يتواصل النقاش السياسي في العراق حول مستقبل سلاح الفصائل المسلحة وآليات تنظيم العلاقة بين القوى الأمنية الرسمية والفصائل، بالتزامن مع الاستعدادات لــإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي وانسحاب القوات الأمريكية وفق الجدول المعلن. وبينما تطرح أطراف سياسية عراقية خيار «حصر السلاح بيد الدولة» ضمن تفاهمات داخلية، تبرز مواقف تؤكد أن معالجة هذا الملف يجب أن تنطلق من السيادة العراقية والمصلحة الوطنية، بعيداً عن أي ضغوط أو تدخلات خارجية.

وتتداخل في هذا النقاش اعتبارات أمنية وسياسية واقتصادية، في ظل تمسك شخصيات وقوى عراقية بضرورة ضمان استقلال القرار الوطني، ومخاوف من أن يتحول ملف السلاح إلى مدخل لممارسة ضغوط دولية على بغداد أو إعادة تشكيل المشهد الأمني وفق حسابات إقليمية.

العراق أمام استحقاق السيادة وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي

العراق أمام استحقاق السيادة وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي
العراق أمام استحقاق السيادة وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي

أكد النائب حامد الموسوي، المتحدث باسم كتلة «بدر» النيابية، أن إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي والانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من الأراضي العراقية يمثلان استحقاقاً وطنياً يرتبط بتضحيات الشعب العراقي وقواته المسلحة بمختلف تشكيلاتها في مواجهة الإرهاب والدفاع عن البلاد.

وقال الموسوي، في بيان صحافي، إن العراق يقف أمام «لحظة تاريخية فارقة» بعد تضحيات كبيرة قدمها العراقيون، مرحباً بالخطوات التنفيذية لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي.

ورأى أن هذا التطور يشكل ثمرة لتضحيات العراقيين وترسيخاً لسيادة الدولة، فضلاً عن كونه تأكيداً على قدرة الشعب العراقي ومؤسساته الدستورية وقواته المسلحة على إدارة شؤونه الأمنية والعسكرية وحماية مصالحه الوطنية.

كتلة بدر: إنهاء الوجود الأجنبي يجب أن يكون شاملاً وحقيقياً

كتلة بدر: إنهاء الوجود الأجنبي يجب أن يكون شاملاً وحقيقياً
كتلة بدر: إنهاء الوجود الأجنبي يجب أن يكون شاملاً وحقيقياً

وشدد الموسوي على مجموعة من الثوابت الوطنية، في مقدمتها تحقيق السيادة الكاملة ورفض الاكتفاء بالترتيبات الشكلية أو تغيير المسميات والأدوار من دون إنهاء فعلي للوجود العسكري الأجنبي.

وأكد أن إنهاء الوجود العسكري الأجنبي ينبغي أن يكون «حقيقياً وشاملاً وملموساً على الأرض»، بما يضمن للعراق ممارسة قراره السيادي على أراضيه ومرافقه وأجوائه.

كما دعا إلى احترام الأجواء والأراضي العراقية، ووقف أي انتهاك أو خرق للسيادة الوطنية، أياً كانت المبررات أو الظروف، مشدداً على ضرورة الامتناع عن التدخل في الشأن الداخلي واحترام استقلال القرار العراقي وخيارات المؤسسات الدستورية.

وأشار المتحدث باسم كتلة «بدر» إلى أهمية بناء علاقة عراقية – أمريكية قائمة على التكافؤ والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل، على أن تجري الاتصالات والتعاملات بين البلدين عبر القنوات الرسمية والدبلوماسية، وبما ينسجم مع قواعد القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية.

وأضاف أن العراق، الذي دفع ثمناً غالياً من دماء أبنائه في سبيل أمنه وسيادته، قادر على حماية أمنه واستقراره وصون مصالح شعبه، والانتقال إلى مرحلة جديدة تركز على البناء والتنمية والإعمار، مع الانفتاح على شراكات دولية متوازنة.

الانسحاب الأمريكي.. انتقال نحو إدارة الأمن بأيدٍ عراقية

الانسحاب الأمريكي.. انتقال نحو إدارة الأمن بأيدٍ عراقية
الانسحاب الأمريكي.. انتقال نحو إدارة الأمن بأيدٍ عراقية

تعتبر الحكومة العراقية أن الموعد المحدد لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي يمثل انتقالاً نحو الاعتماد الكامل على القدرات الوطنية في إدارة الملف الأمني، وتؤكد أن القوات العراقية أصبحت مؤهلة لتولي مسؤوليات حماية البلاد.

وقال صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، إن الثلاثين من أيلول/سبتمبر يمثل «نقطة تحول استراتيجية» في تاريخ المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية، موضحاً أن الموعد يجسد الانتقال العملي نحو الاعتماد الذاتي وإدارة الأمن العراقي بأيدٍ وطنية.

وأضاف أن هذا الاستحقاق يعكس جاهزية القوات المسلحة العراقية وقدرتها الميدانية، ويرسخ مفهوم التكافؤ الاستراتيجي في العلاقات الدولية، مشيراً إلى أن القوات العراقية تتحمل مسؤولية حماية سماء البلاد وترابها دون الحاجة إلى مظلات أجنبية.

بغداد تربط السيادة باحتكار القرار الأمني

بغداد تربط السيادة باحتكار القرار الأمني
بغداد تربط السيادة باحتكار القرار الأمني

وشدد النعمان على أن ترسيخ السيادة الوطنية يشكل أساساً قانونياً وميدانياً لعمل الأجهزة الأمنية، معتبراً أن حصر القرار الأمني بالقيادة الوطنية يضع حداً للمبررات التي قد تُستخدم للتحرك خارج أطر الدولة.

وأشار إلى أن المؤسسات الأمنية العراقية، بمختلف تشكيلاتها، أسهمت في تحويل مفهوم سلطة الدولة إلى واقع ميداني، من خلال تأمين الحدود الاتحادية ومواجهة الإرهاب وتفكيك شبكات الجريمة المنظمة وإدارة الملفات الأمنية في المحافظات المختلفة.

وأكد أن أداء القوات المسلحة العراقية يعكس دورها في حماية القرار السياسي ووحدة العراق واستقراره.

تحذيرات من بقاء القوات الأمريكية في محيط العراق

تحذيرات من بقاء القوات الأمريكية في محيط العراق
تحذيرات من بقاء القوات الأمريكية في محيط العراق

وعلى الرغم من التفاؤل الحكومي بشأن الانسحاب المرتقب، يرى عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية جواد الساعدي أن التعامل مع الملف الأمريكي يتطلب متابعة دقيقة، مستنداً إلى التجربة الطويلة للعراق مع واشنطن.

وأوضح الساعدي أن خروج القوات الأمريكية من الأراضي العراقية لا يعني بالضرورة ابتعادها عن العراق، في حال استمرار وجود عسكري أمريكي في دول ومناطق محيطة، محذراً من أن هذا الواقع قد يتيح إمكانية التحرك السريع باتجاه الأراضي العراقية عند حدوث تطورات أمنية.

وقال، في تصريحات لمواقع إخبارية محلية، إن الانسحاب الأمريكي من جميع الأراضي العراقية، بما في ذلك إقليم كردستان، ثابت وفق ما تم الاتفاق عليه مع الحكومة العراقية.

وأضاف أن التجربة السابقة أظهرت أن الولايات المتحدة قد تنسحب من العراق، لكنها تبقى قريبة منه من خلال وجودها العسكري في محيطه الإقليمي، داعياً إلى التأكد من تنفيذ الانسحاب بصورة كاملة وشموله جميع الأراضي العراقية.

ويعكس هذا الطرح استمرار النقاش داخل الأوساط السياسية والأمنية العراقية حول حدود الانسحاب الأمريكي، ومدى ارتباط إنهاء الوجود العسكري المباشر بإمكانية استمرار التأثير الأمني والاستراتيجي من خارج الأراضي العراقية.

سلاح الفصائل في العراق.. حوارات داخلية بعيداً عن الضغوط الخارجية

سلاح الفصائل في العراق.. حوارات داخلية بعيداً عن الضغوط الخارجية
سلاح الفصائل في العراق.. حوارات داخلية بعيداً عن الضغوط الخارجية

بالتوازي مع ملف الانسحاب العسكري الأجنبي، تتواصل الحوارات السياسية العراقية، ولا سيما داخل القوى الشيعية، بشأن مستقبل سلاح الفصائل المسلحة وآليات تنظيمه ضمن الإطار الدستوري والأمني للدولة.

ويطرح هذا الملف إشكالية متعددة الأبعاد، إذ تتداخل فيه مسألة السيادة الوطنية مع دور الفصائل التي شاركت في مواجهة تنظيم «داعش»، إلى جانب المطالب السياسية المتعلقة بتنظيم السلاح والقرار الأمني.

وفي هذا السياق، يؤكد عدد من الشخصيات السياسية العراقية أن معالجة القضية ينبغي أن تتم عبر التفاهم والحوار الداخلي، مع مراعاة المصلحة الوطنية وعدم تحويل الملف إلى استجابة مباشرة لضغوط خارجية.

هادي العامري وعمار الحكيم: الحل عبر التفاهم والحوار

هادي العامري وعمار الحكيم: الحل عبر التفاهم والحوار
هادي العامري وعمار الحكيم: الحل عبر التفاهم والحوار

بحث رئيس تحالف «قوى الدولة الوطنية» عمار الحكيم والأمين العام لمنظمة «بدر» هادي العامري تطورات المشهد السياسي في العراق والمنطقة، في لقاء تناول التحديات الداخلية والإقليمية.

وذكر المكتب الإعلامي للحكيم أن الجانبين أكدا أهمية مواجهة التحديات بمزيد من التماسك الداخلي وتعزيز اللحمة الوطنية، إلى جانب حل مشكلة السلاح خارج إطار الدولة عبر التفاهم والحوار وتغليب المصلحة العامة.

وشدد الحكيم والعامري، وفق البيان، على ضرورة استعادة الاستقرار في المنطقة وإنهاء حالة التصعيد والتوتر.

ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه النقاشات حول آليات التعامل مع سلاح الفصائل، وسط تأكيد من قوى سياسية عراقية على أن أي تسوية ينبغي أن تراعي خصوصية الواقع العراقي، ودور القوى التي واجهت الإرهاب، ومتطلبات حماية السيادة الوطنية.

الحكيم: معالجة ملف السلاح وفق آليات وتوقيتات عراقية

الحكيم: معالجة ملف السلاح وفق آليات وتوقيتات عراقية
الحكيم: معالجة ملف السلاح وفق آليات وتوقيتات عراقية

وكان السيد عمار الحكيم قد دعا، خلال استقباله القائم بأعمال السفارة الأمريكية ستيفن فاجن في بغداد، إلى معالجة مشكلة السلاح خارج إطار الدولة، مؤكداً أهمية التعاطي مع الملف انطلاقاً من المصلحة الوطنية العراقية.

وأشار الحكيم إلى ضرورة اعتماد آليات وتوقيتات عراقية في معالجة القضية، بعيداً عن فرض أجندات خارجية على القرار الوطني.

ووفق بيان منفصل، اعتبر الحكيم أن معالجة مشكلة السلاح تمثل استحقاقاً دستورياً ومصلحة وطنية، مع تثمين الجهود التي أسهمت في تحرير الأراضي العراقية واستعادة الدولة.

وتكشف هذه المواقف عن اختلاف في مقاربات معالجة الملف، بين التركيز على متطلبات تنظيم السلاح ضمن مؤسسات الدولة، والتأكيد على أن مسار الحل يجب أن يكون عراقياً، وأن لا يتحول إلى أداة للتدخل الخارجي أو المساس بدور القوى التي ساهمت في مواجهة الإرهاب.

مخاوف من العزلة الدولية وانعكاساتها الاقتصادية

مخاوف من العزلة الدولية وانعكاساتها الاقتصادية
مخاوف من العزلة الدولية وانعكاساتها الاقتصادية

في المقابل، حذر عضو تيار «الحكمة» سامي الجيزاني من أن استمرار المشكلات العالقة قد يعرض العراق لضغوط دولية ذات انعكاسات اقتصادية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات مرتبطة بالوضع الاقتصادي.

وقال الجيزاني إن عدم معالجة ملف السلاح قد يضع العراق أمام خطر العزلة عن المجتمع الدولي، مشيراً إلى أن التداعيات الأولى المحتملة قد تظهر في الجانب الاقتصادي، بما يضيف تحديات جديدة إلى الوضع القائم.

وأضاف أن العراق أرسل خلال المرحلة الأخيرة رسائل إيجابية إلى المجتمع الدولي، من بينها تشكيل الحكومة والتحرك باتجاه معالجة ملف السلاح، معتبراً أن حصر السلاح يمثل، في الأساس، قضية وطنية عراقية وليست استجابة مرتبطة حصراً بمطالب خارجية.

30 أيلول ليس موعداً لحسم ملف السلاح

30 أيلول ليس موعداً لحسم ملف السلاح
30 أيلول ليس موعداً لحسم ملف السلاح

وفي ما يتعلق بالموعد المحدد في 30 أيلول/سبتمبر، أوضح الجيزاني أن التاريخ لا يمثل موعداً متفقاً عليه بين العراق والولايات المتحدة لإنهاء ملف السلاح، بل يرتبط بالتزام أمريكي ينتهي في ذلك التاريخ.

وأكد أن معالجة ملف السلاح لا ترتبط بموعد الانسحاب، باعتبار أن القضية سابقة للتطورات الحالية، وأن التعامل معها يجري ضمن مسار داخلي يتعلق بمصلحة العراق وعلاقته بالمجتمع الدولي.

وتضع هذه التصريحات ملف السلاح أمام مسارين متداخلين: الأول يتعلق بقرار الدولة العراقية بشأن تنظيم المؤسسة الأمنية والعسكرية، والثاني يرتبط بالضغوط الدولية والمخاوف من انعكاساتها على الاقتصاد والعلاقات الخارجية.

دور الحشد الشعبي في المعادلة الأمنية العراقية

دور الحشد الشعبي في المعادلة الأمنية العراقية
دور الحشد الشعبي في المعادلة الأمنية العراقية

يحتل الحشد الشعبي موقعاً مهماً في النقاش المتعلق بالمنظومة الأمنية العراقية، بالنظر إلى الدور الذي أدته فصائله وتشكيلاته في مواجهة تنظيم «داعش» خلال السنوات الماضية.

وتثير المطالب المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة نقاشاً حول كيفية تنظيم العلاقة بين المؤسسات الأمنية الرسمية والقوى المنضوية ضمن المنظومة الأمنية العراقية، بما يراعي الأطر القانونية ويأخذ في الاعتبار التجربة التي خاضتها البلاد خلال الحرب على الإرهاب.

وفي هذا الإطار، تطرح بعض القوى السياسية العراقية ضرورة أن تتم معالجة الملف عبر الحوار والتفاهمات الوطنية، بدلاً من اعتماد مقاربات خارجية قد تتجاهل خصوصية الظروف التي تشكلت فيها المنظومة الأمنية العراقية.

وتبقى طبيعة الترتيبات النهائية وآليات تنفيذها مرتبطة بمسار الحوار السياسي الداخلي، وبمدى قدرة الأطراف المعنية على الوصول إلى صيغة توازن بين متطلبات الدولة الأمنية، والاعتبارات السيادية، والتحديات الإقليمية والدولية.

يتجه النقاش العراقي حول سلاح الفصائل نحو مرحلة جديدة تتزامن مع الاستعدادات لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، وسط تأكيدات رسمية وسياسية على أهمية السيادة الوطنية واستقلال القرار الأمني.

وبينما تدعو أطراف إلى تنظيم السلاح ضمن مؤسسات الدولة، تؤكد قوى سياسية أخرى أن معالجة الملف يجب أن تتم عبر تفاهمات عراقية تراعي المصلحة الوطنية ودور القوى التي شاركت في مواجهة الإرهاب، بعيداً عن الضغوط الخارجية.

وتبقى قدرة بغداد على إدارة هذا الملف مرهونة بمسار الحوار الداخلي، وبإمكانية تحقيق توافق يحفظ سيادة العراق ويعالج التحديات الأمنية والاقتصادية دون أن يتحول النقاش إلى مدخل لتوسيع التدخلات الخارجية في الشأن العراقي.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com