من علي الطاهر الى «المنطقة الرمادية»: بين وهم النصر والخروج من الاستنزاف

صحيفة البناء: بقلم حسن حردان

في ظل استمرار التصعيد على الجبهة الجنوبية، تبرز التحولات التي يطرحها الاحتلال الإسرائيلي في طريقة انتشاره وتموضعه الميداني كعنوان جديد للصراع، ولا سيما مع الانتقال من الحديث عن السيطرة المباشرة على المرتفعات والمواقع الاستراتيجية إلى مفهوم «المنطقة الرمادية». وفي هذا السياق، يقرأ الكاتب حسن حردان هذا التحول من زاوية تتجاوز الوصف العسكري المباشر، ليتساءل عن حقيقة ما تقدمه إسرائيل للرأي العام باعتباره إنجازاً ميدانياً، وما إذا كان الأمر يتعلق فعلاً بتثبيت مكاسب استراتيجية، أم بمحاولة للخروج من كلفة الاستنزاف من دون الاعتراف بالتراجع.

فبين مرتفعات علي الطاهر ومفهوم «المنطقة الرمادية»، يضع المقال أمامنا معادلة دقيقة: إسرائيل تريد الحفاظ على قدرتها على الضرب والمراقبة، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تقليص كلفة الوجود البشري المباشر في بيئة قتالية صعبة. ومن هنا تتحول إعادة الانتشار إلى اختبار حقيقي بين الصورة التي تريد القيادة السياسية تسويقها وبين الواقع الذي يفرضه الميدان.

قراءة في المقال

ينطلق حسن حردان من التحولات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وتحديداً من تجربة مرتفعات علي الطاهر، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة «الإنجاز» الإسرائيلي: هل نحن أمام انتصار عسكري فعلي، أم أمام إعادة صياغة للهزيمة أو الاستنزاف بطريقة تسمح بتقديمها للجمهور الإسرائيلي على أنها انتصار؟

في المحور الأول، يسلط الكاتب الضوء على البعد السياسي لإعادة الانتشار. فبحسب القراءة التي يقدمها، هناك تيار داخل إسرائيل يرى أن تضخيم السيطرة على المرتفعات الاستراتيجية واستخدام تعبيرات مثل «المنطقة الرمادية» قد يكون جزءاً من عملية تسويق سياسي، خصوصاً في ظل حاجة حكومة بنيامين نتنياهو إلى إنجازات يمكن توظيفها داخلياً وانتخابياً. وبالتالي، فإن التراجع من بعض النقاط لا يُقدَّم كتراجع، بل يعاد تعريفه باعتباره إعادة تموضع أو انتقالاً إلى صيغة أكثر ذكاءً وأقل كلفة.

وهنا تكمن إحدى أهم أفكار المقال: المشكلة ليست فقط في السيطرة على الأرض، بل في كيفية تفسير هذه السيطرة أمام الجمهور. فحين تصبح كلفة الاحتفاظ بالمواقع مرتفعة بشرياً وعسكرياً، يصبح الانسحاب الجزئي مع الاحتفاظ بالقدرة النارية والاستخبارية وسيلة لتقليل الخسائر من دون تقديم صورة الهزيمة.

أما المحور الثاني، فيتناول ما يسميه الكاتب «عقيدة السيطرة النارية». وهذه النقطة هي الأكثر أهمية عسكرياً، لأن إسرائيل، وفق هذا التصور، لا تتخلى عن هدف التحكم بالمنطقة، وإنما تغير وسيلة تحقيقه. فبدلاً من انتشار بري واسع ومستمر، يصبح الهدف الاحتفاظ بالمرتفعات الحاكمة، واستخدام الاستخبارات والاستطلاع والقوة النارية لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية للمقاومة.

بمعنى آخر، المنطقة الرمادية ليست انسحاباً كاملاً ولا احتلالاً مباشراً كاملاً؛ إنها محاولة للبقاء في المنطقة الوسطى بين الاثنين: لا وجود بري كثيف يعرّض القوات للاستنزاف، ولا انسحاب كامل يسمح بعودة الخصم إلى المناطق التي أخليت.

ومن هنا يرى الكاتب أن هذه الصيغة تكشف في الوقت نفسه عن قوة إسرائيل وضعفها. قوتها تكمن في امتلاك القدرة النارية والاستخبارية التي تسمح لها بضرب أهداف من مسافات أبعد، أما نقطة الضعف فتتمثل في صعوبة تحويل التفوق الناري إلى سيطرة ميدانية مستقرة ومستدامة.

علي الطاهر… الاختبار الميداني

ويكتسب الحديث عن مرتفعات علي الطاهر أهمية خاصة في المقال، لأنها تمثل نموذجاً للمواقع التي يمكن أن تمنح صاحبها أفضلية في الرصد والنيران. لكن الكاتب لا يتعامل مع السيطرة عليها باعتبارها نهاية المعركة، بل باعتبارها جزءاً من معادلة أوسع.

فالموقع الاستراتيجي لا يصبح بالضرورة مكسباً دائماً إذا كان الاحتفاظ به يحتاج إلى انتشار بشري مكلف، وإمدادات مستمرة، وحماية من الهجمات والكمائن. وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يسيطر على المرتفع؟ بل: من يستطيع الاحتفاظ به بأقل كلفة ولمدة أطول؟

وهنا ينتقل المقال من مفهوم السيطرة الجغرافية إلى مفهوم الاستنزاف.

بين النصر المعلن وكلفة الحرب

من أبرز ما يطرحه المقال أن هناك فارقاً بين النصر الإعلامي والنصر العسكري.

فالقيادة السياسية تحتاج إلى إعلان الإنجاز، خصوصاً عندما تكون أمام جمهور يريد نتائج واضحة، بينما المؤسسة العسكرية تنظر بصورة مختلفة إلى كلفة الانتشار والاستنزاف وحماية المواقع.

ومن هنا تأتي «المنطقة الرمادية» كحل وسط: يمكن للسياسي أن يقول إن الجيش حقق أهدافه، ويمكن للجيش في الوقت نفسه أن يقلل من حجم قواته المنتشرة على الأرض ويخفض المخاطر.

وهذه المعادلة تجعل إعادة الانتشار ليست مجرد قرار عسكري، وإنما قراراً سياسياً أيضاً.

الخلاصة

الخلاصة الأساسية التي يصل إليها حسن حردان هي أن «المنطقة الرمادية» لا ينبغي قراءتها باعتبارها انتصاراً إسرائيلياً نهائياً أو انسحاباً إسرائيلياً كاملاً، وإنما باعتبارها صيغة مؤقتة لإدارة الاستنزاف.

فالاحتلال يحاول الاحتفاظ بالقدرة على الرصد والضرب والتحكم من دون تحمل كلفة الانتشار المباشر، بينما تستمر المقاومة، وفق قراءة المقال، في جعل السيطرة الميدانية الكاملة مكلفة وصعبة التثبيت.

وبالتالي، فإن الصراع ينتقل من سؤال «من يسيطر على الأرض؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «من يستطيع فرض قواعد الاشتباك الجديدة والاستمرار فيها؟»

وهذه هي النقطة الأهم في المقال:
«المنطقة الرمادية» قد تكون بالنسبة لإسرائيل وسيلة للخروج من الاستنزاف، لكنها في الوقت نفسه اعتراف ضمني بأن السيطرة المباشرة الكاملة على الأرض لها كلفة لا تريد دفعها.

وفي النهاية، يترك المقال الجنوب اللبناني أمام مرحلة جديدة لا يبدو فيها أي تحرك ميدانياً نهائياً؛ فالخطوط قد تتغير، والانتشار قد يتبدل، لكن المعركة على قواعد الاشتباك وعلى القدرة على تثبيت الوقائع على الأرض لا تزال مفتوحة.

 بين وهم النصر والخروج من الاستنزاف
بين وهم النصر والخروج من الاستنزاف

تتواصل التغطيات والتحليلات “الإسرائيلية” لمتابعة التطورات الميدانية في جنوب لبنان، وتحديداً المعارك المرتبطة بالسيطرة على مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية ومفهوم “المنطقة الرمادية” الذي أفرزته خطط إعادة الانتشار الجديدة لجيش الاحتلال “الإسرائيلي”.
هذا التحوّل العسكري يضع المراقبين أمام تساؤلات عميقة حول ما إذا كان فعلاً يشكل إنجازاً استراتيجياً حقيقياً، أم مجرد مناورة تكتيكية لتسويق صورة النصر للرأي العام وتجنب مستنقع الاستنزاف.

أولاً: بين التسويق السياسي
والاستنزاف الميداني
تتنوّع القراءات داخل الدوائر “الإسرائيلية” لطبيعة هذه التغيّرات الميدانية. يرى معارضو حكومة نتنياهو والقيادة العسكرية أنّ تضخيم السيطرة على النقاط الحاكمة مثل علي الطاهر وإلباسها مصطلحات مبهمة كالمنطقة الرمادية، يهدف أساساً إلى إقناع الشارع “الإسرائيلي” بتحقيق إنجاز وهمي لإنهاء كابوس الجبهة الشمالية. ويشير هؤلاء المحللون إلى أنّ التراجع الجزئي تحت غطاء حرية الحركة النارية يعكس هروباً من كلفة الثبات البشري الباهظ وصعوبة التمركز الدائم في القرى اللبنانية المدمرة تحت ضربات المقاومة المستمرة، مما يجعل الخروج الرمادي مخرجاً لحفظ ماء الوجه.

ثانياً: عقيدة السيطرة النارية
وبراغماتية إعادة الانتشار
في المقابل، تدافع الدوائر المقرّبة من المؤسسة الأمنية “الإسرائيلية” عن مفهوم “المنطقة الرمادية” باعتباره تحوّلاً عقيدياً براغماتياً يستعيض عن الاحتلال التقليدي المباشر بإقامة نطاق جغرافي يفرض فيه العدو سيطرة نارية واستخبارية. ويعتقد هذا التيار أنّ الإبقاء على يد دافعة ومبادرة عبر المرتفعات الحاكمة يغني عن التواجد البشري الكثيف، ويمنع عودة البنى التحتية للمقاومة دون التورط في إدارة مستنقع مدني وميداني طويل الأمد.

ثالثاً: الخلاصات الأساسية
بناء على ما تقدّم يمكن تسجيل الخلاصات الآتية:
1 ـ تمثل السيطرة على المرتفعات الحاكمة محاولة “إسرائيلية” مزدوجة لتوسيع نطاق الضغط الميداني وتأمين العمق الحدودي عبر الرصد والنار.
2 ـ يعكس طرح “المنطقة الرمادية” تسوية عملية بين رغبة المستوى السياسي في إعلان النصر المطلق، لتوظيفه من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في حملته الانتخابية، وحاجة جيش الاحتلال الواقعية للحدّ من نزيف الخسائر البشرية والمادية.
3 ـ تشهد المنطقة حالة اشتباك مستمرة تواجه فيها الخطط النظرية لجيش الاحتلال مصاعب كبيرة على الأرض، بفعل المقاومة المستمرة والردود الميدانية المتبادلة.
4 ـ يظلّ الخط الرمادي أداة ضغط نارية أكثر منه مكسباً سياسياً أو جغرافياً مستداماً، مما يجعله محطة مؤقتة في صراع مفتوح على قواعد الاشتباك في جنوب لبنان.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com