واشنطن تُقفل الهامش: لبنان أمام ضغط أميركي–إسرائيلي مفتوح
مع تصاعد الضغوط الإسرائيلية على لبنان، يتّضح أن الموقف الأميركي يمضي نحو مزيد من الانحياز الصريح لمطالب تل أبيب، إلى حدّ بات فيه هذا الانحياز أكثر فجاجة من أي وقت مضى. بالنسبة إلى فريق المقاومة، لا يحمل هذا المسار أي مفاجأة؛ فالولايات المتحدة لم تكن يوماً في موقع كبح الاندفاع الإسرائيلي، وتجربة العام الماضي، ولا سيما في كيفية مقاربة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، شكّلت دليلاً إضافياً على أن واشنطن كانت حاضرة خلف إسرائيل في التفاصيل كلّها. أما ما يُتداول عن ملاحظات أو تلميحات أميركية هنا وهناك، فلا يغيّر في جوهر المشهد القائم.
في المقابل، يزداد في الداخل اللبناني منسوب الارتهان السياسي لواشنطن، مقروناً بحالة ذعر قوامها الاعتقاد بأن أي جهة تجرؤ على مواجهة إدارة دونالد ترامب محكومة بالإقصاء أو السحق. هذه المقاربة الاستسلامية تتعامل مع الإرادة الأميركية كقدرٍ لا يُردّ، وتُضفي على الخضوع طابع «الواقعية» السياسية.
عند وصول توم براك إلى بيروت موفداً أميركياً، علّق البعض آمالاً على أصوله اللبنانية، معتبرين أنها قد تتيح فهماً مختلفاً أو مقاربة أقل حدّة. وذهب آخرون إلى مقارنة خطابه بما اعتادوه من لهجة سفارة عوكر. لاحقاً، أبدى براك تبرّمه من أداء فريق السفارة، مشيراً إلى أن التفويض المعطى له يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية، في انسجام مع نمط مساعدي ترامب القادمين من خارج المؤسسة الإدارية. غير أن هذا التمايز لم يلبث أن تلاشى، إذ وجد براك نفسه سريعاً داخل الإطار الأميركي ذاته.
فهو، وإن كان ينتقد إسرائيل في الجلسات المغلقة، يعود عند اشتداد النقاش إلى اللازمة الأميركية القديمة: لا قدرة لواشنطن على الضغط على إسرائيل، وبعد 7 تشرين الأول لم يعد أحد في العاصمة الأميركية يناقش تل أبيب في مسائل «أمنها». ومن هنا، يطالب اللبنانيين بالسير في مشروع الاتفاق مع إسرائيل كخيار وحيد متاح.
المفارقة أن براك، الذي عانى من تعقيدات العلاقة مع الإسرائيليين في الملف السوري، كان يرى أن مورغان أورتاغوس تؤدي أدواراً تتجاوز صلاحياتها. وقد تعمّد أمام مسؤولين لبنانيين توصيفها بـ«المساعدة التقنية»، قبل أن يؤكد لاحقاً أنها تتولى التنسيق الميداني مع لجنة «الميكانيزم»، وتحضر اجتماعات مع قيادة الجيش اللبناني، بالتوازي مع اجتماعات مماثلة تعقدها في كيان العدو، بما في ذلك زياراتها لقيادة المنطقة الشمالية في صفد، حيث يشارك ضباط أميركيون نظراءهم من جيش الاحتلال.
لاحقاً، أبلغ براك المسؤولين اللبنانيين أن الرئيس ترامب قرّر منح السفير ميشال عيسى صلاحيات واسعة في الملف اللبناني. وعلى الرغم من نبرة الاستخفاف التي يستخدمها براك وأورتاغوس عند الحديث عن عيسى، فقد راهن الأخير على أن دوره سيتقدّم، وأن أسماء أخرى ستتراجع. في بيروت، عاد الرهان مجدداً على أن يتصرّف عيسى بقدر أكبر من التفهّم بحكم «لبنانيته» وذاكرته عن البلد، غير أن الوقائع سرعان ما بدّدت هذه التوقّعات.
إذ بدا عيسى معنياً، مع مرور الوقت، بإثبات ولائه للإدارة الأميركية، فاعتمد خطاباً متعالياً في لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين، قائماً على منطق «أنا أعرفكم جيداً». في الوقت نفسه، تبنّى المطالب الإسرائيلية بشكل كامل، ما أدّى إلى توتّر ملحوظ في علاقته مع قيادة الجيش اللبناني، وصل في أكثر من مناسبة إلى ارتفاع حدّة النقاش، بما يعكس قناعته بأن على الجانب اللبناني الالتزام بما يُطلب منه دون نقاش.
هذا التشدد الأميركي لا يقتصر على ملف نزع سلاح حزب الله، بل يتعدّاه إلى مقاربة شاملة للترتيبات الأمنية. فواشنطن تدفع عملياً نحو تحييد قوات الأمم المتحدة وإفراغ لجنة «الميكانيزم» من دورها، تمهيداً للانتقال إلى إطار مختلف، تتولّى فيه الجهات العسكرية الأميركية التنسيق المباشر بين لبنان وإسرائيل، باعتبار أن وجود القوات الدولية لم يعد ضرورياً.
في موازاة ذلك، ترى الإدارة الأميركية أن أي تسوية كبرى لا يمكن أن تتم إلا عبر مفاوضات سياسية مباشرة، تمثّل فيها الحكومتان. وبما أن لبنان شارك سابقاً بوفد مدني في لجنة «الميكانيزم»، تعتبر واشنطن أن الوقت حان للانتقال خطوة إضافية، عبر تكليف وزير لبناني بالمشاركة في لجنة تفاوض ثلاثية برعاية أميركية، خارج الناقورة، وعلى غرار «النموذج السوري».
وفق هذا التصور، يتبيّن للمسؤولين اللبنانيين أن مسار الإطاحة بالآليات القائمة يتقدّم بسرعة. والخطر لا يكمن فقط في الدفع نحو مفاوضات سياسية، بل في محاولة فرض واقع جديد يُتعامل فيه مع القرار 1701 واتفاقية الهدنة لعام 1949 كأنهما أصبحا من الماضي، تمهيداً لفرض مقاربة أمنية–سياسية مرحلية تُسوَّق على أنها خطوة أولى، فيما تُرحّل ملفات السلام والتطبيع إلى مراحل لاحقة.
عملياً، المطلوب من لبنان اليوم، وفق الفهم الأميركي، هو إعلان سياسي صريح بأن إسرائيل لم تعد عدواً. ويترتّب على ذلك التزام أمني شامل، يُفضي إلى نزع الشرعية عن المقاومة، وتجريمها سياسياً وقانونياً، وصولاً إلى توصيفها كجهة خارجة عن القانون، بما يفتح الباب لملاحقة كل ما يتصل بها فكراً وممارسة.
مشكلة بعض أهل الحكم في لبنان لا تكمن في سوء تقدير هذا المسار، بل في اقتناعهم بأنه خيار «واقعي» لا مفرّ منه. غير أن التجارب التاريخية تُظهر أن مثل هذه الخيارات لا تُفرض إلا عبر صدامات داخلية مدمّرة، لا تقتصر نتائجها على أصحابها، بل تطال البلد بأكمله، وتضعه على مسار انتحاري طويل الكلفة
