حين يصبح الصمت شراكة في الخطأ: مسؤولية المُثقّف أمام اتفاق الإطار
صحيفة الأخبار: بقلم كريم حداد

يفتح الكاتب كريم حداد في صحيفة «الأخبار» نقاشًا سياسيًا ودستوريًا وأخلاقيًا حول ما يُسمّى «اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل، واضعًا مسؤولية المثقّف في مواجهة قرارات السلطة السيادية في صلب المشهد. وانطلاقًا من مقولة إميل زولا «إنّي أتهم»، يرى حداد أن الصمت أمام الأخطاء الكبرى للسلطة لا يبقى موقفًا محايدًا، بل قد يتحوّل إلى شراكة في تبريرها وتجميل نتائجها.

ويطرح المقال أسئلة تتصل بشرعية المؤسسات التي اتخذت قرارًا بهذه الخطورة، ومدى توافق الاتفاق مع الأصول الدستورية، إضافة إلى طبيعة الالتزامات التي يرتّبها على لبنان، في مقابل ما يعتبره الكاتب حقوقًا لبنانية بقيت معلّقة على الشروط الإسرائيلية. كما يتوقف عند استمرار الاحتلال والعدوان، وتعثر الانسحاب، ليرى أن الاتفاق لم يحقق المقابل الأساسي الذي يفترض أن يحصل عليه لبنان، والمتمثل بوقف الاعتداءات واستعادة السيادة.

وفي هذا السياق، يحمّل حداد المثقّفين مسؤولية رفض تحويل الإخفاق السياسي إلى إنجاز، والدفاع عن حق المجتمع في معرفة حقيقة الاتفاق ونتائجه، بعيدًا من الحسابات السياسية واللغة الدبلوماسية التي قد تُستخدم لتبرير ما يعتبره الكاتب تنازلات خطيرة تمسّ مستقبل الدولة والسيادة.

القراءة

أولًا: المثقّف أمام مسؤولية قول الحقيقة

يبدأ كريم حداد مقاله باستحضار قضية إميل زولا، لا باعتبارها مجرد واقعة تاريخية، بل نموذجًا لدور المثقّف عندما تنحرف السلطة وتتحوّل مؤسساتها وإعلامها ونخبها إلى أدوات لتبرير الخطأ.

ومن هذا المدخل، يربط الكاتب بين الصمت والحياد من جهة، والمسؤولية الأخلاقية من جهة أخرى. فالمثقّف، بحسب رؤيته، لا يستطيع الاكتفاء بتسجيل اعتراض هامشي عندما تكون القرارات المتخذة ذات أثر مصيري على المجتمع والدولة. بل إن واجبه يفرض عليه مساءلة السلطة، وكشف ما يراه خطأً، ورفض تقديمه للرأي العام على أنه نجاح.

ويجعل حداد من هذه الفكرة مدخلًا لمناقشة اتفاق الإطار، معتبرًا أن القضية لا تتعلق فقط بتأخر التنفيذ أو إخفاق بعض بنوده، بل بطبيعة الاتفاق نفسه والجهة التي اتخذت قرار الالتزام به.

ثانيًا: الشرعية السياسية والدستورية للاتفاق

ينتقل المقال إلى التشكيك في شرعية المؤسسات التي أبرمت الاتفاق، في ظل تمديد ولاية مجلس النواب سنتين وتأجيل الاحتكام إلى الناخبين.

ويرى الكاتب أن استمرار المؤسسات بقوة القانون لا يعني بالضرورة امتلاكها التفويض السياسي والأخلاقي الكافي لاتخاذ قرارات تاريخية تمسّ السيادة وعلاقة لبنان بإسرائيل. ومن هنا يميّز بين الشرعية القانونية للمؤسسة والشرعية السياسية التي يفترض أن تستند إليها القرارات الكبرى.

كما يستند حداد إلى المادة 52 من الدستور اللبناني، ليطرح تساؤلات حول المسار الدستوري للاتفاق، معتبرًا أن تسميته «اتفاق إطار» أو «تفاهمًا» لا تعفيه من الخضوع للأصول الدستورية إذا كانت آثاره ترتّب التزامات دولية وسياسية وأمنية مستدامة.

ويؤكد الكاتب أن العبرة ليست في اسم الوثيقة، بل في مضمونها وآثارها على الدولة، ولا سيما إذا كانت تعيد تعريف العلاقة مع إسرائيل، وتمسّ السيادة، وتؤسس لمسار ينهي حالة الحرب.

ثالثًا: اتفاق يحمّل لبنان التزامات ويعلّق حقوقه

يشكّل مضمون الاتفاق محورًا أساسيًا في قراءة حداد، إذ يعتبر أن لبنان دخل في التزامات جوهرية تمسّ بنيته الداخلية وتوازناته وقوته، فيما بقيت الحقوق التي يفترض أن يحصل عليها معلّقة على شروط إسرائيلية.

ويتركّز اعتراض الكاتب على الربط بين الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح القوى غير الدولتية والتحقّق من ذلك. ويرى أن هذا الربط جعل الانسحاب تدريجيًا ومشروطًا، بدل أن يكون نقطة بداية لتنفيذ الاتفاق.

وبحسب المقال، فإن إسرائيل احتفظت عمليًا بقدرة على تقييم مدى تحقق الشروط المطلوبة للانسحاب، ما حوّل الاحتلال من حالة يفترض إنهاؤها إلى ورقة تفاوضية يمكن استخدامها للضغط على لبنان.

ويعتبر حداد أن هذا الخلل في توازن الالتزامات يجعل الاتفاق منحازًا لمصلحة الطرف الأقوى، إذ يفرض على لبنان تنفيذ تعهدات داخلية، بينما لا يضمن له في المقابل انسحابًا إسرائيليًا كاملًا ووقفًا للعدوان.

رابعًا: استمرار الاحتلال والعدوان يكشفان أزمة التنفيذ

بعد أشهر على الاتفاق، يرى الكاتب أن الوقائع الميدانية أسقطت المبررات التي تدعو إلى انتظار التنفيذ أو الاكتفاء بالقول إن المسار يحتاج إلى وقت.

ويشير إلى استمرار الاحتلال والعدوان والغارات، وبقاء أجزاء من الجنوب تحت التهديد المباشر، وعدم عودة جميع الأهالي إلى قراهم. وفي المقابل، بقي تنفيذ الاتفاق عالقًا عند نقطة يعتبرها الكاتب أكثر فائدة لإسرائيل، وهي مطالبة لبنان بالمزيد وربط الانسحاب بتقييم أمني إسرائيلي.

ويطرح حداد سؤالًا مركزيًا: أين هو المقابل الذي كان يفترض أن يحصل عليه لبنان، من وقف العدوان والانسحاب واستعادة السيادة؟

ومن خلال هذا السؤال، يرفض الكاتب التعامل مع مرور الوقت باعتباره إنجازًا بحد ذاته، معتبرًا أن الاتفاق الذي لا يحقق أهدافه الأساسية لا يصبح ناجحًا لمجرد استمرار المفاوضات أو تأجيل الحسم.

خامسًا: قضية الأسرى اللبنانيين بين البعد الإنساني والنتيجة السياسية

يتوقف المقال عند الإفراج عن خمسة أسرى لبنانيين، معتبرًا أن تحريرهم مناسبة وطنية وإنسانية لا ينبغي الانتقاص من قيمتها.

لكن حداد يرفض اعتبار هذا الإفراج دليلًا كافيًا على نجاح اتفاق الإطار، إذ يرى أنه جاء في سياق تفاوض وتبادل ارتبط بملف رفات يهود لبنان.

ويفصل الكاتب بين قيمة تحرير الأسرى وبين تقييم الاتفاق ككل، مؤكدًا أن التبادل لا يعادل نجاحًا في فرض الانسحاب الإسرائيلي أو وقف العدوان.

وهنا يميّز المقال بين المكاسب الإنسانية المباشرة، وبين النتائج السياسية والسيادية الكبرى التي يفترض أن يحققها أي اتفاق يتعلق بمستقبل لبنان وعلاقته بالاحتلال.

سادسًا: رفض تحويل المثقّف إلى أداة تبرير للسلطة

يعود حداد في القسم الأبرز من مقاله إلى مسؤولية المثقّف، معتبرًا أن دوره لا يتمثل في تبرير قرارات السلطة أو البحث عن العبارات المناسبة لتجميلها.

فالمثقّف، وفق رؤية الكاتب، مطالب بأن يقول بوضوح إن الخطأ يكمن في اتفاق يربط حقوق لبنان السيادية بالتزاماته، ويجعل الانسحاب الإسرائيلي مشروطًا بمتطلبات أخرى.

كما يرفض حداد أن يتحول المثقّف إلى جزء من منظومة إعلامية أو سياسية تابعة لرئاسة الحكومة أو القصر أو السفارات، داعيًا إلى استقلالية الموقف النقدي، وإلى عدم تقديم ما لم يتحقق على أنه إنجاز.

ويضع الكاتب أمام المثقّف مسؤولية مواجهة الكذب على المجتمع، من خلال التمييز بين الاتفاق الذي يحقق نتائج فعلية، والاتفاق الذي يُستخدم لتبرير تنازلات أو إخفاقات سياسية.

سابعًا: الصمت كشراكة في الخطأ

ينتهي المقال إلى خلاصة أخلاقية وسياسية مفادها أن الصمت لا يكون دائمًا حكمة أو حيادًا، بل قد يتحول في بعض اللحظات إلى شراكة في الخطأ.

ويستعيد حداد تجربة إميل زولا، معتبرًا أن المثقّف الذي يرفض اتفاق الإطار لا يهدم الدولة، بل يحاول استعادة معناها من قرار يراه مضعفًا لسيادتها.

وفي هذا الإطار، يرفض الكاتب أن تساعد النخب السلطة على نسيان أخطائها أو تحويلها إلى قواعد للمستقبل. فالمطلوب، بحسبه، هو مساءلة القرار، ورفض تزييف نتائجه، والدفاع عن حق اللبنانيين في معرفة ما إذا كان الاتفاق قد حقق فعلًا وقف العدوان والانسحاب واستعادة السيادة.

يقدّم كريم حداد مقاله بوصفه مواجهة نقدية مع اتفاق الإطار، من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: الشرعية الدستورية والسياسية للقرار، مضمون الالتزامات التي يرتبها على لبنان، والمسؤولية الأخلاقية للمثقّف في تقييم نتائجه.

ويرى الكاتب أن استمرار الاحتلال والعدوان وتعثر الانسحاب يكشف، في نظره، خللًا أساسيًا في الاتفاق، ويجعل من واجب المثقّفين رفض تقديمه على أنه إنجاز مكتمل. كما يؤكد أن الدولة لا تُحمى بالتستر على أخطائها، بل بمساءلتها وتصحيح مسارها.

وتتمثل الرسالة المركزية للمقال في أن المثقّف لا يفقد دوره عندما يعارض السلطة، بل يفقده عندما يتحول إلى أداة لتبرير قراراتها، وأن الصمت أمام ما يعتبره الكاتب خطأً سياديًا كبيرًا قد يصبح مشاركة في تثبيته وتعميمه.

لم تكن قيمة «إنّي أتهم» لإميل زولا في أنها كشفت خطأ قضائيًّا وحسب، بل في أنها وضعت المثقّف أمام السؤال الذي يحدّد معنى وجوده في المجال العام: ماذا يفعل عندما ترتكب السلطة خطأً كبيرًا ثم تتحوّل مؤسساتها وإعلامها ونخبها إلى أدوات لتبرير ذلك الخطأ؟ هل يكتفي بتسجيل اعتراضه في الهامش، أم يقول بوضوح إن استمرار الدولة في الخطأ أخطر من اعترافها به؟
زولا لم يكن قاضيًا ولا وزيرًا ولا قائد جيش، لكنه فهم أن لحظة انحراف السلطة هي اللحظة التي يصبح فيها الصمت موقفًا، وأن المثقّف الذي يعرف ثم يمتنع عن الكلام لا يبقى محايدًا، بل يتحوّل تدريجيًّا إلى جزء من آلية إخفاء الحقيقة.

هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في لبنان أمام ما سُمّي «اتفاق الإطار» مع إسرائيل. فالمشكلة لم تعد في تقييم بعض بنوده أو في الشكوى من بطء تنفيذه، ولا في القول إن العدو لم يفِ بالتزاماته. المسألة أننا أمام اتفاق شديد الخطورة من قبل سلطة تعاني أصلًا أزمة عميقة في الشرعية التمثيلية، بعدما مُدّدت ولاية مجلس النواب سنتين وتأجّل الاحتكام إلى الناخبين. وردّ المجلس الدستوري الطعون لا يلغي حقيقة أن المؤسسات التي اتخذت أحد أخطر القرارات السيادية لم تكن قد حصلت على تفويضها الشعبي، وأن الفارق كبير بين استمرار مؤسسة بقوة القانون، وامتلاكها شرعية سياسية وأخلاقية تكفي لإحداث تحوّلات تاريخية في وضع البلاد.

دستوريًّا، فلا يمكن التعامل بخفّة مع اتفاق يذهب إلى هذا الحدّ من الالتزامات. فالمادة 52 من الدستور واضحة في تحديد مسار المعاهدات الدولية: رئيس الجمهورية يتولّى التفاوض والإبرام بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح المعاهدات مُبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وهناك فئات من المعاهدات لا تكتمل من دون موافقة مجلس النواب. المسألة إذًا ليست لعبة في التسميات، بحيث يكفي وصف الوثيقة بأنها «إطار» أو «تفاهم» للهرب من السؤال الدستوري. العبرة ليست في الاسم الذي يُعطى للنص، بل في الآثار التي يرتّبها على الدولة. فإذا كان النص يعيد تعريف علاقة لبنان بإسرائيل، ويرتّب التزامات أمنية وسياسية مُستدامة، ويربط مستقبل السيادة على الأرض اللبنانية بآليات تنفيذ وتحقّق وضمانات خارجية، ويضع أسسًا لمسار ينهي حالة الحرب، فإن من حق اللبنانيين أن يسألوا بأي تفويض جرى ذلك، ومن فوّض من، وأين كان المجلس النيابي من اتفاق بهذه الخطورة؟

الأخطر من الخلل الدستوري هو مضمون الصفقة نفسها. لقد دخل لبنان اتفاقًا التزم فيه بأمور جوهرية تمسّ بنيته الداخلية وتوازناته وقوته، بينما بقيت الحقوق التي يُفترض أنه يطالب بها مُعلّقة على شروط إسرائيلية. لم يكن الانسحاب الإسرائيلي الكامل مقدّمة للاتفاق، ولم يكن وقف العدوان شرطًا سابقًا لنفاذ الالتزامات اللبنانية، بل جرى الربط بين إعادة الانتشار الإسرائيلي ونزع سلاح القوى غير الدولتية والتحقّق من ذلك، بحيث احتفظت إسرائيل عمليًّا بالقدرة على القول إن شروط الانسحاب لم تتحقّق بعد. بل تحوّل الانسحاب إلى ثمن مقابل التزامات داخلية عميقة ومرتبط بالترتيبات الأمنية وبالتحقّق من نزع السلاح.

كيف يبرّر المثقّفون سكوتهم عن سلطة فاقدة للشرعية الشعبية، وتخالف الدستور في قضايا سيادية تمسّ كل قواعد المجتمع والدولة؟

بعد أشهر على الاتفاق، يصبح من الصعب الاختباء خلف اللغة الدبلوماسية. فالاحتلال قائم، والعدوان لم يتوقف. الغارات استمرت، وأجزاء من الجنوب تحت التهديد المباشر، والناس لم يعودوا جميعًا إلى قراهم. لكن تنفيذ الاتفاق ظل عالقًا عند نقطة تخدم إسرائيل أكثر مما تضغط عليها: مُطالبة لبنان بالمزيد، والإبقاء على الانسحاب الإسرائيلي رهنًا بتقييم أمني إسرائيلي لما تحقّق.
أين هي الصفقة التي كان ينبغي أن يحصل لبنان بموجبها على وقف العدوان والانسحاب واستعادة السيادة؟

ما تحقّق عمليًّا هو أن إسرائيل حصلت على نص يعطي مطلب نزع السلاح صفة التزام لبناني دولي، وحصلت على آلية تجعل انسحابها تدريجيًّا ومشروطًا، فيما لم يحصل لبنان على المقابل الأساسي الذي يُفترض أن يكون نقطة البداية: خروج قوات الاحتلال ووقف الاعتداءات. وهذا هو تحديدًا النوع من الوقائع التي لا يجوز للمثقّف أن يساهم في تجميلها بالقول إن «المسار طويل»، أو إن «الاتفاق يحتاج إلى وقت». فالزمن ليس قيمة سياسية في ذاته. الاتفاق السيّئ لا يصبح جيدًا لأننا انتظرنا تنفيذه سنة أخرى، والاحتلال لا يُعالج بإمهال الطرف الأقوى مزيدًا من الوقت لاستثماره.

حتى الإفراج عن خمسة أسرى لبنانيين، الذي يمكن أن يشكّل في ذاته مناسبة وطنية وإنسانية، لم يكن ثمرة تلقائية لنص أجبر إسرائيل على تحرير الأسرى، بل جاء في إطار تفاوض وتبادل ارتبط من الجهة الأخرى بملف رفات ليهود لبنان، حيث تنازل لبنان عن سيادته على أبنائه للعدو. أي إن العملية قامت على الأخذ والعطاء المباشريْن. وليس في ذلك ما ينتقص من فرحة تحرير الأسرى، لكنه يسقط الحجة القائلة إن مجرّد عودتهم يثبت أن «اتفاق الإطار» أعطى لبنان مكاسب. التبادل شيء، ونجاح الاتفاق في فرض الانسحاب ووقف العدوان شيء آخر تمامًا.

وهنا تحديدًا تظهر مسؤولية المثقّف. ليست مهمة المثقّف أن يتحوّل إلى دائرة إعلامية مُلحقة برئاسة الحكومة أو بالقصر أو بالسفارات. وليس من وظيفته البحث عن أجمل العبارات لتفسير لماذا كان على اللبنانيين أن يقبلوا بما قُدّم إليهم. ولبنان اليوم. لا يحتاج إلى مثقّف يكتفي بالقول إن الاتفاق «لم ينجح بعد»، بل إلى قول شيء أكثر وضوحًا: الخطأ كان في القبول باتفاق يربط حقوق لبنان السيادية بالتزاماته، بينما يجعل حقوق إسرائيل ومطالبها قابلة للتحقّق المباشر؛ الخطأ كان في تحويل الاحتلال من حالة يجب إنهاؤها إلى ورقة تفاوض تحتفظ بها إسرائيل؛ الخطأ كان في فتح مسار يمس حالة الحرب والسيادة من دون تفويض شعبي متجدّد ومن خلال مؤسسات تعاني عجزًا واضحًا في الشرعية التمثيلية.

مسؤولية المثقّف، هنا، ليست أن يصرخ أكثر من السياسيين، بل أن يرفض الكذب على المجتمع. أن يقول إن ما لم يحقّق انسحابًا ولم يوقف عدوانًا ولم يستعد سيادة لا يجوز تقديمه إنجازًا. وأن يقول إن السلطة التي تخطئ لا تُهان حين تتراجع، بل تهان حين تعرف أن خطأها أصبح ظاهرًا ثم تطلب من الجميع المشاركة في تسميته نجاحًا.
كان زولا يريد أن ينقذ الجمهورية الفرنسية من خطئها، لا أن يهدمها. والمثقّف اللبناني الذي يرفض اتفاق الإطار لا يهدم الدولة حين يقول إن السلطة تجاوزت حدودها، بل يحاول استعادة الدولة من قرار أضعف معناها. وهناك لحظات يصبح فيها الصمت حكمة، ولحظات أخرى يصبح فيها الصمت شراكة. وما يعيشه لبنان اليوم من نتائج هذا الاتفاق ينتمي إلى النوع الثاني. وظيفة المثقّف ليست أن يساعد السلطة على نسيان خطئها، بل أن يمنعها من تحويله إلى قاعدة للمستقبل.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com