مقالات- أساس ميديا
أيمن جزيني
يتجلّى الاحتقان السياسيّ في لبنان عبر وسائل الإعلام، وحرّيّة التعبير هي الذريعة. لطالما قُدِّم لبنان بوصفه الاستثناء العربيّ في الحرّيّات الإعلاميّة: مساحة مفتوحة لتعدّد الآراء، منصّة لعبور الأفكار، وملاذاً للصحافيّين والمثقّفين في منطقة يغلب عليها الضبط.
لم يكن هذا التوصيف خطاباً ترويجيّاً وحسب، بل استند إلى واقع تاريخيّ جعل من بيروت مركزاً إقليميّاً وليبراليّاً للإنتاج الإعلاميّ والنقاش العامّ. غير أنّ هذا الامتياز لم يعد حقيقة مستقرّة، بل بات إرثاً مهدّداً يتآكل تحت ضغط الأزمات السياسيّة والأهليّة، وتحت وطأة تحوّل بطيء في علاقة السلطة والمجتمع مع حرّيّة التعبير.
لا يتمثّل الخطر في إلغاء الحرّيّة دفعةً واحدةً، بل في تفريغها تدريجاً من مضمونها. لا يشهد لبنان قمعاً صريحاً على النمط الكلاسيكيّ، بل يتّبع مساراً أكثر تعقيداً: قيوداً متراكمة، ضغوطاً ناعمة، وخطوطاً حمراً تتكاثر من دون إعلان. في هذا السياق، تتحوّل الحرّيّة من حقّ بديهيّ إلى مساحة ملتبسة تحتاج إلى تبرير، ويصبح السؤال: كم يُسمح لك أن تقول؟ بدل أن يكون: من يملك الحقّ في منعك؟
تعدّد الجهات الضّاغطة: من السّلطة إلى المجتمع
لم تعد الحرّيات الإعلاميّة في لبنان تواجه خصماً واحداً واضحاً، بل منظومة متكاملة من الضغوط بعضها يأتي من السلطة الرسميّة، وبعضها الآخر يصدر عن المجتمع الأهليّ وتعدّد بيئاته الروحيّة. تمارس السلطة السياسيّة دورها عبر أدوات قانونيّة وإجرائيّة، غالباً تحت عناوين فضفاضة مثل “حماية الاستقرار” أو “منع الفتنة”. في السنوات الأخيرة، وبوتيرة متصاعدة، لم تعد استدعاءات الصحافيّين والناشطين إلى التحقيق استثناءً لافتاً، بل تحوّلت إلى ممارسةٍ شبه اعتياديّة تُستخدم كأداة ردع أكثر منها كآليّة عدالة. أمّا المجتمع الأهليّ وبيئاته الكثيرة فيمارس سلطته تحت عناوين “المقدّسات الروحيّة والزمنيّة”.
يجد القضاء، الذي يُفترض أن يكون حامياً للحقوق، نفسه أحياناً في موقع ملتبس تُستخدم فيه قوانين القدح والذمّ لتوسيع نطاق الملاحقة بدل حصرها. أمّا القوى الحزبيّة والأهليّة فتمارس ضغطاً موازياً، سواء عبر نفوذها داخل المؤسّسات الإعلاميّة أو عبر حملات منظّمة تستهدف الأصوات الناقدة.
لكنّ الصورة لا تكتمل من دون الإشارة إلى المجتمع نفسه. مع تصاعد التوتّرات الطائفيّة والهويّاتيّة، يتزايد الميل إلى رفض النقد واعتباره تهديداً للانتماء. هكذا تتشكّل رقابة مزدوجة: رسميّة من جهة، وأهليّة ـ اجتماعيّة من جهة أخرى. هذه الأخيرة غالباً ما تكون أكثر فعّاليّة لأنّها غير مكتوبة، وتعمل عبر الخوف من النبذ أو الاتّهام.
بين الحاجة إلى التّنظيم وخطر الضّبط الانتقائيّ
في خضمّ هذا المشهد، يُطرح التشدّد استناداً إلى قانون الإعلام المرئيّ والمسموع. من حيث المبدأ، لا يمكن لأيّ قطاع أن يعمل خارج إطار قانونيّ ينظّمه. لكنّ التجربة تُظهر أنّ المشكلة ليست في وجود القانون، بل في ما يتضمّنه من نصوص وكيفيّة استخدامه.
عندما تُبنى القوانين على مفاهيم مطّاطة، مثل “المصلحة الوطنيّة” أو “هيبة الدولة”، تتحوّل إلى أدوات قابلة للتأويل الواسع، وبالتالي إلى وسائل ضبط انتقائيّ. ليس الخطر هنا في تطبيق قانون الإعلام، بل في تحويل القانون إلى آليّة لا تُستخدَم إطاراً ثابتاً يضمن الحقوق بل عند الحاجة السياسيّة.
تزداد هذه الإشكاليّة تعقيداً مع الفضاء الرقميّ. حتّى لو جرى تشديد الرقابة على الإعلام التقليديّ، سينتقل النقاش إلى المنصّات الرقميّة. لكن ماذا عن التغريدات أو المنشورات الصادرة من خارج لبنان؟ هل يمكن إخضاعها لقوانين محلّيّة؟ وهل يملك أيّ نظام قانونيّ القدرة على ضبط فضاء عابر للحدود؟
الواقع أنّ محاولة تطويع الفضاء الرقميّ لمنطق السيادة التقليديّة تبدو محدودة الجدوى. الأسوأ أنّها قد تدفع الخطاب النقديّ إلى الهجرة خارج البلاد، فتنشأ مفارقة خطِرة: إعلام داخليّ أكثر انضباطاً، يقابله نقاش خارجيّ أكثر تحرّراً، لكن أقلّ ارتباطاً بالمجال العامّ المحلّيّ.
المقامات الرّوحيّة: بين الاحترام واتّساع المحرّمات
وفقاً لتركيبة لبنان الأهليّة، لا جدال في القيمة المعنويّة العميقة للمقامات الروحيّة في البلد، فهي جزء من بنيته الأهليّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وتمثّل لدى شريحة واسعة مرجعيّة أخلاقيّة لا يمكن تجاهلها. من هنا، يفرض التعاطي معها قدراً عالياً من المسؤوليّة والاحترام.
غير أنّ الإشكاليّة تبدأ عندما تتوسّع دائرة “المقدّس” إلى حدّ يطغى على المجال العامّ. في مجتمع متعدّد الطوائف، تتكاثر الرموز، وتتعدّد الحساسيّات، فيصبح أيّ نقاش جدّيّ عرضةً لتأويله إلى إساءة. هنا لا يعود القيد قانونيّاً فقط، بل يتحوّل إلى منظومة اجتماعيّة ضاغطة تضبط الخطاب من دون نصوص. تعني كثرة “المقدّسات” عند الجماعات اللبنانيّة، في ما تعنيه، أنّ مساحة الحرّيّة تتآكل وتضيق.
السؤال الجوهريّ هو: هل يمكن لمجتمع تتكاثر فيه المقدّسات أن يحافظ على مساحة نقد حرّ أم تظلّ هذه المساحة محكومة بتوازنات دقيقة تنهار عند أوّل اختبار؟
يجب أن لا يتحوّل احترام الرموز الدينيّة إلى حصانة مطلقة ضدّ النقاش. ليس الإعلام مساحة للإهانة، لكنّه أيضاً ليس مساحةً للصمت. المجتمع الذي يوسّع دائرة المحرّمات إلى حدّ الاختناق يقيّد نفسه قبل أن يحميها.
حرّيّة التّعبير: أفضليّة تتآكل أم استثناء قابل للاستعادة؟
لا يواجه لبنان خطر فقدان حرّيّاته دفعة واحدة، بل خطر التنازل عنها تدريجاً تحت ذرائع متعدّدة: الأمن، الاستقرار، الأخلاق، أو احترام الخصوصيّات. لم يعد السؤال: هل هذا المسار قد بدأ؟ بل إلى أيّ مدى سيُسمح له بالاستمرار؟ إذا كانت الحرّية قد صنعت جزءاً أساسيّاً من معنى لبنان، فإنّ التفريط بها لا يبدّل صورة الإعلام فحسب، بل يعيد تعريف البلد نفسه من مساحةٍ مفتوحةٍ للنقاش إلى ساحةٍ تُدار فيها الكلمة ضمن حدود مرسومة سلفاً.
