراتها. المصانع تعيد التفكير في مواقع الإنتاج. الحكومات تعيد تعريف مفهوم الأمن الاقتصادي. وما كان يبدو قبل الأزمة هدراً مالياً ــ مثل الاحتفاظ بمخزون استراتيجي كبير أو بناء طريق نقل بديل أكثر كلفة ــ يتحول فجأة إلى بوليصة تأمين ضرورية.
الأمر نفسه يحدث في السياسة الإقليمية. فالحرب لا تختبر فقط القوة العسكرية الأميركية والإيرانية، بل تختبر شبكة العلاقات التي قام عليها النظام الإقليمي. دول الخليج التي بنت استراتيجياتها لعقود على افتراض وجود مظلة أمنية مستقرة تجد نفسها مضطرة إلى التفكير بصورة أكثر تعقيداً في علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا وباكستان والصين وقوى إقليمية أخرى. وفي الوقت ذاته أظهرت التطورات في البحر الأحمر واليمن أن القوى غير الدولتية تستطيع التأثير في ممرات التجارة والطاقة على نحو يمنحها ثقلاً يتجاوز بكثير حجم اقتصاداتها التقليدية. وتبقى الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز اليوم مرتبطة مباشرة بمسار الحرب وبقدرة الأطراف المختلفة على إدارة التصعيد.
وهذا لا يعني أن الشرق الأوسط يتجه حتماً إلى نظام إقليمي جديد محدد الملامح، ولا أن التحالفات القديمة ستنهار فجأة. لكن الحرب تدفع الفاعلين إلى اكتساب عادات استراتيجية جديدة. وحين تبدأ دولة ما بتنويع شركائها الأمنيين، أو بناء مسارات تجارة بديلة، أو تقليص اعتمادها على ممر واحد، فإن هذه القرارات قد تستمر حتى بعد زوال السبب المباشر الذي أنتجها. العلاقات الدولية، مثل الأسواق، تتعلم من الصدمات.
حتى إيران نفسها تقدم مثالاً على ذلك. فمع القيود المتزايدة على تجارتها البحرية بدأت توسع استخدام الطرق البرية عبر تركيا وغيرها من جيرانها، مع زيادة الاعتماد على شبكات السكك الحديدية وموانئ بحر قزوين، على الرغم من أن هذه البدائل أكثر كلفة وأقل قدرة على تعويض التجارة البحرية بالكامل. أهمية هذه التحولات ليست في نجاحها الكامل الآن، بل في أنها تبني بنية تحتية وعلاقات تجارية يمكن أن تبقى جزءاً من الاقتصاد الإيراني بعد الحرب. الحصار، بهذا المعنى، لا يعزل خصمه فقط؛ قد يدفعه أيضاً إلى بناء الطرق التي تقلل أثر الحصار مستقبلاً.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في الحروب التي يُفترض أنها قصيرة. كلما طال أمدها، أصبحت نهايتها العسكرية أقل قدرة على إعادة العالم السابق. فالأشهر الإضافية ليست مجرد أشهر أخرى من الإنفاق والقصف، بل وقت يُمنح للأسواق كي تتكيف، وللدول كي تتحوط، وللتحالفات كي يعاد اختبارها، ولطرق التجارة كي تتغير، وللمجتمعات كي تعيد ترتيب أولوياتها. وعند نقطة معينة يصبح الزمن نفسه قوة استراتيجية: ما كان إجراءً طارئاً يتحول إلى مؤسسة، وما كان طريقاً بديلاً يتحول إلى ممر دائم، وما كان تحالفاً تكتيكياً يكتسب مصالح تجعله أطول عمراً من الحرب التي أنشأته.
لذلك قد يكون السؤال الخطأ هو: متى تنتهي الحرب؟ السؤال الأكثر أهمية هو: أي عالم سيبقى عندما تنتهي؟
قد تنخفض أسعار النفط إذا هدأت الجبهات، وقد تعود السفن تدريجياً إلى بعض المسارات، وقد تستأنف المنشآت المتضررة عملها. لكن ذلك لا يعني أن الساعة ستعود إلى الوراء. المستثمر الذي اكتشف هشاشة سلسلة إمداده لن ينسىها. الدولة التي اكتشفت خطورة اعتمادها على ممر واحد لن تتخلى بسهولة عن البديل الذي أنشأته. والمصرف المركزي الذي رأى كيف يمكن لصدمة جيوسياسية أن تعيد إشعال التضخم لن يتعامل مع الطاقة بعد ذلك بالطريقة نفسها.
المشكلة، إذاً، ليست أن الحرب قد تستمر طويلاً فحسب، بل أن تصورها بوصفها حدثاً مؤقتاً يعقبه استئناف الحياة القديمة يحجب طبيعتها الحقيقية. لقد بدأت الأزمة بالفعل بإعادة توزيع الكلفة والقوة والمخاطر. وهي تعيد رسم العلاقة بين الطاقة والتضخم، وبين الجغرافيا والتجارة، وبين القوة العسكرية والقوة الاقتصادية، وبين أمن الخليج وأمن الممرات البحرية الممتدة من هرمز إلى البحر الأحمر.
ولهذا فإن نهاية الحرب، عندما تأتي، لن تكون عودة إلى اليوم السابق لاندلاعها. ستكون بداية التفاوض مع النتائج التي خلقتها. وربما يكون الوهم الأخطر في كل حسابات الحرب القصيرة هو الاعتقاد بأن الزمن الذي سبقها محفوظ في مكان ما، ينتظر فقط أن تتوقف المدافع لكي يعود. في التاريخ لا توجد مثل هذه العودة. هناك فقط واقع جديد، يبدأ بالتشكل بينما يظل الجميع منشغلين بالسؤال القديم: متى تنتهي الحرب؟
