التزامن من دون تحالف: كيف تستطيع إيران وروسيا والصين استنزاف أميركا من دون حرب واحدة مشتركة

كتب باسم الموسوي

ليس ضرورياً أن توقع إيران وروسيا والصين معاهدة عسكرية ثلاثية، ولا أن تنشئ قيادة مشتركة، ولا أن تخوض حرباً واحدة تحت راية واحدة، كي تضع الولايات المتحدة أمام واحدة من أصعب مشكلاتها الاستراتيجية. يكفي أن تتحرك كل دولة في مسرحها، في الوقت الذي تكون فيه واشنطن مضطرة إلى توزيع السلاح والمال والانتباه السياسي بين الخليج وأوروبا والمحيط الهادئ.

هذه هي قوة التزامن من دون تحالف.

الفكرة لا تفترض وجود غرفة عمليات في موسكو أو بكين أو طهران تدير حرباً عالمية سرية. الأدلة المتاحة لا تثبت شيئاً من هذا القبيل. بل إن مصالح الدول الثلاث ليست متطابقة، والعلاقات بينها مليئة بالحسابات والحذر. لكن النظام الدولي لا يحتاج دائماً إلى التنسيق المباشر لكي تنتقل آثار الصراع من جبهة إلى أخرى.

حين تستنزف إيران بطاريات الدفاع الجوي الأميركية في الخليج، تتحسن البيئة الاستراتيجية لروسيا في أوروبا، حتى لو لم تطلب موسكو من طهران إطلاق صاروخ واحد.

وحين تضطر الولايات المتحدة إلى إبقاء حاملات طائرات وقوات وذخائر في الشرق الأوسط، تحصل الصين على معلومة مهمة بشأن حجم الموارد الأميركية التي تبقى متاحة في المحيط الهادئ.

وحين ترفع روسيا وتيرة هجماتها على أوكرانيا، تضطر واشنطن إلى الاختيار بين صاروخ دفاع جوي تحتاج إليه كييف، وصاروخ تحتاج إليه قاعدة أميركية في الخليج، واحتياطي ينبغي الاحتفاظ به لاحتمال أزمة تايوان.

بهذا المعنى، يستطيع ثلاثة خصوم للولايات المتحدة أن يعملوا كأنهم جبهة واحدة من دون أن يصبحوا تحالفاً بالمعنى التقليدي.

حرب إيران قدمت المثال الأوضح.

بعد ستة أشهر من القتال، لم تعد المشكلة الأميركية فقط في تحقيق أهداف الحرب على طهران. الحرب نفسها بدأت تستهلك موارد يحتاج إليها الجيش الأميركي في أماكن أخرى. تقارير حديثة عن مخزون صواريخ Patriot في أوروبا وصفت الوضع بأنه تجاوز المستوى «الحرج» بسبب الاستهلاك الكبير المرتبط بالحرب الإيرانية، مع تقديرات تفيد بأن نسبة كبيرة من المخزون الأميركي استُنزفت في هذا المسرح. وزارة الدفاع الأميركية تنازع بعض هذه التقديرات، لكن القلق داخل الناتو حقيقي، وخصوصاً لأن الصاروخ نفسه يمثل أحد أهم أدوات الدفاع في مواجهة الصواريخ الروسية.

هنا تصبح العلاقة بين طهران وموسكو غير مباشرة لكنها شديدة المادية.

الصاروخ الذي يُطلق لاعتراض صاروخ إيراني لا يعود موجوداً في المستودع الأوروبي. ومصنع الصواريخ لا يستطيع مضاعفة الإنتاج خلال أسابيع. والجيش الذي يحتاج إلى مئات الاعتراضات في الخليج لا يستطيع أن يتصرف كما لو أن أوروبا وآسيا غير موجودتين.

ومن هنا نفهم لماذا اكتسبت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف إلى موسكو أهمية استثنائية. تقارير أميركية أشارت إلى أن واشنطن كانت قلقة من احتمال أن ترى موسكو في انشغال الولايات المتحدة بالحرب الإيرانية فرصة لتصعيد الضغط على أوروبا أو حتى اختبار تماسك الناتو بعمل محدود. وروي أن راتكليف ناقش مع الروس إمكانات التصعيد تجاه دول الحلف، كما تناول الدعم الروسي لإيران.

لا يعني ذلك أن فلاديمير بوتين يستعد لغزو أوروبا.

على العكس، لا توجد مؤشرات علنية تشبه الحشود الروسية التي سبقت الحرب الأوكرانية. الاحتمال الأكثر واقعية، إن حصل اختبار، هو عمل أصغر: حادث حدودي، ضربة محدودة، مسيّرات، هجوم سيبراني أو خطوة غامضة بما يكفي لإثارة السؤال الذي تخشاه واشنطن: هل يستحق هذا الأمر تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو والدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا؟

تلك هي طبيعة الاختبار في زمن التزامن.

لا يحتاج الخصم إلى الانتصار على الولايات المتحدة. يكفي أن يجبرها على اتخاذ قرار في الوقت السيئ.

روسيا تعرف أن واشنطن لا تريد حرباً ثانية. وهي تعرف كذلك أن أوروبا ما زالت تعتمد بدرجات متفاوتة على القدرات الأميركية في الدفاع الصاروخي والاستخبارات والنقل والقيادة. وفي الوقت نفسه يجري البنتاغون مراجعة شاملة لانتشار نحو ثمانين ألف جندي أميركي في أوروبا، وسط قلق أوروبي من إمكان تقليص الوجود الأميركي ونقل مزيد من عبء الدفاع إلى أعضاء الناتو.

أي أن موسكو لا تحتاج إلى تحالف عسكري مع إيران كي تستفيد من حربها.

طهران تكفيها مهمتها الخاصة: إبقاء الولايات المتحدة منشغلة.

والحرب الإيرانية تحقق ذلك بالفعل. واشنطن أنفقت عشرات المليارات من الدولارات، ووسعت الانتشار البحري والجوي، واستهلكت ذخائر دفاعية وهجومية، فيما لم يتحقق حتى الآن حسم سياسي. إيران نفسها تتعرض لضغط اقتصادي هائل؛ التجارة الخارجية تقلصت بنحو الثلث، والتضخم ارتفع إلى مستويات قاسية، لكنها ما زالت ترفض التراجع عن مطالبها الأساسية وتصر على استخدام هرمز بوصفه ورقة استراتيجية.

وهذا مهم لأن الاستنزاف لا يتطلب التكافؤ.

إيران لا تحتاج إلى أن تمتلك اقتصاداً بحجم الاقتصاد الأميركي أو جيشاً بحجم الجيش الأميركي. يكفيها أن تكون كلفة إخضاعها مرتفعة بما يكفي لربط جزء مهم من القوة الأميركية في الخليج.

هذه قاعدة قديمة في الاستراتيجية: قوة أصغر تستطيع تقييد قوة أكبر حين تجعل الانسحاب مكلفاً والاستمرار مكلفاً والحسم أكثر كلفة من الاثنين.

أما الصين، فهي الطرف الأكثر إثارة للاهتمام في هذه المعادلة، لأنها لا تحتاج في الوقت الراهن إلى أن تفعل الكثير.

بكين تراقب.

تراقب عدد السفن الأميركية التي تبقى في الخليج. تراقب استهلاك الصواريخ. تراقب المدة اللازمة لتعويض الذخائر. تراقب قدرة القاعدة الصناعية الأميركية على الإنتاج. وتراقب، قبل كل شيء، ردود فعل الرأي العام الأميركي عندما تتحول الحرب القصيرة الموعودة إلى حرب تمتد لأشهر.

الصين لا تحتاج إلى غزو تايوان لكي تستفيد من هذه المعلومات.

يمكنها زيادة الطلعات الجوية حول الجزيرة، إجراء تدريبات حصار، توسيع استخدام خفر السواحل، فرض ضغوط اقتصادية وسيبرانية، أو تحويل المناورات العسكرية تدريجياً إلى وقائع دائمة. وفي كل خطوة تستطيع سؤال واشنطن: إلى أي حد أنت مستعدة للذهاب الآن؟

القلق الآسيوي موجود أصلاً. تحركات ترامب الأخيرة تجاه كوريا الشمالية وتقليص بعض التدريبات مع كوريا الجنوبية أثارت شكوكاً لدى حلفاء الولايات المتحدة بشأن ثبات التزاماتها، بينما تُحوَّل موارد عسكرية إلى حرب إيران.

ومن هنا تظهر مشكلة الإمبراطورية الأميركية بأوضح صورها.

ليست الولايات المتحدة ضعيفة. لا تزال تمتلك أكبر ميزانية عسكرية، وشبكة قواعد وتحالفات لا تملكها أي دولة أخرى، وأقوى أسطول بحري وقدرات مالية وتكنولوجية هائلة.

لكن ميزتها نفسها تخلق نقطة ضعف.

لديها أشياء أكثر ينبغي الدفاع عنها.

قواعد في الخليج، حلفاء في أوروبا، اليابان وكوريا الجنوبية، تايوان، الممرات البحرية، البنية التحتية الفضائية، شبكات الاتصال، أسواق النفط، الدولار، سلاسل توريد التكنولوجيا.

كل التزام يضيف قوة إلى الهيمنة، لكنه يضيف أيضاً شيئاً جديداً ينبغي حمايته.

وهنا تكمن قوة «التزامن من دون تحالف».

روسيا ليست مضطرة إلى إرسال جيوشها لمساعدة إيران. يكفيها أن تستمر في الضغط على أوكرانيا والناتو.

إيران ليست مضطرة إلى القتال من أجل روسيا. يكفيها أن تجعل الخليج يحتاج إلى عشرات البطاريات والسفن والطائرات الأميركية.

الصين ليست مضطرة إلى فتح جبهة عسكرية الآن. يكفيها أن تجعل واشنطن تشعر بأن عليها الاحتفاظ بجزء كبير من قوتها استعداداً لاحتمال أن تفعل ذلك.

كل جبهة تصبح بذلك احتياطياً استراتيجياً للجبهة الأخرى.

وهناك بعد مالي أيضاً.

الحرب على إيران لا تستهلك ذخائر فقط؛ تستهلك قدرة الولايات المتحدة على استخدام أدواتها الاقتصادية من دون آثار جانبية. واشنطن تريد خنق إيران عبر العقوبات الثانوية، لكن الصين هي أكبر شريك اقتصادي لطهران وأهم مشترٍ لنفطها.

إن عاقبت الولايات المتحدة الشركات الصغيرة، قد لا يكفي ذلك لإسقاط الاقتصاد الإيراني. وإن انتقلت إلى المؤسسات الصينية الكبرى، تقترب المواجهة من قلب العلاقة الاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم.

هنا تساعد الصين إيران من دون إطلاق رصاصة.

يكفي أن تستمر في شراء جزء من النفط الإيراني كي تجعل الحصار الأميركي أقل إحكاماً. وكلما أرادت واشنطن إغلاق الفجوة، اضطرت إلى المخاطرة بصراع اقتصادي أكبر مع بكين.

هذا أيضاً شكل من التزامن.

لكن ينبغي الحذر من تصور روسيا والصين وإيران كتكتل متجانس. روسيا دولة نووية أوروبية كبرى، الصين قوة اقتصادية عالمية تعتمد بشدة على التجارة الدولية، وإيران قوة إقليمية تواجه حصاراً وحرباً مباشرة. لكل منها أهداف مختلفة.

الصين مثلاً لا تريد انهيار الاقتصاد العالمي بسبب هرمز؛ فهي من أكبر المستوردين للطاقة. وروسيا قد تستفيد من ارتفاع أسعار النفط، لكنها لا تريد بالضرورة أن تتحول إيران إلى قوة مهيمنة في الخليج. وإيران تحتاج الصين وروسيا أكثر مما تحتاجانها.

لكن التحالف الرسمي ليس شرطاً كي تعمل الضغوط بصورة تراكمية.

يمكن تسمية ذلك التنسيق الموضوعي من دون التنسيق السياسي.

الأحداث نفسها تجمع مصالح الأطراف.

حين تنشغل أميركا في إيران، تستفيد روسيا.

حين تنشغل في أوروبا، تتحسن الخيارات الصينية.

وحين تشعر واشنطن بأنها مضطرة إلى الاحتفاظ بجزء من قواتها لردع الصين، يصبح ما تستطيع إرساله إلى أوروبا والخليج أقل.

وهنا يظهر العامل الذي قد يصبح أهم من عدد الطائرات والدبابات: القدرة الصناعية.

الحروب الحديثة تستهلك الذخائر بوتيرة مذهلة. الصاروخ الدفاعي عالي التقنية يحتاج أشهراً أو سنوات بين التعاقد والإنتاج والتسليم. لا يمكن إدارة ثلاث أزمات كبرى انطلاقاً من مخزون صنع في زمن السلم على أساس افتراض أن كل حرب ستكون قصيرة.

لهذا فإن السؤال الحقيقي في عالم متعدد الجبهات ليس: من يمتلك أفضل سلاح؟

بل: من يستطيع الاستمرار في صنعه؟

يمكن للولايات المتحدة الفوز بمواجهة عسكرية منفردة ضد خصم أضعف. لكن المشكلة تظهر عندما لا تنتهي المواجهة بسرعة، ثم تبدأ أزمة ثانية قبل انتهاء الأولى، ويظهر تهديد ثالث قبل إعادة ملء المخازن.

وهذا تحديداً هو الكابوس الذي يمكن لخصوم واشنطن استغلاله.

ليس عليهم أن يحددوا يوم الهجوم نفسه.

بل ربما يكون من الأفضل لهم ألا يفعلوا.

يكفي أن تبقي موسكو أوروبا متوترة، وأن تبقي إيران الخليج مضطرباً، وأن تبقي الصين تايوان تحت ضغط دائم.

هكذا تضطر الولايات المتحدة إلى الانتشار في كل مكان في الوقت نفسه، بينما يستطيع كل خصم التركيز في جواره الخاص.

هذه معادلة غير متكافئة بطريقة مقلوبة: الولايات المتحدة أقوى من كل خصم على حدة، لكن خصومها يقاتلون قرب بيوتهم، بينما تقاتل هي قرب بيوت الجميع.

وتلك كلفة الإمبراطورية التي لا تظهر في أرقام الميزانية وحدها.

القوة الأميركية العالمية تقوم على وعد ضمني: عندما تحدث الأزمة في أوروبا ستكون أميركا موجودة، وعندما تحدث في آسيا ستكون موجودة، وعندما يهدد الخليج ستكون موجودة أيضاً.

لكن ماذا يحدث عندما تقع الأزمات معاً؟

هذا هو السؤال الذي باتت حرب إيران تجعله أقل نظرياً.

روسيا والصين وإيران لا تحتاج إلى تشكيل «ناتو مضاد». بل قد يكون غياب التحالف الرسمي ميزة: لا التزامات دفاع مشترك، ولا قيادة واحدة يمكن ضربها، ولا ضرورة لأن يضحي طرف من أجل الآخر.

يكفي أن يفعل كل منهم ما يراه مناسباً، في اللحظة التي تكون فيها الولايات المتحدة منشغلة بما يفعله الآخر.

وهكذا قد يكون التحدي الأكبر الذي تواجهه القوة الأميركية في السنوات المقبلة ليس حرباً عالمية تبدأ بإعلان كبير.

قد يكون سلسلة من أزمات منفصلة تبدو، عند النظر إليها واحدة واحدة، قابلة للإدارة.

لكنها حين تقع في الوقت نفسه تتحول إلى شيء آخر تماماً:

استنزاف عالمي للقوة الأميركية من دون حرب عالمية واحدة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com