مأزق الاستنزاف في هرمز… واختبار حدود الصبر الاستراتيجي
جريدة البناء: بقلم حسن حردان

في مقاله في جريدة «البناء»، يضع حسن حردان أزمة مضيق هرمز في إطار مواجهة استراتيجية مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، تتجاوز حدود العمل العسكري المباشر لتلامس الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحسابات السياسة الداخلية الأميركية. فالمضيق لم يعد مجرد ممر بحري تتنازع حوله القوى، بل تحوّل إلى نقطة اختبار حقيقية لقدرة كل طرف على الصمود وإدارة كلفة المواجهة من دون الانزلاق إلى حرب شاملة يصعب التحكم بنتائجها.

ويرى حردان أن المأزق الأميركي يكمن في غياب خيار سهل: فالتصعيد العسكري الواسع قد يفتح الباب أمام صدمة كبرى في أسواق النفط والاقتصاد العالمي، بينما يفرض استمرار الاستنزاف ضغوطاً متزايدة على الداخل الأميركي، ولا سيما مع ارتفاع أسعار الوقود وكلفة المعيشة. في المقابل، تبدو إيران متمسكة بموقفها الرافض للضغوط والإملاءات، ما يجعل عامل الوقت جزءاً أساسياً من المعركة ويضع استراتيجية واشنطن أمام اختبار صعب.

ينطلق حردان من فكرة أساسية مفادها أن المواجهة في هرمز دخلت مرحلة «الطريق المسدود»، حيث لم يعد التفوق العسكري الأميركي كافياً لضمان حسم سريع. فطبيعة الجغرافيا وأهمية المضيق وقدرة إيران على مواصلة الضغط على حركة الملاحة تجعل أي محاولة لحسم الأزمة عسكرياً محفوفة بتكاليف كبيرة، ليس فقط على أطراف المواجهة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره.

ومن هنا يبرز مفهوم «الاستنزاف» باعتباره السلاح الأهم في المرحلة الحالية. فبدلاً من حرب شاملة ذات نتائج فورية، بات الصراع يتحرك ضمن معادلة تقوم على رفع الكلفة تدريجياً، وإجبار الخصم على إعادة حساباته. إيران، وفق قراءة المقال، تراهن على قدرتها على الصمود وإبقاء الضغط قائماً، بينما تحاول واشنطن إدارة الأزمة من دون تقديم تنازلات جوهرية، مع الحفاظ على هامش يسمح لها بالانتقال إلى التفاوض إذا أصبحت كلفة التصعيد أكبر من القدرة على تحمّلها.

ويكشف المقال أن الاقتصاد أصبح جزءاً لا يتجزأ من ميزان القوى. فأي اضطراب طويل في حركة الملاحة عبر هرمز ينعكس على إمدادات الطاقة وأسعار النفط، وبالتالي على التضخم والأسواق العالمية. وهذا ما يجعل الولايات المتحدة أمام معادلة شديدة الحساسية: فالحرب قد تمنحها هامشاً عسكرياً أوسع، لكنها في الوقت نفسه قد تنتج أزمة اقتصادية تضغط مباشرة على المواطن الأميركي.

وهنا ينتقل حردان إلى العامل الانتخابي، باعتباره أحد مفاتيح فهم السلوك الأميركي. فارتفاع أسعار الوقود وكلفة المعيشة يمكن أن يتحولا إلى عامل سياسي مؤثر في خيارات الناخبين. وبالتالي، فإن استمرار الاستنزاف لفترة طويلة قد لا يبقى قضية خارجية، بل يتحول إلى عبء داخلي على الإدارة الأميركية والحزب الحاكم، الأمر الذي قد يدفع واشنطن تدريجياً إلى البحث عن مخارج سياسية أكثر مرونة.

وفي المقابل، لا تتحمل دول المنطقة وحدها مخاطر أمنية، بل تواجه أيضاً فاتورة اقتصادية متصاعدة نتيجة اضطراب خطوط التجارة والطاقة. لذلك يكتسب الدور الإقليمي أهمية متزايدة، مع محاولة عدد من العواصم الدفع باتجاه الوساطة والتهدئة، بما في ذلك المسارات الدبلوماسية التي يمكن أن تفتح نافذة للحوار وتمنع تحول أزمة هرمز إلى مواجهة إقليمية ودولية أوسع.

واللافت في قراءة حردان أن الرهان الأميركي على الوقت لا يبدو حلاً نهائياً، بل إدارة مؤقتة للأزمة. فالوقت قد يسمح لواشنطن بإعادة ترتيب أوراقها، لكنه في الوقت نفسه يمنح إيران فرصة للاستمرار في سياسة الاستنزاف ورفع الكلفة. وكلما طال أمد المواجهة، أصبح خطر الخطأ في الحسابات الميدانية أكبر، خصوصاً في منطقة شديدة الحساسية يمكن لأي حادث فيها أن يشعل مساراً تصعيدياً يصعب احتواؤه.

وتصل المقالة في خلاصتها إلى أن القوة العسكرية وحدها لا تبدو قادرة على إنتاج حل مستدام لأزمة هرمز، وأن محاولة إدارة الأزمة حتى الاستحقاقات الانتخابية الأميركية قد تؤجل الانفجار بدلاً من إنهائه. لذلك تبرز الدبلوماسية، في منطق المقال، باعتبارها المخرج الأكثر واقعية عندما تتضح حدود القوة وتصبح كلفة الاستنزاف أكبر من المكاسب التي يمكن تحقيقها عسكرياً.

وبذلك يضع حسن حردان «مأزق هرمز» أمام معادلة ثلاثية: صمود إيراني، وحسابات أميركية دقيقة للكلفة، وضغوط إقليمية متزايدة باتجاه التهدئة. وبين هذه العوامل يبقى السؤال الأساسي: إلى متى تستطيع واشنطن تحمّل حرب استنزاف لا تملك ضمانة حسمها، وإلى أي حد تستطيع طهران مواصلة الصبر الاستراتيجي قبل أن تنتقل المواجهة إلى مرحلة جديدة؟

 

تعيش منطقة الخليج على وقع توتر استراتيجي متصاعد
تعيش منطقة الخليج على وقع توتر استراتيجي متصاعد

يعكس أزمة معقدة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تتداخل التهديدات الميدانية في مضيق هرمز مع صدمات أسعار الطاقة العالمية. هذا المشهد لا يقتصر على كونه مواجهة عسكرية بحتة، بل تحوّل إلى مأزق سياسي واقتصادي يختبر حدود الصبر الاستراتيجي للطرفين ويضع الإدارة الأميركية أمام معضلة غير مسبوقة ناتجة عن صلابة الموقف الايراني.

أولاً: طريق مسدود وإدارة حذرة للمخاطر
ترفض طهران تماماً الانحناء للضغوط الأميركية أو القبول بالإملاءات، معتبرة أنّ المواجهة الحالية تمثل معركة وجودية واستراتيجية للدفاع عن استقلالها وسيادتها. في المقابل، وجدت إدارة دونالد ترامب نفسها محاصرة بين خيارين كلاهما مرّ؛ فالذهاب نحو حرب شاملة يحمل في طياته مخاطر كارثية على أسعار النفط واقتصاد العالم، بينما الاستمرار في حرب استنزاف مزمنة يبقي شبح التضخم وغلاء الوقود ضاغطاً على الشارع الأميركي. هذا الوضع دفع واشنطن إلى تبني تكتيك “الاحتواء المدار”، عبر الرهان على الوقت ومحاولة ضبط إيقاع الملاحة دون تقديم تنازلات جوهرية أو الدخول في تسوية شاملة.

ثانياً: ضغوط الإقليم
والاستحقاقات الانتخابية
تتحكّم عوامل حاسمة في مسار هذا الاشتباك المفتوح، يأتي في مقدمتها الاستحقاقات الانتخابية داخل الولايات المتحدة؛ فالناخب الأميركي يربط بصورة مباشرة بين كلفة المعيشة وأسعار الوقود وبين أداء الحزب الحاكم. وفي حال أدّت الأزمة إلى خسارة الجمهوريين أغلبيتهم التشريعية، فإنّ ذلك سيشكل إشارة قوية على رفض الشارع الأميركي لمسار الاستنزاف العسكري، مما يجبر البيت الأبيض على إعادة حساباته وتبني مقاربات دبلوماسية أكثر مرونة.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري لدول المنطقة التي تتحمّل الفاتورة الكبرى لهذا النزف الاقتصادي المستمرّ وتعطل خطوط الإمداد، مما يدفع العواصم الإقليمية لتكثيف ضغوطها ودفع مسارات الوساطة ـ مثل مسار إسلام آباد ـ لخلق ممرات آمنة للتهدئة وتجنّب الانزلاق نحو كارثة شاملة.

ثالثاً: خلاصات واستنتاجات
1 ـ فشل الحلول العسكرية: تعجز القوة البحرية وحدها عن حسم أزمة ممر مائي حيوي مثل مضيق هرمز في ظلّ قدرة إيران على استدامة حرب الاستنزاف والتحكم بحركة الملاحة.
2 ـ هشاشة الرهان الوقتي: إنّ محاولة الإدارة الأميركية كسب الوقت حتى مواعيد الانتخابات لا تعالج جذور الأزمة، بل ترحل الانفجار الأكبر وتجعل الاستقرار الإقليمي رهناً بأي خطأ تقدير ميداني.
3 ـ حتمية الدبلوماسية: ستظلّ العودة إلى مسارات التفاوض الإقليمي والدولي هي المخرج الواقعي الوحيد لكسر حلقة الجمود، متى ما تراجعت الأوهام العسكرية وأدركت واشنطن أنّ تكلفة الاستنزاف تفوق أيّ رهان على مكاسب سياسية تعجز عن تحقيقها.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com