بقلم: طارق قبلان

لم تكد القوات اليمنية الموالية للسعودية، والمنخرطة في المعسكر الأمريكي، تشعل خطوط الجبهة في اليمن، وتعلن أن هدفها الشمال والعاصمة صنعاء، والقضاء على حكومة الثورة القائمة هناك، حتى انبرى “سلفيو الشام”، من مدّاحين وإعلاميين وشعراء، المنخرطون في محور “مكافحة الإرهاب”، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لإعلان الدعم لخطط الهجوم على صنعاء والترحيب بها، مرددين شعارات وأفكار لطالما ردّدها السلفيون وداعموهم الأمريكيين حول رجعية “المسيرة القرآنية”، بعد أن اعتمّوا بالعمامة الصنعانية، وتمنطقوا بالجنبيّة الحميرية (بوساطة الفوتوشوب وأدوات الذكاء الاصطناعي) وأرخوا أشعارهم وبياناتهم مبشرين بالنصر المبين.

لكن الملاحظ أن السلطة الشامية لم تدخل في بازار المزايدات، بالرغم من أن وزير الخارجية أسعد الشيباني كاد يقترب من إعلان موقف بتحركاته تجاه دول الخليج، وإن لم يتردّد زملاء له من النظام بإعلان مواقف احتفاليّة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ فبقي المشهد ضبابياً، وما ظهر إن كانت خلاصته تعبيراً عن تريّث سياسي ودهاء، أو مجرد توقيت رحمانيّ وقّى النظام الجديد محنة التقدير السيّئ!
الفرحة في الربوع الشامية لم تدم طويلاً، إذ قمع أنصار الله، من صنعاء حتى الحدّ الشمالي، فالساحل الجنوبي، رغبات المحتفلين العرب، بمن فيهم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بمرجعيته الإخوانية – فرع الخليج، ومن قبلهم مرتزِقة “الحكومة الشرعية”، وانهمروا باتجاه المخا، فذو باب، فالجزر اليمنية في البحر الأحمر، لا توقفهم ألوية عماليق، ولا قوات صالح، ولا شتات “الشرعية” المزعومة، التي يقودها نخبويون في فنادق الرياض وأبو ظبي، من الذين لا يجرؤون حتى على الإقامة في عدن.
ما يسترعي الاهتمام ويثيره في حمأة الفرح “السلفي الشامي” انفجار موجة من القياسات والمقارنات غير العلمية بين “فتح الشام” و”فتح صنعاء” المفترض، وتوهّم السقوط المريع لأجناد السيد عبد الملك بن بدر الدين الحوثي والقوات الحكومية اليمنية على غرار السيناريو العسكري في سوريا، من دون توقّف عند حيثيات المسارين العسكريين، وواقع القوات المتقابلة، والتقاطعات الإقليمية والدولية الحاكمة للواقع اليمني.
والسؤال المِلحاح: من أين أتت “سلفيي الشام” هذه التخرّصات؟ وكيف بنوا المشاهدَ الانهزامية تأسيساً على البروفا السورية، التي لم تكن كاملة الفصول، ولم يلحظوا في كواليسها روسيّاً وتركياً وإيرانياً…؟

فليكن ما كان، ولننتقل للقول إن صنعاء والهضبة الشمالية تحديداً، ثمّ اليمن عموماً، ولا سيما قبائل حاشد وبكيل “جناحَي الإمامة”، بلاد تختلف عن الشام وتمتاز عنها بأمور، أهمها في مقامنا:

  1. وحدة القيادة في صنعاء من الإسلاميين والقوميين واليساريين والقبائل على أساس التبرؤ من التدخل الخليجي، والمواجهة مع الاستكبار العالمي الذي لا يزال حتى الساعة يمعن في إعاقة مسارات الاستقلال والسيادة والتنمية في اليمن.
  2. ولاء أنصار الله للقيادة اليمنية ثابت على أساس عقائدي متين، مداده القرآن الكريم، وبسيط بساطة أهل اليمن.
  3. اتصال ولاء أنصار الله لقيادتهم بولائهم لأهل البيت الكرام تاريخياً، من الإمام علي (ع) إلى الإمام الهادي… وهم في ذلك سواء، أكانوا زيوداً أم شوافع أم إسماعيليين.
  4. ثبات الإمامة العلوية في اليمن منذ قرون، على مستوى الولاء والسلطة.
  5. مباشرة الزيديين شؤون الحكم منذ قرون، بالرغم من الجهد السلفيّ لإظهارهم سلاليين عصبيين، رجعيين، معادين للمعاصرة…
  6. الزيديون جزء من النسيج التاريخي والاجتماعي والديني اليمني، ولا عداوة مذهبية بينهم وبين الشوافع أو سواهم؛ تجمعهم المساجد والجمعات والفرائض والمناسبات المختلفة؛ فلا تهمة تكفير ولا شبهة، ولا محاذير عقائدية أو فقهية… يُقال عنهم معتزلة الجبال، وحنفيو الفقه.

ولا بدّ من تسجيل قضيّة مبدئية في هذا الإطار أن اليمنيين لم يكونوا يوماً ممن يتولون بني أمية، أو يؤمنون بسياستهم، أو يحبّون النزاع بين جماعات الأمة، فلا يتعصبون إلا لمكارم الأخلاق، وفيهم القول “أرقّ الناس أفئدة” وأهل إيمان وحكمة.

عليه، لا مبرّر لـ “السلفي الشامي” أن يستعجل النصر والفرح، ولا أن يتوقّع سقوط صنعاء الحية، النابضة، الناصرة لغزة، المنتصرة على التحدي الترامبي، المنخرطة في صراع الاستكبار على ما تعانيه من الحصار والعنت العربي.
للشامي بكل فئاته أن يهنأ في بلاده، وأن يعمل لرفعتها، وأن يقلّل من انخراطه في شؤون الآخرين، انسجاماً مع ما طلبه من الآخرين إخوانِه، ثم فليتوجّه بجنبيّه وأسلحته المختلفة تلقاء عدوِه وعدو العربِ الصهيوني فيزيله عن أرضه في ريف دمشق والقنيطرة والجولان وكل البلاد العربية الحبيبة، ثم فليدعُ للإخوة اليمنيين بالألفة والسلام وحقن الدم؛ فذلك أنفع في الدنيا، وثوابه عند الله عظيم.ّ

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com