باسم الموسوي

يبدو أن سؤال الإمبراطورية لم يعد ترفًا أكاديميًا أو استدعاءً بلاغيًا من كتب التاريخ، بل أصبح عدسة لفهم التحول العميق الذي يمر به النظام الدولي. منذ نهاية الحرب الباردة شاع الاعتقاد بأن الدولة القومية الليبرالية هي الشكل النهائي للتنظيم السياسي، وأن العولمة ستذيب الحدود وتحوّل العالم إلى شبكة من الاقتصادات المتكاملة والمؤسسات المتعاونة. غير أن العقدين الأخيرين أعادا طرح سؤال مقلق: هل نعيش فعلًا في عالم دول متجاورة ومتساوية قانونيًا، أم في عالم كتل كبرى تتصرف بمنطق إمبراطوري، حتى لو تجنبت هذا الاسم؟ إن تأمل المشهد العالمي يكشف أننا أمام انتقال بطيء من نظام وستفالي كلاسيكي إلى نظام مركّب، تتجاور فيه الدول القومية مع بنى فوق-وطنية وشبكات نفوذ عابرة للحدود، ما يجعل مفهوم الإمبراطورية يعود بوصفه توصيفًا تحليليًا لا شعارًا أيديولوجيًا.
الولايات المتحدة تقدم المثال الأوضح على هذا التحول. فهي منذ منتصف القرن العشرين تشكل مركز النظام الدولي، لكنها لا تتصرف كإمبراطورية تقليدية ذات مستعمرات رسمية وولاة عسكريين. قوتها تتجلى في شبكة قواعد عسكرية منتشرة في القارات، وفي تحالفات أمنية تحيط بمنافسيها، وفي سيطرة العملة الأمريكية على النظام المالي العالمي، وفي قدرتها على فرض عقوبات تتجاوز حدودها الوطنية لتطال أطرافًا لا تخضع لسيادتها المباشرة. هذه ليست دولة قومية بالمعنى الضيق، بل مركز نظام يحدد قواعد اللعبة. ومع ذلك، لا تقدم نفسها كإمبراطورية بل كحامية لنظام قائم على القواعد، وكضامن للاستقرار العالمي. المفارقة هنا أن الليبرالية التي نشأت دفاعًا عن السيادة الوطنية والتمثيل الشعبي تحولت إلى أداة لبناء فضاء فوق-وطني تُحدّد قواعده قوة مركزية. إن الإمبراطورية الليبرالية لا تعلن نفسها كذلك، لكنها تمارس نفوذًا يتجاوز حدودها، وتعيد تعريف السيادة في ضوء مصالحها.
في المقابل، تقدم الصين نموذجًا مختلفًا. فهي لا تسعى إلى تصدير أيديولوجيا كونية كما فعلت قوى القرن العشرين، بل تستعيد سردية حضارية عميقة تجعلها ترى نفسها مركزًا طبيعيًا لنظام إقليمي وربما عالمي. مشروع الحزام والطريق ليس مجرد خطة اقتصادية، بل إعادة رسم لشبكات الاعتماد والربط الجغرافي والمالي. من خلال القروض والبنية التحتية والموانئ وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا، تبني الصين فضاء نفوذ واسعًا من دون احتلال مباشر. إنها تمارس منطق الإمبراطورية عبر الترابط الاقتصادي، لا عبر الاستعمار العسكري. قوتها تكمن في قدرتها على خلق اعتماد متبادل يجعل الخروج من مدارها مكلفًا. هذه إمبراطورية ترابطات، لا إمبراطورية أعلام. وهي بذلك تعيد تعريف مفهوم السيطرة، من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على البنية التحتية التي تجعل الأرض منتجة ومتصلة بالعالم.
أما روسيا، فتبدو أقرب إلى استدعاء النموذج الإمبراطوري الكلاسيكي، لكن بصيغة معاصرة. خطابها السياسي يستحضر التاريخ القيصري والسوفييتي، ويعيد تعريف المجال الحيوي بوصفه امتدادًا طبيعيًا للهوية الروسية. التدخل في الجوار القريب ورفض تمدد التحالفات الغربية يعكسان تصورًا يرى في الفضاء المحيط مجالًا تاريخيًا لا يجوز التفريط به. روسيا لا تدّعي قيادة نظام عالمي ليبرالي، بل تسعى إلى تفكيكه أو إعادة صياغته بحيث يعترف بمناطق نفوذ متعددة. إنها لا تقبل بفكرة دولة قومية محصورة داخل حدودها القانونية، بل ترى نفسها وريثة لتاريخ إمبراطوري يمنحها حق التأثير خارج تلك الحدود. هذا المنطق يعيد الصراع الجيوسياسي إلى لغة الكتل والمجالات الحيوية، بدل لغة الشراكات المتساوية.
الاتحاد الأوروبي يمثل حالة إشكالية في هذا السياق. فهو مشروع لتجاوز الدولة القومية عبر تكامل اقتصادي وقانوني، لكنه لم يتحول إلى دولة فيدرالية كاملة. قوته لا تكمن في الجيوش بقدر ما تكمن في المعايير والتنظيمات والقوانين التي يفرضها على من يريد الوصول إلى سوقه. الاتحاد الأوروبي يمارس نوعًا من السيادة التنظيمية، إذ تحدد تشريعاته في مجالات البيانات والمنافسة والبيئة سلوك شركات ودول خارج حدوده. ومع ذلك، يفتقر إلى وحدة سياسية وعسكرية تجعله إمبراطورية بالمعنى التقليدي. إنه كيان بيني، لا هو دولة قومية ولا إمبراطورية مكتملة، بل سوق واسعة ذات نفوذ قانوني عابر للحدود. السؤال الذي يواجهه هو ما إذا كان يستطيع الاستمرار بهذا الشكل، أم أن الضغوط الجيوسياسية ستدفعه إلى مزيد من التماسك السيادي أو إلى مزيد من التفكك.
غير أن التحول الأعمق قد لا يكون في الدول، بل في الفاعلين الجدد الذين لم يكونوا جزءًا من معادلة السيادة التقليدية. الشركات التقنية العملاقة تدير فضاءات عامة رقمية يعيش فيها مليارات البشر. تتحكم في تدفق المعلومات، وتملك بيانات ضخمة عن الأفراد، وتؤثر في الرأي العام والانتخابات، وتعيد تشكيل الاقتصاد والعمل. هذه الشركات لا ترفع أعلامًا وطنية، لكنها تملك سلطة حقيقية على السلوك والمعرفة والانتباه. إنها إمبراطوريات رقمية بلا جغرافيا، تمارس نوعًا جديدًا من السيادة، ليس على الأرض بل على الفضاء الافتراضي الذي صار شرطًا للحياة المعاصرة. حين تستطيع خوارزمية أن تحدد ما نراه وما لا نراه، فإنها تمارس سلطة لا تقل أهمية عن سلطة الحدود.
في هذا السياق، يبرز تحذير الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس من اختزال التاريخ إلى عملية تقنية. حين تُدار السياسة بلغة الكفاءة والحوكمة، وحين تُختزل الصراعات إلى مسائل إدارة ذكية أو تحسين خوارزمي، يُسحب البعد القيمي من المجال العام. الإمبراطورية الحديثة قد لا تحتاج إلى خطاب توسعي صريح، بل يكفي أن تقدم نفسها بوصفها الحل التقني الأمثل لمشكلات معقدة. لكن التقنية ليست محايدة، بل تحمل في طياتها اختيارات وقيمًا وتوزيعًا للقوة. حين يصبح القرار السياسي مسألة خبراء ونظم معلومات، يفقد المواطن دوره بوصفه فاعلًا في تحديد المسار التاريخي. هنا يتقاطع منطق الإمبراطورية مع منطق التقنية: كلاهما يميل إلى تقليص المجال العام وتحويله إلى إدارة.
السؤال إذن ليس ما إذا كانت الدولة القومية قد انتهت، بل ما إذا كانت قد فقدت احتكارها للسيادة. نحن نعيش في عالم تتراكب فيه مستويات متعددة من السلطة: وطنية وإقليمية ومالية ورقمية. الدولة لا تزال موجودة، لكنها تعمل ضمن شبكات أوسع تحد من قدرتها على التصرف منفردة. في هذا العالم، تتشكل كتل كبرى تتصرف بمنطق إمبراطوري، سواء عبر القوة العسكرية أو النفوذ الاقتصادي أو السيطرة التقنية. الإمبراطورية هنا ليست عودة إلى الماضي، بل إعادة تركيب للسلطة في زمن العولمة.
إننا ربما نعيش مرحلة انتقالية، حيث لم يعد نموذج الدولة القومية كافيًا لفهم توزيع القوة، ولم تتبلور بعد إمبراطوريات مكتملة الشكل. لكن المؤكد أن مفاهيم السيادة والهيمنة والاستقلال تحتاج إلى إعادة نظر. فحين تصبح العملة الوطنية رهينة أسواق عالمية، وحين تصبح البنية التحتية الرقمية مملوكة لشركات عابرة للحدود، وحين تتحدد السياسات الاقتصادية في ضوء اعتبارات كتل كبرى، فإن حدود الدولة القومية تضيق، حتى لو بقيت على الخريطة.
في نهاية المطاف، لا يتعلق السؤال بعودة الإمبراطوريات فحسب، بل بقدرتنا على التفكير في شكل السلطة الذي يتشكل أمامنا. هل نقبل بعالم تدار فيه القرارات باسم الكفاءة التقنية، أم نعيد فتح المجال العام لنقاش سياسي حول توزيع القوة والموارد؟ هل نكتفي بوصف ما يحدث بمنطق الجغرافيا السياسية، أم نسائل البنية الأخلاقية للنظام العالمي؟ الإمبراطورية، في صورتها الجديدة، قد لا تلبس تاجًا، لكنها تمارس نفوذًا عميقًا في حياتنا اليومية. والوعي بهذا التحول هو الخطوة الأولى لفهم العالم الذي يتشكل، وربما لتغييره.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com