أعادت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران فتح ملف التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة ودول الخليج، بعدما وجدت العواصم الخليجية نفسها في قلب المواجهة، تتلقى تداعيات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وسط شعور متزايد بأن واشنطن تخوض الحرب وفق مصالحها الخاصة، من دون مراعاة أمن حلفائها أو استشارتهم.

وعلى مدى عقود، اعتُبرت المظلة الأمنية الأمريكية الضامن الأساسي لاستقرار الخليج، لكن التطورات الأخيرة كشفت، بحسب مراقبين وخبراء، حدود هذا التحالف، خصوصاً بعد تعرض منشآت حيوية خليجية لهجمات إيرانية أظهرت هشاشة أنظمة الدفاع التقليدية رغم كلفتها الباهظة.

تحالف تاريخي يتعرض للاهتزاز

بدأ النفوذ الأمريكي في الخليج فعلياً بعد الحرب العالمية الثانية، حين حلت واشنطن تدريجياً محل بريطانيا كقوة مهيمنة في المنطقة، مستندة إلى أهمية النفط والموقع الجغرافي الاستراتيجي للخليج.

وشكل اللقاء الشهير بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود عام 1945 نقطة الانطلاق للعلاقة الخاصة بين الرياض وواشنطن، التي تطورت لاحقاً إلى شراكات عسكرية واسعة وقواعد أمريكية ضخمة في الخليج.

لكن مع تصاعد الأزمات الإقليمية، من الثورة الإيرانية عام 1979 إلى حرب الخليج وغزو العراق، تعزز الحضور العسكري الأمريكي بشكل غير مسبوق، وأصبحت القواعد الأمريكية في السعودية وقطر والبحرين والكويت والإمارات جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الخليجي.

غضب خليجي من واشنطن

الحرب الأخيرة على إيران فجّرت حالة غضب وإحباط داخل الأوساط الخليجية، بعدما شعرت دول المنطقة بأنها تُركت لمواجهة الهجمات الإيرانية وحدها، رغم التحالفات العسكرية الضخمة وصفقات السلاح الهائلة مع الولايات المتحدة.

وبرزت انتقادات خليجية علنية لواشنطن، خصوصاً بعد ما اعتُبر تقاعساً أمريكياً عن حماية المنشآت الحيوية الخليجية، مقابل اندفاع الإدارة الأمريكية لدعم إسرائيل في الحرب.

كما رأت شخصيات خليجية أن الولايات المتحدة دفعت المنطقة نحو مواجهة خطيرة من دون أخذ مصالح الخليج الاقتصادية والأمنية بعين الاعتبار، في وقت تكبدت فيه دول الخليج خسائر كبيرة نتيجة استهداف البنية التحتية للطاقة والمطارات والموانئ.

إيران تفرض معادلة ردع جديدة

الهجمات الإيرانية الأخيرة، سواء بالصواريخ أو المسيّرات منخفضة الكلفة، فرضت واقعاً جديداً في المنطقة، بعدما تمكنت من اختراق أنظمة دفاع متطورة وكشف نقاط ضعف المنظومة الأمنية الخليجية ـ الأمريكية.

ويرى محللون أن طهران نجحت في إيصال رسالة واضحة مفادها أن أي حرب ضدها لن تبقى داخل حدودها، بل ستمتد إلى كامل المنطقة، ما دفع بعض دول الخليج إلى إعادة التفكير في سياساتها وتحالفاتها.

وفي ظل هذا الواقع، بدأت دول خليجية بتوسيع شراكاتها الدفاعية مع قوى أخرى، مثل الصين وتركيا وأوكرانيا، إلى جانب تعزيز التصنيع العسكري المحلي وتطوير أنظمة دفاع متعددة الطبقات.

لا قطيعة مع واشنطن.. لكن الثقة تراجعت

ورغم تصاعد الشكوك الخليجية، يستبعد خبراء حدوث قطيعة كاملة مع الولايات المتحدة، نظراً لغياب بديل قادر على توفير المظلة العسكرية والاستخباراتية ذاتها.

لكن في المقابل، يبدو أن دول الخليج تتجه نحو سياسة أكثر براغماتية تقوم على تنويع التحالفات وتقليل الاعتماد المطلق على واشنطن، بالتوازي مع الانفتاح الإقليمي ومحاولات تخفيف التوتر مع إيران.

ويرى مراقبون أن الحرب الأخيرة لم تُنهِ التحالف الخليجي ـ الأمريكي، لكنها كشفت بوضوح حجم التباعد بين الطرفين، ورسخت قناعة متزايدة في الخليج بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة القرار الأمريكي وحده.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com