إعلام المقاومة في لبنان أمام تحديات المرحلة الجديدة
بقلم: طارق قبلان
المقاومة وإعلامها في لبنان… افتقاد المرجعية ومبالغات التحليل وانعدام الاستراتيجيات
يستمر إعلام المقاومة غير الحربي في اعتماده نفس الأدوات والأشخاص والفعاليات من دون إبداع يُسجّل، في وسط بحر من الإعلام المعادي، بل المطبّع مع الاحتلال الصهيوني. وقد ينساق (يدخل في السياق) خطاب هذا الإعلام في بنية الخطاب المعادي ليشكّل هوية إعلامية معادية، من غير فلاحٍ في تفكيك خطاب الآخر أو بيان مغالطاته… لا لكونه الآخر، بل لكونه الخصمَ بل أداةَ العدو في استهداف الوطن والأمة. لكن آحادَ الإعلاميين الممنوحين براءة اختراع يزعمون أنهم يسعون إلى اعتراض الخطاب المعادي ونقده، بل تفكيكه؛ وليس أفضل – في المقام – من ذلك الإعلامي الذي “غزا” الدوحة المباركة، ثم عاد كالفاتحين، وفي اعتقاده – لا ظنّه – أنه دحض قول كل خطيب؛ ولم يدرِ أن وجوده المنضبط بل المضبوط يأتي تصديقاً لشعارات المؤسسة المكرّسة: الرأي والرأي الآخر، وإن زعم الإعلامي استقلاليته، فهو يدعم تأكيد الخصوم أن بثّهم يتيح للجميع – على اختلافهم – حرية الرأي. لكن العقل الإعلامي المسؤول هناك، والذي لم نرَه جهرةً، وإن تبيّنا آثار فتكه، يضع
الأجندة، ويؤطّر التفكير، ويشعل فتائل التفكير وفق مشيئته وحيث أراد، ويؤسس لمراحل من التغطية تستجيب لسياسات الدول المتحالفة في مواجهة جبهة المقاومة وأحرار العالم.
في حروب الإعلام تظهر سذاجة البعض، حين يُطلق لساناً في مواجهة ألسنة، ويرفع بيرقاً في قبالة رايات كثيرة، ويبحث عن
شهرة في عالم افتراضيّ زائفٍ، من دون مراعاة لعدالة الصوتِ، ومساحةِ الوقت، وقواعدِ المحاورة والنقاش!
ألم يُعلمنا الله في كتابه بقول الكفار والمشركين “**وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ” (فصّلت:26)،
**فيصفّرون ويخلّطون في المنطق ويرفضون الحق والتفكّر والحوار حول القضايا ذات الاهتمام، تماماً مثلما يفعل اليوم كثيرٌ من الإعلاميين وضيوف البرامج المسمّاة حوارية، وهي في حقيقتها دعائية، حين يسطون على الخطاب، ويرغمون المتحدث على السكوت، ويلوون السياق في غير اتجاهه، ويجيّرون الحوار حيث يريدون، يعضدهم مدير الحوار، وسياسة القناة، فيُغمط
الضيف المنافس حقوقه، ومن ورائه قومه الذين يرجون انتصار منطقه.
وكم من آية دعت إلى اعتزال الهازئين، وحضّت على التفكّر، والرويّة، وتحكيم العقل والقلب… والغاية الوصول
إلى الحق والعدل والسلام بين الناس!
المرجعية الإعلامية ومصدر الأخبار في إعلام المقاومة
المرجعية التي توجه ومصدر الأخبار وفقرها
قد يكون غياب المرجعية الخبرية هو الفيصل في واقع الإعلام المقاوم اليوم، ولا مثل السيد حسن نصر الله (قده) مرجعية.
قد كان أهمّ المشاركين في رسم معالم كلّ مرحلة، صوتاً وحضوراً وغياباً، وكان كثيراً ما يكون كلامه فيصلاً في محطات ومسارات الأحداث اللبنانية، بل لا نبالغ إذا قلنا إنه كان الخط التحريري للإعلام المقاوم والمنصات الناشطة في فضائه، إلى أن ارتقى شهيداً، فلم تجد البيئة صوتاً يعادله، وأثراً بيّناً يماثله، و”انفخت الدف وتفرّق العشاق”، كأننا في يوم الدينونة (يوم القيامة) “يوم تبرّأ الذين اتُبعوا من الذين اتَّبَعوا”، وقالوا ما كنّا في محور ولا جبهة وما دَعَينا
إلى مقاومة!
موقفٌ مخزٍ أبد الدهر.
ومن علوّ كعب السيد نصر الله رضوان الله عليه في مضمار الإعلام والسياسة والتدبير في لبنان والمنطقة أن أحدهم أراد
ذماً فمدَح، وما وجد إلا أن قال “كبيرهم الذي علّمهم السحر”، مستصغراً شأن الساسة في لبنان، ومعترفاً بأنهم كانوا أقلّ من أن يكون لهم تلك الهالة والسطوة في عالم الميديا والاتصال كما كانت للسيد نصر الله الشهيد.
كان السيد يرسم معالم مرحلة، ويوجّه جماهير المنطقة وأحرار العالم، ويشرح ما أنبهم من الأمور، ويفصّل ما أجمله غيرُه،
ويربط ما بين الوقائع والعقيدة، ويطمئن الخائفين بالثقة التي يبثّها، ويبشّر الراسخين بما انطوت عليه قلوبهم من الإيمان والصدق…
لكن حاضر لبنان غير أمسه، واللسان الذي أخرس كثيراً من الهوامل لم يحمله كثيرون، وراج سوق المراءاة في التحليل.
التحليل الإعلامي بين المبالغة وقراءة الوقائع
مبالغات المحللين
لم يكن غياب السيد حسن نصر الله – على فظاعته – مصيبة الإعلام المقاوم الوحيدة، بل استمرار المحللين الممنوحين براءة اختراع من إعلام المقاومة في إطلاق تحليلاتهم “الفضائية” والإشكالية في الفضاء اللبناني والعربي، الذين لم يستفيدوا مقداراً يُعتدّ به من ضراوة التجربة منذ العام 2023، وما قبلها، حين كانوا يعِدون الناس بمفاجآت وأسلحة وأنظمة وخطط…
فتاكة، ثم كان ما كان من تجارب قاسية وامتحان صعب، فبان هزال معلوماتهم. وبدل أن يراجعوا التجربة المنصرمة، استمرّوا كأن شيئاً لم يكن، وظنّ بعضهم أن الإيغال في المبالغات مطلب جماهيري، ونفع وطنيّ، فتحدّث عن خوارق ولطائف، وحمد ما جرى. لكأني في المقام أرى من يحاول نكس العقل الذي خلقه الله هبة للبشر، ويريد من الناس أن
تستبدل منطق العقل لتسعد بالغباء!
الاستراتيجيات الإعلامية ودور الأكاديميين
انعدام الاستراتيجيات
تؤكّد تحليلات المحللين الذين أطلقتهم جبهة المقاومة أن نتاجهم من حواضر البيت، وأن لا استراتيجيات علمية ناجعة
تهدي هذه التحليلات، وجلّ ما في جُعبِهم من بنات أفكار بعض المسؤولين واجتهاداتهم الشخصية. لكن ذلك لا ينفي ظهوراً ملحوظاً لجيل من الأكاديميين الذين يستنطقون الميدان والوقائع، ويلتزمون قضايا شعبهم وأمّتهم، ويقدّمون تحليلات وأفكاراً تستحقّ التقدير والتأمّل.
يبقى أن العبرة في تحويل التراكم المستجد لصالح منظومة إعلامية، تعتمد مناهج علمية، وترسم خططاً عملية، وتستفيد الاستفادة القصوى من طاقات الشباب الداعم للمقاومة في لبنان والعالم.
الإعلام المقاوم في مواجهة الدعاية المعادية
قصور عن متابعة أراجيف المعادين
الدليل أن الإعلام المقاوم يمضي من غير استراتيجيات قيّمة أن الإعلام المعادي، خصوصاً إعلام التطبيع مع العدو الصهيوني، الممول من الرجعية العربية، هو ذو الكفة الراجحة، وله القدرة على توليد ابتداع الأفكار والألعاب السحرية وتحقيق الدهشة لصالح مموّليه، للتشويش على محور المقاومة وتثبيط قواعده وجماهيره، فيما يعجز الإعلام المقاوم عن رد الحجر من حيث أتى، وقد يلجأ إلى المنطق والتقعير اللغوي وصياغة السيناريوهات الهايفة ويلوك الكلام الحواري الفارغ عديم المحتوى والجدوى، في الوقت الذي يكفي الأمر نزع السحر ونفيه.
وأستحضر في المقام بداهة اليمنيين في الردّ على الدعاية العربية المضادة، من دون تذويق أو تجميل، مع فاعلية ملحوظة، وبلاغة محمودة.
نزع السحر وتفكيك الخطاب الإعلامي
الحل: نزع السحر
كيف؟ بالعودة إلى القرآن الكريم. كيف؟
ألم نقرأ سورة طه، والآية الكريمة التي تقصّ علينا تجربة النبي موسى عليه السلام في يوم الزينة، يوم التقى الجمعان:
الذين كفروا وموسى، فخاطبه الله تعالى أن “** وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ
تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ (69).**
الأمر بهذه البساطة؛ فما تملك سلطة تزحف للتطبيع؟ وما يملك حاكم لا يجد خياراً غير التذلل للعدو الغاشم تحت لافتة
التفاوض، وهو لا يرقب فيه ذمّة، ولا يراعي له حرمة، ولا يوقّر منه شأناً؟! أم ماذا يملك نائباً هملاً، فاز بالزعبرة، واحتال للأمر بمعيّة السفارات والمنظمات الغربية وكل قدرات الغرب المنافق غير إيهام الناس بما لا يملك؟!
أم ماذا يملك إعلاماً مأجوراً غير دعايات سخيفة، وأخبار ملفّقة، وادعاءات لا واقع لها، ثم تفضحه الوقائع؟!
كل أولئك لا يملكون غير إلا السحر الكاذب.
عنجر والسفارات ونماذج التبعية السياسية
ما السر في الإقامة في معبد عنجر واستعصاء
نمذجة السفارات؟
لم يكن عهد السفارات الموعود بأفضل من عهد عنجر، فالاثنان سواسية في استتباع المجتمع السياسي اللبناني، ومن خلاله السلطة في لبنان. لكن الفريق الذي عادى الخيار العربي استطاع أن يجعل من عنجر نموذجاً للتبعية والظلم والجور على امتداد سنوات المحنة، والتي زادتها سوءاً ممارسات السياسيين اللبنانيين أنفسهم، الذين يعِدوننا اليوم بالحرية والرفاهية في العصر الأمريكي، بعد أن غادروا سريعاً سفينة الممانعة، وحفّوا إلى مركب الغرب المنافق.
والمفارقة أنه بالرغم من “تباشير” المحور الصهيوني – الترامبي، وغزوته الشاملة لدول المنطقة (فلسطين، لبنان، سوريا، إيران، اليمن…)، وإعماله القتل في أبناء غربي آسيا، عجز إعلام جبهة المقاومة عن الرد على الدعاية الإعلامية للمحور الغربي – الصهيوني، ولم يتمكّن من بيان عدمية المرحلة الجديدة الغربية – الترامبية – الصهيونية، ولا أفلح في تأكيد استمرار المنطقة في مسلك العبودية للغرب. والعجيب أن إعلام التبعية في لبنان والمنطقة يصرّ على استرجاع وتخليق سلبيات الأنظمة القومية وعثرات الحركات الإسلامية، ويرغم الإعلام المقاوم على الإقامة في تلك المرحلة الزمنية، ويمنعه من
تجاوزها، فيما واجب الوقت أن يسارع إلى نقد تلك المرحلة والتجربة وتفكيكها، بسلبياتها وإيجابياتها، ثم إطلاق استراتيجيات وبرامج تظهر اقتداره، ودوره الحضاري، ومرحلته التاريخية، وتُري الناس الواقع على ما هو عليه، وموضع الجبهيتن على خريطة النفوذ في العالم.
باختصار: إن الدعاية الغربية ليست إلا سحراً كاذباً، لا يُدهش من فقِه كُنهَه، ويكفي في محاربته قول الحق، فليس
لدولة عمرها 300 سنة، بادرت إلى 300 حرب، أن تحدّث عن السلام، وليس لها، بعد أن سلبت الأرض أهلها، وصادرت ثروات الشعوب، أن تحدّثنا عن العدالة والحق!
