بقلم: الكاتبة زينب شقير- البناء

إذا كان التباين الأميركي ـ “الإسرائيلي”، لا يعني بالضرورة وجود خلاف استراتيجي على الهدف النهائي، بقدر ما يعكس اختلافاً في الوسيلة والتوقيت وحدود المخاطرة، فإنّ التطور الأخطر في المشهد اللبناني هو انتقال هذا التباين من المستوى الإقليمي إلى الداخل اللبناني.

فواشنطن تدفع باتجاه إعادة تعريف السلطة الأمنية والسيادية للسلطة اللبنانية، وتطالب الحكومة بوضع خطة لـ “نزع” سلاح حزب الله، بينما تستمرّ “إسرائيل” في بناء وقائع ميدانية داخل الأراضي اللبنانية وتربط انسحابها بمسار نزع السلاح.

وفي المقابل، يجد الحزب نفسه أمام معادلة لم يعد فيها امتلاك القوة العسكرية كافياً وحده لمنع خصومه من إعادة تشكيل البيئة السياسية والقانونية التي يعمل داخلها.

هنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي: ما الدور الذي يستطيع الحزب أن يلعبه في المرحلة المقبلة من دون أن يتحوّل إلى عامل يستنزف البيئة اللبنانية “الشيعية” التي تشكل جزءاً من قوته، ومن دون أن يقبل في المقابل بأن تتحوّل السلطة اللبنانية إلى أداة لتنفيذ شروط خارجية؟

المسألة ليست اختياراً بسيطاً بين «المقاومة» و«الدولة». فالحزب أمام عدة مسارات وسيناريوات، لكلّ منها كلفة مختلفة، وبعضها قد يكون قابلاً للجمع مع بعض عناصر المسارات الأخرى. لكن الفارق الأساسي أنّ الحزب لم يعد يواجه فقط جيشاً “إسرائيلياً” على الحدود، بل منظومة ضغط متعددة المستويات: عسكرياً من “إسرائيل”، وسياسياً وأمنيا من واشنطن، ودبلوماسياً من عواصم عربية وغربية، وداخلياً من قوى لبنانية تريد حسم مسألة السلاح لمصلحة السلطة فقط كما تدّعي.

والأهمّ أنّ “إسرائيل” استطاعت، خلال الأشهر الأخيرة، تحويل جزء من المشكلة العسكرية إلى واقع جغرافي وسياسي. فإعلانها السيطرة العملياتية على مواقع استراتيجية في الجنوب وتدمير بنى تحتية للحزب جاء رغم الإطار الأميركي الذي ربط الانسحاب الإسرائيلي بـ “نزع” سلاح الحزب.

من هنا يمكن تصوّر خمسة سيناريوات رئيسية لدور الحزب، سأسرد تفاصيل كلّ سيناريو بمقال على حدة.

أولاً: سيناريو التشدّد والمواجهة المفتوحة

يقوم هذا الخيار على إبقاء الحزب على معادلة واضحة: لا سلاح قبل إنهاء الاحتلال والتهديد الإسرائيلي، ولا تفاوض على مستقبل المقاومة تحت ضغط عسكري.

وفق هذه المقاربة، يصبح أيّ ضغط أميركي مباشر، أو غير مباشر عبر السلطة اللبنانية لنزع السلاح جزءاً من المشكلة، لا حلاً لها. ويحتفظ الحزب بقدرته العسكرية باعتبارها ورقة الردع الأساسية، مع إبقاء احتمالات التصعيد قائمة إذا حاولت “إسرائيل” فرض وقائع دائمة في الجنوب أو إذا انتقلت السلطة اللبنانية من الضغط السياسي إلى إجراءات تنفيذية ضدّ البنية العسكرية للحزب.

لهذا السيناريو نقاط قوة يمكن الاستفادة منها:

الحفاظ على وضوح الردع، فـ “إسرائيل” ستعرف أنّ توسيع المنطقة الأمنية أو تحويل الوجود العسكري المؤقت إلى ترتيبات دائمة قد يحمل كلفة، ولن يكون بمقدورها افتراض أنّ لبنان فقد كل قدرة على الردّ.

كما يمنح الحزب قدرة تفاوضية غير مباشرة. فكلما بقيَت لديه قدرة عسكرية فعلية، بقيَت مسألة سلاحه جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، وليس مجرد ملف إداري يمكن للسلطة اللبنانية إغلاقه بقرار.

كذلك، فإنّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية يخلق للحزب حجة سياسية وحاجة ميدانية لا يمكن تجاهلها بالكامل. إذ إن المطالبة بتسليم السلاح في ظل بقاء قوة عسكرية إسرائيلية داخل لبنان تضع السلطة أمام سؤال مشروع: كيف تُستعاد السيادة إذا كانت “إسرائيل” تحتفظ بوجود عسكري داخل الأراضي اللبنانية؟

سلبيات المضيّ بهذه الاستراتيجية تحمل خطراً جوهرياً:

فكلّ جولة تصعيد جديدة لا تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي، قد تسمح لخصوم الحزب بالقول إنّ استمرار السلاح هو سبب استمرار الأزمة، لا وسيلة لإنهائها.

والأخطر أنّ “إسرائيل” تستطيع الاستفادة من استمرار المواجهة لإبقاء المنطقة الأمنية داخل لبنان، بينما يتحمّل لبنان اقتصادياً وبشرياً كلفة الصراع. وهذا تحديداً هو الخطر الذي يجعل المعادلة الحالية مختلفة عن مراحل سابقة: استمرار القتال لا يعني بالضرورة عودة تلقائية إلى قواعد الاشتباك القديمة.

كما أنّ هذا الخيار يفتح الباب أمام ضغط أميركي أكبر على السلطة والمؤسسات المالية والاقتصادية، ويزيد صعوبة إعادة بناء علاقات لبنان الخارجية.

الحزب يستطيع عسكرياً وسياسياً رفض التسليم، لكنه سيجد صعوبة متزايدة في تحويل الرفض إلى استراتيجية مستدامة إذا استمرّ الاحتلال، وتراجعت قدرة السلطة على احتواء الأزمة، وتوسع الانقسام الداخلي.

لذلك فإنّ التشدّد يمكن أن يكون أداة تفاوض، لكنه يصبح استراتيجية خطرة إذا تحوّل إلى وضع دائم بلا مخرج سياسي…

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com