خاص مركز بيروت للأخبار
بقلم: مبارك بيضون
يبدو أنّ كل ما يُطرح حول توقيت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، قبل دخول المنطقة في مرحلة التصعيد مع إيران، يندرج في إطار التحليل الاستراتيجي المركّب أكثر من كونه معلومات قطعية. ومع ذلك، فإن المشهد يحمل جملة من المؤشرات التي تفتح الباب أمام قراءات مترابطة تتجاوز الطابع البروتوكولي لمثل هذه الزيارات.
أولاً: الحسابات الزمنية المعقدة للزيارات رفيعة المستوى
إن أي زيارة أمريكية – صينية على هذا المستوى لا تُحضَّر في أيام أو أسابيع، بل تحتاج إلى أشهر من التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي. لذلك يصعب التعامل مع توقيتها كـ”صدفة”، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تحضيرات أمريكية لعمل عسكري أو لمرحلة ضغط إقليمي واسع.
ففي السياق الأمريكي، غالباً ما تُستخدم مثل هذه المحطات كجزء من هندسة المناخ الدولي قبل الانتقال إلى خيارات أكثر خشونة.
ثانياً: الصين… عين مفتوحة على الإقليم وعامل لا يمكن تجاوزه
تمتلك الصين شبكة واسعة من المعلومات السياسية والأمنية والاقتصادية في الشرق الأوسط، وهي تراقب التحركات الأمريكية بدقة، وخاصة كل ما يتعلق بإيران، نظراً لارتباط ذلك بـ:
- مصالحها النفطية المباشرة.
- خطوط التجارة والطاقة الاستراتيجية.
- مبادرة طريق الحرير وممرات العبور البحرية.
ومن الطبيعي الافتراض أنّ بكين كانت تشعر بأن المنطقة مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، رغم أنها قد لا تكون مطّلعة على التفاصيل العسكرية الدقيقة أو التوقيت الزمني لأي مواجهة محتملة.
ثالثاً: رسائل التطمين ومحاولة إدارة الجبهة الدولية
أما الحديث عن أنّ ترامب سعى إلى إرسال رسائل تهدئة لبكين أو فتح قناة تفاهم قبل مرحلة الحرب، فهذه مقاربة شائعة في التحليل السياسي، لأن واشنطن عادة ما تعمل قبل أي مواجهة كبيرة على:
- منع تشكّل تحالف مضاد يقوده خصومها الاستراتيجيون.
- كبح أي دعم صيني أو روسي مباشر لإيران.
- حماية الأسواق العالمية من انهيارات محتملة، خصوصاً النفط وسلاسل الإمداد.
- إبقاء التوتر الأمريكي–الصيني ضمن سقف التنافس المنضبط، لا الصدام المفتوح.
ويُحتمل كذلك أن تكون الزيارة مرتبطة بمحاولة واشنطن إخراج الصين من دائرة التأثير العسكري المباشر على مسار الأحداث، أو على الأقل سعيها لتحييدها اقتصادياً وسياسياً خلال فترة حرجة.
رابعاً: بكين… حضور استباقي في “غرفة التوازنات”
في المقابل، قد تكون الصين قد استغلت الزيارة لتؤكد لواشنطن أنّ أي حرب واسعة في الخليج أو أي تهديد لمضيق هرمز سيصيب الاقتصاد العالمي في الصميم، وبالأخص الاقتصاد الصيني.
ومن هنا، أرادت بكين أن تكون طرفاً مقرراً في رسم حدود التصعيد، وأن تضمن لنفسها موقعاً مؤثراً في مرحلة ما قبل “الانفجار” وما بعده.
خامساً: جوهر الزيارات… ما يُقال خلف الأبواب المغلقة
اللافت في زيارات بهذا المستوى، ليس ما يُعلن في البيانات الرسمية، بل ما لا يُعلن، مثل:
- الرسائل الأمنية والاستخباراتية المتبادلة.
- تفاهمات الطاقة والتجارة.
- الخطوط الحمراء وحدود التصعيد المقبول.
- شكل المنطقة في حال اندلاع مواجهة أو في حال التوصل إلى تسوية.
مثل هذه المحادثات عادة ما تكون جزءاً من هندسة التوازنات الكبرى التي تعيد رسم علاقة واشنطن وبكين وطهران، بما يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية بين الصين والولايات المتحدة.
إن توقيت الزيارة – سواء قبل التصعيد أو خلاله – يحمل بعداً استراتيجياً عميقاً، لأنّه يرتبط بإعادة تنظيم موازين القوى في الإقليم، ومحاولة واشنطن وبكين إدارة لحظة مفصلية قد تغيّر شكل الشرق الأوسط، خصوصاً مع دخول العامل الإيراني كقوة إقليمية ذات تأثير مباشر على خطوط الطاقة والاستقرار الدولي.
