مقاومة إسرائيل في فكر ميشال شيحا: لبنان يُدافِع عن نفسه في فلسطين
مقاومة إسرائيل في فكر ميشال شيحا: لبنان يُدافِع عن نفسه في فلسطين
صحيفة الأخبار: بقلم كريم حداد
في مقاله في صحيفة «الأخبار»، يتوقف كريم حداد عند جانب أقل تداولاً في فكر ميشال شيحا، يتمثل في نظرته إلى فلسطين والمشروع الصهيوني وعلاقتهما المباشرة بمسألة الكيان اللبناني. وينطلق الكاتب من مفارقة أساسية مفادها أن تمسّك شيحا بخصوصية لبنان لم يدفعه إلى الانعزال عن قضية فلسطين، بل قاده إلى اعتبار ما يجري فيها جزءاً من معركة حماية استقلال لبنان وتوازن المشرق.
يبني كريم حداد مقاله على إعادة قراءة موقف ميشال شيحا من فلسطين انطلاقاً من مفهوم «لبنان أولاً»، لكن بمعنى مختلف عن الانكفاء أو الحياد. فشيحا، وفق المقال، رأى أن الدفاع عن لبنان لا يمكن فصله عن التطورات المحيطة به، وأن قيام قوة إقليمية ذات تفوق عسكري ودعم دولي كبير يمكن أن يغيّر ميزان القوى في المشرق ويضع الدول الصغيرة، وفي مقدّمها لبنان، أمام ضغوط متزايدة.
ويشير المقال إلى أن اعتراض شيحا على المشروع الصهيوني سبق قيام إسرائيل، إذ تناول في مقالاته باللغة الفرنسية المنشورة في صحيفة «Le Jour» مشروع تقسيم فلسطين، وربط بين الدولة القائمة على أساس قومي وديني حصري وبين نموذج لبنان التعددي الذي كان يدافع عنه. كما تناول في كتاباته مسألة اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وإحلال سكان آخرين مكانهم.
لكن أهمية موقفه، بحسب حداد، لا تتوقف عند الإدانة السياسية أو الأخلاقية، إذ انتقل شيحا بعد حرب 1948 إلى البحث في وسائل مواجهة ميزان القوى الجديد. وهنا تظهر عبارته حول أن «المقاومة العربية» ليست ضرورية فقط، بل «حيوية»، بما يعكس، وفق المقال، قناعة بأن التعامل مع التفوق الإسرائيلي باعتباره مسألة فلسطينية محضة سيكون خطأً استراتيجياً بالنسبة إلى دول المشرق.
ومن أبرز الأفكار التي يناقشها المقال أن شيحا لم يرَ أولوية لبنان سبباً للابتعاد عن فلسطين، بل رأى العكس تماماً: إذا كان الهدف هو حماية لبنان، فلا بد من الانتباه إلى ما يجري في فلسطين. فالمسألة بالنسبة إليه ترتبط بميزان القوى الإقليمي، وباحتمال تحوّل التفوق الإسرائيلي إلى وسيلة ضغط سياسية واقتصادية على دول المنطقة.
ويتوقف الكاتب أيضاً عند موقف شيحا من تسليح لبنان، مشيراً إلى أنه دعا في تموز 1950 إلى أن يكون اللبنانيون، رغم صغر مساحة بلدهم وعدد سكانه وميلهم إلى السلم، في حالة يقظة وتسليح. ويستخلص المقال من ذلك أن الكيانية اللبنانية عند شيحا لم تكن مبنية على الاعتقاد بأن ضعف الدولة يحميها، بل على ضرورة امتلاكها عناصر القوة التي تسمح لها بحماية استقلالها.
ولا يحصر شيحا مفهوم المقاومة، وفق المقال، في البعد العسكري. فقد أعطى أهمية للإعلام والدبلوماسية والقانون الدولي والتضامن العربي، ورأى أن معركة فلسطين تحتاج أيضاً إلى إيصال القضية إلى الرأي العام الدولي والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، إضافة إلى موقفه من تدويل القدس وحماية الأماكن المقدسة.
وفي مقاربته لمسألة التفاوض، يبرز المقال موقفاً آخر لشيحا، إذ حذّر من مفاوضات قد تتحول إلى وسيلة لتثبيت نتائج فرضتها القوة. لكنه في الوقت نفسه لم يحوّل رفضه للصهيونية إلى موقف عدائي تجاه اليهود، كما لم يدعُ إلى إلغاء وجود إسرائيل، بل ميّز بين التعامل مع واقع قائم وبين منح هذا الواقع شرعية مطلقة أو اعتبار نتائجه غير قابلة للمراجعة.
وهنا يصل المقال إلى الفكرة المركزية: المقاومة في فكر ميشال شيحا، كما يعرضها كريم حداد، تقع بين رفض الاستسلام للأمر الواقع وبين رفض تحويل الصراع إلى حرب مفتوحة أو صراع ديني وعرقي. فهي، في هذه القراءة، مزيج من القدرة الدفاعية والإعلام والدبلوماسية والقانون الدولي والتضامن السياسي، مع الحفاظ على فكرة الدولة والكيان اللبناني.
العلاقة بين الكيانية اللبنانية والقضية الفلسطينية
يعيد كريم حداد من خلال مقاله طرح سؤال العلاقة بين الكيانية اللبنانية والقضية الفلسطينية من زاوية فكر ميشال شيحا. والخلاصة التي يقدمها النص أن «لبنان أولاً» عند شيحا لم تكن تعني الانعزال عن فلسطين، بل إن حماية لبنان، في رؤيته، كانت تقتضي فهم التحولات التي تصيب المشرق وميزان القوى فيه. ومن هنا تصبح فلسطين، في كتاباته، جزءاً من سؤال أوسع يتعلق باستقلال دول المنطقة وتعدّدها وقدرتها على مواجهة الهيمنة الإقليمية.
يصعب فهم موقف ميشال شيحا من فلسطين إذا قُرِئ بمعزل عن الفكرة التي كرّس حياته السياسية والفكرية للدفاع عنها: لبنان.
شيحا، هو أحد أبرز منظّري الكيانية اللبنانية، لم يصل إلى فلسطينعن طريق عقيدة قومية تريد إذابة لبنان في وحدة أوسع، ولم يعتبر أن خصوصية لبنان تفرض عليه الانكفاء عن صراعات محيطه. على العكس، قاده تمسّكه بالكيان اللبناني إلى استنتاج أن ما يجري في فلسطين يمسّ لبنان في صميم وجوده. ومن هنا يمكن فهم دعوته الصريحة إلى «المقاومة العربية»، وتحذيره المبكر من أن القضية لا تتعلق بفلسطين وحدها، بل بتوازن المشرق وباستقلال دوله وقدرتها على منع قيام هيمنة إقليمية جديدة.
كان اعتراض شيحا على المشروع الصهيوني سابقاً لقيام إسرائيل. ففي مقالاته المكتوبة باللغة الفرنسية، والمنشورة في صحيفة «Le Jour» ، هاجم شيحا مشروع تقسيم فلسطين، ورأى في إقامة دولة على أساس قومي ـ ديني نقيضاً للنموذج الذي تصوّره للبنان، أي نموذج الجماعات المتعدّدة التي تتشارك دولة واحدة من دون أن تلغي إحداها الأخرى. وتذهب قراءة معاصرة لأرشيف الصحافة اللبنانية إلى أن معاداته السياسية للصهيونية احتلّت موقعاً مركزياً في تفكيره، لأنه رأى في الدولة ذات الهوية الدينية الحصرية نموذجاً يناقض لبنان التعدّدي والمفتوح. كما كتب عام 1945 عن نزع الفلسطينيين من أرضهم وما اعتبره إحلالاً مُنظّماً للسكان.
حرب 1948
لكن الأكثر دلالة هو أن شيحا لم يكتفِ بإدانة أخلاقية أو قانونية. بعد حرب 1948 انتقل في كتاباته إلى التفكير في كيفية مقاومة ميزان القوة الجديد. وفي نصوص استعادها لاحقاً ميشال إده من كتاب «فلسطين»، فيها نص لشيحا يقول فيه ان «المقاومة العربية ليست ضرورية فحسب؛ إنها حيوية». وكان يرى أن المسألة، على المدى الطويل، قضية حياة أو موت للمشرق الممتدّ إلى مصر. بهذا المعنى لم تكن المقاومة عنده تعبيراً عاطفياً عن التضامن، بل ضرورة سياسية تتصل بمنع تحوّل التفوّق الإسرائيلي إلى قدرة على إخضاع المحيط اقتصادياً وسياسياً.
وهنا تتضح خصوصية شيحا. فهو لم يجعل «أولوية لبنان» مبرّراً للحياد حيال فلسطين، وإنما قلب المعادلة: لأن لبنان أولاً، لا يستطيع أن يكون غير معنيّ بفلسطين. فالخطر الذي كان يراه في المشروع الإسرائيلي لم يتوقف عند تغيير حدود فلسطين، بل في إمكان أن يُنتِج ميزان قوى إقليمياً يجعل الدول الصغيرة، وفي مقدّمها لبنان، أكثر تعرّضاً للضغط. ولهذا كتب بعد قيام إسرائيل محذّراً من التعامل معها كقوة محلية محدودة، معتبراً أنها تستند إلى إمكانات دولية واسعة ينبغي للعرب أن يفهموا حجمها قبل صياغة سياساتهم تجاهها.
أيضاً كان لشيحا موقف لافت من تسليح لبنان. وكتب في تموز 1950 أن اللبنانيين، مهما كانوا مسالمين ومحدودي العدد والمساحة، مضطرون إلى التسلّح والبقاء في حالة يقظة. وهذا التفصيل مهم لأنه يكشف أن كيانيته لم تكن قائمة على فكرة أن ضعف لبنان يوفّر له الحماية. الدولة الصغيرة، في منطقه، تحتاج إلى أسباب القوة بقدر حاجتها إلى الدبلوماسية والانفتاح. لذلك لا تبدو المقاومة في فكره تفويضاً دائماً لقوة مستقلة عن الدولة، بل هي جزءٌ من بناء قدرة الكيان نفسه على حماية استقلاله.
لكنّ القوة العسكرية لم تكن عند شيحا إلا جانباً من المقاومة. فقد أعطى أهمية كبيرة للإعلام، ورأى أن العرب يخسرون جزءاً من معركتهم لأنهم لا يحسنون عرض قضيتهم في المجال الدولي. كما دعا إلى التضامن العربي، وإلى استخدام الدبلوماسية والقانون الدولي لحماية الحقوق، ودافع عن تدويل القدس لحماية المدينة والأماكن المُقدّسة. بهذا المعنى تبدو المقاومة لديه مُركّبة: قوة دفاعية، وإعلام، ودبلوماسية، وتضامن سياسي، ورفض لتحويل الأمر الواقع الناشئ بالقوة إلى حق دائم لا تجوز مراجعته.
ولهذا اتّخذ موقفاً متشدّداً أيضاً من المفاوضات عندما تكون شروطها، في تقديره، بمثابة اعتراف مُسبق بنتائج القوة. ففي عام 1952 حذّر من تفاوض يؤدّي إلى تبرير الانتهاكات السابقة أو يفتح الباب لانتهاكات لاحقة، معتبراً أن السلام الذي يقوم على تنازل الطرف الأضعف عن حقوقه لا يمنع الحرب بالضرورة. لكنه، في الوقت نفسه، لم يحوّل المقاومة إلى مشروع لإلغاء الآخر. ففي كانون الأول 1952 كتب أنه يتعامل مع وجود إسرائيل بوصفه أمراً واقعاً وأن المسألة ليست «إلقاء الإسرائيليين في البحر»، ثم شدّد في عام 1953 على أن رفضه للصهيونية لا يجوز تحويله إلى معاداة لليهود.
أهمية استعادة شيحا اليوم، ترتبط بواقع أن المقاومة في نصوصه، ليست مرادفاً للح
رب المفتوحة إلى ما لا نهاية، كما أنها ليست قبولاً بالأمر الواقع لمجرّد أنه أصبح واقعاً. إنها تقع بين الاثنين: الاعتراف بالوقائع من دون منح القوة حقاً مُطلقاً، والاستعداد للدفاع من دون تحويل الصراع إلى عداء ديني أو عرقي. ولذلك كان يستطيع أن يقرّ بوجود إسرائيل بعد عام 1948، وفي الوقت نفسه يعتبر أن مقاومة التوسّع والهيمنة، وحماية الحقوق الفلسطينية واللبنانية، ضرورتان مستمرتان.
بهذا المعنى، فإن أكثر ما يكشفه كتاب «فلسطين» عن ميشال شيحا هو أن الكيانية اللبنانية عنده لم تكن انعزالاً عن فلسطين، بل كانت أحد أسباب الانخراط فيها. فلسطين بالنسبة إليه كانت الخط الأمامي لمسألة أوسع: هل يستطيع المشرق أن يحافظ على تعدّده واستقلال كياناته في مواجهة سياسة القوة؟