خاص مركز بيروت للأخبار
في قلب صراع يزداد اشتعالاً، يشهد الجنوب الإسرائيلي موجة هروب جماعي لسكان المستوطنات نحو الدول التي هاجروا منها قبل عقود، هرباً من صواريخ إيران التي ضربت مواقع الاحتلال.
آلاف العائلات والطلاب الأجانب عبّروا معبر طابا متجهين نحو الولايات المتحدة وأوروبا، تاركين خلفهم منازلهم وبيوتهم الفارغة، في مشهد يذكّر بالحقبة التي جاؤوا فيها إلى فلسطين وأجبروا أهلها على التشرد.
هذا الهروب يضع الكيان في أزمة معنوية وسياسية غير مسبوقة، ويكشف هشاشة الأمن الإسرائيلي أمام تطور القدرات الصاروخية الإيرانية. بينما الفلسطينيون الذين تعرضوا لسنوات من الاحتلال والتهجير يبقون على أرضهم، صامدين في مواجهة العدوان رغم كل جرائم نتنياهو. المشهد يؤكد أن الأرض، والحق التاريخي، هما من يصنعان الصمود وليس مجرد سلاح أو قوة مؤقتة.
تاريخياً، بدأ التدفق اليهودي إلى فلسطين في الأربعينيات من القرن الماضي، مستفيدين من الدعم الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ما أدى إلى نزوح وتشريد عشرات آلاف الفلسطينيين من قراهم ومدنهم.

الأراضي التي هُجّر منها أصحابها الأصليون تحولت إلى مستوطنات يهودية مدعومة بالجيش والسياسة الدولية، بينما الفلسطينيون أصبحوا لاجئين داخل وطنهم وخارجه. اليوم، المشهد يتكرر بشكل معاكس، فاليهود يتركون بيوتهم أمام صواريخ دقيقة، فيما الفلسطينيون يثبتون على الأرض رغم العدوان المتكرر.
الإحصاءات الأخيرة تشير إلى أن آلاف الإسرائيليين عبروا معبر طابا في الأيام الثلاثة الماضية وحدها، في أكبر حركة نزوح منذ عقود. هذه الأرقام تعكس حجم الرعب الذي تسببه إيران وقدراتها الصاروخية المتطورة. وهي مفارقة صارخة بين شعب هجّر واحتل، وآخر صامد في وطنه.
المستويات العسكرية في “إسرائيل” تعيش حالة ارتباك، حيث توقفت رحلات مطار بن غوريون الرئيسة، واضطر آلاف الركاب إلى الاعتماد على مطارات سيناء للعودة إلى بلادهم الأصلية.
السلطات المصرية رفعت رسوم معبر طابا من 25 دولاراً إلى 60 دولاراً لكل مسافر، ما أضاف عبئاً جديداً على القادمين. منظّمات المساعدة عملت على مدار الساعة لتوفير الحافلات الآمنة، إلا أن الضغط النفسي والمعنوي على المستوطنين كان هائلاً مع عدم وضوح نهاية للحرب وتزايد أكاذيب قادة تل أبيب.

وفي المقابل، تظهر الطائرات الإيرانية والصواريخ المتقدمة سيطرة واضحة على أجواء الجنوب المحتل. هذا المشهد يجسد كيف أن الإرهاب الحقيقي ليس مجرد صواريخ، بل هو فقدان الإحساس بالأمن في قلب المستوطنات. وبينما الإسرائيليون يفرون، يبقى الفلسطينيون صامدين على أرضهم، مشهد يحاكي ألف درس تاريخي عن الصمود والحق.
الهجرة العكسية هذه تحمل دلالات رمزية وسياسية كبيرة، فهي تشير إلى هشاشة المشروع الاستيطاني الذي بني على تهجير الفلسطينيين منذ أكثر من سبعين عاماً. كل بيت يُترك خلفه يحمل رسائل عن ضعف النفوس أمام الخطر المباشر، في حين يثبت الفلسطينيون أن الأرض والهوية الوطنية أعظم من أي سلاح أو ضغط خارجي.
مراقبون سياسيون يصفون ما يحدث بأنه “صدمة للكائن الصهيوني”، مشيرين إلى أن التاريخ يعيد نفسه، لكن هذه المرة بشكل معاكس.

ويؤكد الخبراء أن قدرة إيران على ضرب أهداف استراتيجية دقيقة أجبرت عشرات الآلاف على الفرار خلال أيام قليلة، وهو رقم لم تشهده “إسرائيل” منذ عقود.
المشهد الحالي يفرض على الحكومة الإسرائيلية مراجعة سياساتها الأمنية واستراتيجيتها بشكل كامل. المفارقة التاريخية واضحة: من هجر وأجبر الآخرين على الرحيل يفر اليوم أمام صواريخ أقل من حجم تهديده السابق.
على المستوى الإنساني، يبرز تأثير الهروب الجماعي على الطلاب الأجانب والعائلات المختلطة، حيث اضطر آلاف الأفراد إلى تأجيل دراستهم وسفرهم، بينما تكبدت شركات النقل والرحلات خسائر كبيرة نتيجة التحولات المفاجئة في حركة السفر.
مشهد الحافلات المكتظة والطوابير الطويلة عند معبر طابا يوحي بانهيار شبه كامل لنظام النقل والإخلاء الإسرائيلي. في المقابل، الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية وشرق القدس يواصلون حياتهم اليومية مع مراقبة دقيقة للعدوان، ما يعكس قدرة المجتمع الفلسطيني على التكيف والصمود. كل خطوة يخطوها المستوطنون للهروب تحمل دلالة على هشاشة مشروع استيطاني مبني على النزوح والتهجير.

وسائل الإعلام العالمية تتابع الحدث عن كثب، مشيرة إلى أن صور الطوابير والهروب الجماعي تكاد تعكس قلب المعادلة التاريخية. هذه الديناميكية الجديدة توحي بأن الأرض والحق التاريخي لا يمكن شراؤهما أو انتزاعهما بالقوة.
وتؤكد الأحداث الأخيرة أن الصمود على الأرض هو القوة الحقيقية، وأن الهروب حتى من بيوت مزودة بكل الحماية العسكرية لا يضمن البقاء.

التاريخ يعيد نفسه، لكن هذه المرة بشكل عكسي، حيث يواجه من كان يوماً مطلق القوة واقعاً يقف عاجزاً أمام تهديد مباشر.
المفارقة الفلسطينية اليوم أصبحت درساً تاريخياً واضحاً، وأن الشعب الذي يبقى على أرضه مهما اشتدت الصعاب هو من يكتب فصول النصر الحقيقي. بينما من جاء بأمل وأسلحة وتهجير، يكتشف أن الخوف والانسحاب جزء من قصته الحقيقية. وهكذا، تعود قيم الصمود والحق والهوية لتفرض نفسها على الجميع. العالم يشاهد، والتاريخ يسجل، والفلسطينيون يثبتون أن الأرض لا تُنتزع إلا بالإرادة والوفاء بها.
