الجنوب يا عالم… ناس.. وما الجنوب يا سادة!

بقلم زينب شقير

في الجنوب ليس القصر الذي دُمّر مجرد جدران سقطت تحت القصف…
وليس اسم إسراء بهجة رقماً جديداً يُضاف إلى قائمة طويلة من الشهداء، ثم يُنسى مع الخبر التالي. ما يحصل على أرض الجنوب، أحداث لا تستطيع البيانات أن تشرحها.
لا تستطيع أن تشرح ماذا يعني أن يستيقظ الإنسان يوماً فلا يجد البيت الذي عاش فيه عمراً.
ولا تستطيع أن تصف اللحظة التي ينظر فيها محمود حيدر إلى المكان الذي كان يُسمّى «بيتي»، فلا يرى إلا حجارةً فوق حجارة، وغباراً يغطّي صوراً وذكريات وأشياء صغيرة كانت بالنسبة إليه، تساوي حياة الدنيا كلها.
فالبيت ليس إسمنتاً وحجراً.
البيت هو صوت الأم في الصباح، ضحكة الأطفال،
صورة معلّقة على الحائط، رائحة القهوة، غرفة شهدت المرض والفرح والخلافات والمصالحات…
البيت هو انتماء..
وحين يُدمَّر الانتماء ، لا تسقط الجدران وحدها، بل يسقط معها جزء من الذاكرة.. ومع ذلك يقول صاحب المنزل “أن الله أكرمه، فضحى بحطام الدنيا” وما محمود حيدر سوى نموذجٍ عن الجنوبيين.

أما إسراء بهجة…
فيا لثقل هذا الاسم حين يُقال بصيغة الماضي.
إسراء لم تكن «شهيدة» فقط.
كانت ابنةً لأم، وكان لها أهل ينتظرون عودتها، وكان لها صوت اعتادوا أن يسمعوه..
وكان لها ما تحبه، وأيام تنتظرها، وأحلام صغيرة مؤجلة إلى الغد، الذي جاء ولم تأتِ هي..
الخبر يقول: «استشهاد إسراء بهجة».. لكنه يحمل مأساةً لا تظهر في البيانات..
ماذا عن أم الشهيدة، عن ذكرياتها، كرسيها، هاتفها، ماذا عن أحلامها؟

الجنوب يا عالم.. ناس.
الجنوب أمهات، آباء يريدون أن يعود أبناؤهم إلى البيت سالمين، أطفالٌ حالمون، وشيوخ يريدون أن يموتوا في بيوتهم، لا تحت أنقاضها.

وأهل الجنوب لا يريدون شفقة أحد.
لا يريدون أن تتحول مأساتهم إلى صورة مؤثرة ليوم واحد، ثم تُدفن في زحام الأخبار.
هم يريدون شيئاً أبسط بكثير:
أن يعيشوا.
أن تبقى بيوتهم قائمة.
أن يعود أبناؤهم إلى أحضانهم.
أن ينام أطفالهم بأمان.
أن تبقى أسماء أحبائهم مرتبطة بالحياة، لا بشريط الأخبار العاجل.
إسراء بهجة، تستحق أكثر من أن تكون خبراً.
ومحمود حيدر ، يستحق أكثر من أن يصبح بيته صورةً أخرى للدمار.

ومع كل هذا الوجع، يبقى للجنوب وجهٌ آخر…
وجهُ أمٍّ تبكي شهيدها، ثم تمسح دموعها وتقول: «سنُكمل».
وجهُ أبٍ يقف أمام بيته المهدّم، يحمل بين يديه الكرامة والصمود.
ووجهُ طفلٍ لم يتعلّم بعد كيف تهدم القنابل إرادة الإنسان.
هكذا كان أهل الجنوب دائماً… هكذا هم الآن.
كلما ظنّت آلة القتل أنها كسرتهم، نهضوا من بين الركام.
وكلما سقط بيت، بنوا أملاً.
وكلما غاب عزيز، حملوا اسمه في قلوبهم وقدموا آخر.
هم لا ينكرون الخوف يا سادة، ولا يتظاهرون بأن الألم لا يؤلمهم، لكنهم يعرفون أن الانكسار ليس قدراً، وأن الأرض التي احتضنت أجدادهم لن تُنتزع منهم بالقوة.
نعم.. قد تُهدم البيوت، لكن لا تُهدم الإرادة.
قد يُقتل الإنسان، لكن لا تُقتل كرامة هذا الشعب.
وقد يعلو صوت آلة الحرب، لكنه لن يعلو على صوت من اختار أن يبقى.
هذا هو الجنوب يا سادة…
ينزف، يحزن، لكنه لا ينحني.
ومن بين الركام، حيث يظن البعض أن الحكاية انتهت، يبدأ الجنوبيون مرة أخرى بكتابة فصل جديد من حكاية الصمود.. مراراً وتكراراً.
فالجنوب ليس أرضاً تُدافع عن نفسها…
الجنوب يا سادة، إنسانٌ كلما حاولوا اقتلاعه من أرضه، تشبّث بها أكثر، بكامل كرامته وصموده.

لهذا ويا سادة، فإن الدفاع عن الجنوب لا يكون بالبكاء عليه بعد أن يسقط أبناؤه.
ولا يكون بتعداد البيوت المدمّرة بعد أن تصبح أنقاضاً.
ولا يكون ببيانٍ يُقرأ لدقائق ثم يُنسى..
الدفاع عن الجنوب، تعلموه من أهله، من أولئك الذين يعرفون أن الأرض ليست حدودًا على خريطة، بل بيتٌ وذاكرةٌ وأسماءٌ ووجوه. فلا تختصروا الجنوب في خبر عاجل، ولا في عددٍ جديد من الضحايا، ولا في صورة ركام عابرة على الشاشات.

حين تسألون: ما الجنوب؟

تذكّروا.. الجنوب، يا عالم… ناس.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com