خاص مركز بيروت للأخبار
المنشورات والتسريبات التي ملأت منصات الإعلام ومواقع التواصل خلال الأيام الماضية لم تنعكس حتى الآن على المسار الواقعي للحرب، لكنها حملت في خواتيمها عبارة سياسية مبهمة: “وداعاً للحرب”. غير أن السؤال بقي مفتوحاً: هل المقصود وداع الحرب فعلاً؟ أم وداع البحرية الإيرانية لمرحلة التصعيد؟ أم أن الرسالة موجّهة إلى إيران نفسها ضمن ترتيبات إقليمية جديدة؟

التأويلات تتعدد، وكل طرف يقرأ المشهد بما يناسب مصالحه. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu، فيبدو وفق كثير من التقديرات السياسية والإعلامية، عاجزاً عن تأويل ما يجري بعدما وجد نفسه خارج دائرة القرار الأميركي ـ الإيراني، في لحظة كان يراهن فيها على حرب تغيّر وجه المنطقة.

وفيما يحاول نتنياهو تصوير أي تفاهم محتمل حول منع إيران من امتلاك سلاح نووي كإنجاز إسرائيلي استباقي، عبر نشر صور تجمعه بالرئيس الأميركي Donald Trump، تؤكد المعطيات المتداولة أن واشنطن تتعامل مع الملف بمنطق مختلف يقوم على إدارة التهدئة لا توسيع الحرب.

ترامب تحدث عن “تقدم كبير” في المفاوضات مع إيران، ملوّحاً بقرب صدور “أخبار جيدة”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه “غير مستعجل”، ما يعكس أن المفاوضات دخلت مرحلة التفاصيل الدقيقة لا مرحلة الحسم النهائي. بالتوازي، تحدث وزير الخارجية الأميركي Marco Rubio عن “انفراجة وشيكة”، فيما تؤكد طهران وجود تقارب، لكنها تتعامل بحذر شديد مع أي إعلان نهائي.

وتشير التسريبات إلى إطار تفاهم مؤقت يمتد ستين يوماً، يتضمن أربعة عشر بنداً تمهيدياً قبل الوصول إلى الاتفاق النهائي. وتقوم المعادلة الأميركية، وفق ما يتم تداوله، على مبدأ “التخفيف مقابل التهدئة”.

أما أبرز البنود المتداولة فتشمل:

* تمديد وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان.
* إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية من دون قيود أو رسوم إضافية.
* التزام إيران بإزالة الألغام البحرية وتأمين سلامة العبور.
* مقابل تخفيف العقوبات والسماح لطهران ببيع النفط مجدداً.
* إضافة إلى الحديث عن الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة.

لكن رغم التفاهم على الخطوط العريضة، تؤكد مصادر أميركية أن هناك “صياغات حساسة” لا تزال قيد النقاش، بعضها يتعلق بالموقف الأميركي وبعضها الآخر يرتبط بالشروط الإيرانية، ما يتطلب وقتاً إضافياً للحصول على الموافقات السياسية النهائية، خصوصاً بعد الحديث عن موافقة المرشد الإيراني Ali Khamenei على الإطار العام للتفاهم.

غير أن البند الأكثر حساسية بالنسبة إلى إسرائيل يبقى لبنان. فالتقارير العبرية تتحدث عن صدمة داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية بسبب استبعاد نتنياهو عن كواليس هذه التفاهمات. الرجل الذي دخل الحرب على أمل إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك برنامجه النووي، يجد نفسه اليوم خارج غرفة القرار الأساسية.

ورغم محاولاته تسويق فكرة أن أي اتفاق يجب أن يتضمن تفكيك المنشآت النووية الإيرانية وإخراج المواد المخصبة بالكامل، إلا أن المؤشرات الأميركية لا تبدو متطابقة مع الرؤية الإسرائيلية. حتى إن بعض الكتاب الإسرائيليين بدأوا يقرّون بأن “القطار غادر المحطة ولم يكن نتنياهو على الرصيف أساساً”.

في المقابل، تعتمد واشنطن خطاباً مزدوجاً يجمع بين الدبلوماسية والضغط العسكري، إذ تؤكد أن قواتها المحتشدة في المنطقة لن تنسحب حالياً، مع استمرار منح إسرائيل “حق الرد” في حال خرق أي تهدئة على الجبهة اللبنانية.

أما إيران، فتبدو متمسكة بثوابتها الأساسية. الرئيس الإيراني Masoud Pezeshkian أعلن الاستعداد للحوار وتقديم الضمانات بعدم السعي إلى تصنيع سلاح نووي، لكنه شدد في الوقت نفسه على عدم التنازل عن “حقوق إيران السيادية”. وفي موازاة ذلك، تواصل بحرية الحرس الثوري الإيراني تأكيد سيادتها على مضيق هرمز، فيما تصر الصحافة الإيرانية على أن ملف تخصيب اليورانيوم ومخزونه لن يكون مطروحاً للتنازل في المرحلة الحالية.

وبين تسريبات التفاهم، والتوجس الإسرائيلي، والتأكيدات الأميركية بأن المنطقة لا تزال تحت السيطرة العسكرية، يبقى السؤال الأهم:

هل تنجح الساعات المقبلة في تثبيت تفاهم يوقف الانفجار الكبير في المنطقة؟
أم أن نتنياهو سيتحرك في الوقت بدل الضائع لإفشال أي اتفاق لا ينسجم مع حساباته السياسية والعسكرية؟

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com