بقلم: مبارك بيضون – مدير مركز بيروت للأخبار

في كل مرة يخرج فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات جديدة حول الملف الإيراني، تتزايد حالة الضبابية السياسية والإعلامية المحيطة بمسار المفاوضات بين واشنطن وطهران.

تصريحات متناقضة أحياناً، ووعود باتفاقات “قريبة”، يقابلها عملياً تراجع أو تباطؤ أو طلب بالتريث، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس.

فحتى اللحظة، لم يظهر بشكل واضح أي تفاهم نهائي أو إطار ثابت يمكن البناء عليه، رغم الحديث المتكرر عن تقدم في المفاوضات.

وفي المقابل، عاد الحديث الأمريكي عن “إعادة تقييم” بعض البنود،  و رفع سقف الضغوط السياسية والأمنية، الأمر الذي أعاد الشكوك حول جدية المسار التفاوضي برمّته.

السؤال الأساسي اليوم:
هل تسير الأمور فعلاً نحو اتفاق شامل، أم أن ما يجري ليس إلا إدارة للوقت بانتظار ظروف إقليمية ودولية أكثر ملاءمة؟

المشهد يبدو شديد التعقيد. فهناك عوامل عديدة تتحكم بالمفاوضات، بعضها مرتبط بالمصالح الاقتصادية الكبرى، وبعضها الآخر مرتبط بالتوازنات العسكرية والأمنية في المنطقة.

الولايات المتحدة تدرك أن أي انفجار عسكري واسع مع إيران سيؤثر مباشرة على الاقتصاد العالمي، وأسعار الطاقة، والممرات البحرية والتجارية الحساسة في الخليج والشرق الأوسط، وهو ما يجعل خيار الحرب مكلفاً للغاية.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل العامل الإسرائيلي الضاغط بقوة على الإدارة الأمريكية. فـ”إسرائيل” تنظر إلى أي اتفاق مع إيران بعين القلق، خصوصاً إذا لم يتضمن ضمانات واضحة تتعلق بالنفوذ الإيراني في المنطقة، وبرامج التسلح، ودور الحلفاء الإقليميين، وفي مقدمتهم لبنان.

وتبرز هنا عقدة “الجبهة الشمالية“، التي تشكل هاجساً دائماً للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، خصوصاً في ما يتعلق بعودة المستوطنين إلى المناطق الحدودية، والحصول على ضمانات طويلة الأمد تمنع أي تصعيد مستقبلي.

وفي ظل هذا التشابك، يرى مراقبون أن ترامب قد يكون يستخدم سياسة “الضغط والتفاوض في آن واحد”، أي إبقاء باب الحرب مفتوحاً إعلامياً وسياسياً، من دون الذهاب فعلياً إلى مواجهة شاملة، بهدف انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاستراتيجية.

أما إيران، فهي بدورها تتعامل بحذر شديد مع كل الطروحات الأمريكية، معتبرة أن التجارب السابقة أثبتت أن واشنطن قد تغيّر مواقفها بسرعة تبعاً للظروف الداخلية أو الضغوط الإسرائيلية والدولية.

ما يجري اليوم إذاً ليس مجرد مفاوضات تقليدية، بل صراع إرادات مفتوح، تستخدم فيه السياسة، والاقتصاد، والأمن، والإعلام، وحتى عامل الوقت نفسه كسلاح تفاوضي.

وفي النهاية، تبقى المنطقة أمام احتمالين لا ثالث لهما:
إما اتفاق مرحلي يخفف التوتر ويؤجل الانفجار، وإما عودة التصعيد الكبير إذا فشلت الحسابات المعقدة بين جميع الأطراف.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com