ما الذي فعلته الحكومة بشأن الكهرباء؟
صحيفة الأخبار: بقلم محمد وهبة
في وقت تتفاقم فيه أزمة الكهرباء في لبنان وتتسع معها أعباء الفواتير على المواطنين، تعود الحكومة إلى الواجهة بإجراءات طارئة تستهدف أصحاب المولدات، من دون أن يبدو أنها تملك حتى الآن خطة واضحة لمعالجة أصل الأزمة. في مقال له في صحيفة «الأخبار»، يطرح محمد وهبة السؤال المباشر: ما الذي فعلته الحكومة فعلياً بشأن الكهرباء، منذ توليها مسؤولياتها وحتى انفجار أزمة المولدات؟
الكاتب لا ينظر إلى الاجتماع الحكومي الأخير باعتباره خطوة إصلاحية، بل يراه دليلاً إضافياً على غياب المعالجة الجذرية. فبدلاً من البحث في زيادة إنتاج الكهرباء، وتأمين الفيول، وإعادة تنظيم مؤسسة كهرباء لبنان، وتحديث القوانين، اختارت الحكومة التعامل مع النتيجة الأكثر وضوحاً للأزمة: فواتير المولدات وارتفاع كلفتها.
قراءة:
ينطلق محمد وهبة من مفارقة أساسية: الحكومة أعلنت في بيانها الوزاري أن إصلاح الكهرباء جزء من بناء الدولة واستعادة دور المؤسسات، وحددت لذلك خطوات واضحة، أبرزها تحديث قانون تنظيم الكهرباء، وتعيين هيئة تنظيم القطاع، وإعادة تنظيم مؤسسة كهرباء لبنان. لكن، وفق المقال، لم يتحقق من هذه الالتزامات سوى تعيين الهيئة الناظمة، فيما بقيت الإصلاحات الأساسية معلّقة.
ويضع الكاتب الاجتماع الحكومي الأخير في هذا السياق، معتبراً أن التركيز على المولدات هو معالجة لعوارض الأزمة وليس للمرض نفسه. فالمولدات، في نظر المقال، لم تصبح جزءاً من المشهد اللبناني من تلقاء نفسها، بل نتيجة سنوات من عجز الدولة عن تأمين كهرباء كافية، قبل أن يجري لاحقاً تنظيم هذا القطاع وفرض تعرفة رسمية عليه.
ومن هنا ينتقل المقال إلى انتقاد الأداء الحكومي، معتبراً أن المشكلة ليست في غياب الشعارات والخطط المعلنة، بل في غياب القرار التنفيذي. فالحكومة لم تفتح، بحسب الكاتب، نقاشاً شاملاً حول الكهرباء: كيف يمكن رفع ساعات التغذية؟ ما المطلوب لتشغيل المعامل؟ كيف سيتم تأمين الفيول؟ وما الموارد المالية التي ستخصص لهذا الغرض؟
ويبرز المقال أيضاً مسألة ارتفاع أسعار النفط العالمية بوصفها اختباراً لقدرة الحكومة على الاستباق. فالكاتب يرى أن التعامل مع الأزمة جاء بعد تفاقمها، لا قبل ذلك، وأن الحكومة انتقلت إلى سياسة رد الفعل بدلاً من وضع سيناريوهات مسبقة للتعامل مع تقلبات أسعار الطاقة وتأمين مصادر التمويل والاستيراد.
وفي جانب آخر، يربط وهبة أزمة الكهرباء بالبنية السياسية اللبنانية، معتبراً أن المولدات ليست مجرد مشكلة اقتصادية أو تقنية، بل أصبحت جزءاً من منظومة واسعة من المصالح السياسية والطائفية والزبائنية. ولذلك فإن القضاء على نفوذها لا يمكن أن يتم بقرار إداري أو بإجراءات أمنية فقط، بل يحتاج إلى قيام الدولة فعلياً بدورها في إنتاج الكهرباء وتوزيعها.
ويصل المقال إلى جوهر المسألة: لا يمكن مطالبة المواطنين بالتخلي عن المولدات أو مواجهة أصحابها، فيما الدولة عاجزة عن تقديم البديل. فكلما تراجعت التغذية الرسمية، اتسعت مساحة المولدات، وكلما ارتفعت كلفة تشغيلها، انتقلت الكلفة إلى المواطن.
والسؤال الذي يطرحه المقال في نهايته يبدو الأكثر أهمية: إذا كانت الحكومة تريد فعلاً إنهاء أزمة المولدات، فهل لديها خطة لرفع التغذية أولاً إلى عشر ساعات يومياً ثم إلى ثماني عشرة ساعة؟ وهل تستطيع تأمين الأموال والفيول وشروط الاستيراد اللازمة لتشغيل معامل الكهرباء؟
يقدّم محمد وهبة صورة شديدة الانتقاد لأداء الحكومة، ويعتبر أن المشكلة الأساسية ليست في غياب معرفة أسباب أزمة الكهرباء، بل في غياب الإرادة والقدرة على تنفيذ الحل. فالمولدات، وفق هذه القراءة، ليست أصل المشكلة بل نتيجة مباشرة لفشل الدولة في تأمين الكهرباء.
وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نضبط فواتير المولدات؟ بل: كيف تستعيد الدولة قطاع الكهرباء؟ لأن أي معالجة لا تبدأ من زيادة الإنتاج وتحسين التغذية وإصلاح مؤسسة كهرباء لبنان وتأمين التمويل والوقود، ستبقى في إطار إدارة الأزمة، لا حلّها.
قبل يومين، عقد رئيس مجلس الوزراء اجتماعاً طارئاً لدرس أزمة فواتير المولّدات بحضور المعنيين من وزيري الطاقة والاقتصاد إلى محافظ بيروت والنائب العام التمييزي ورئيس فرع المعلومات.
قبل يومين، عقد رئيس مجلس الوزراء اجتماعاً طارئاً لدرس أزمة فواتير المولّدات بحضور المعنيين من وزيري الطاقة والاقتصاد إلى محافظ بيروت والنائب العام التمييزي ورئيس فرع المعلومات. انتهى النقاش إلى ضرب المولّدات بيد من حديد ووضع اليد عليه إذا تبيّن وجود مخالفات وتكليف المحافظ تشغيله بالإضافة إلى تسريع الإجراءات القضائية بحق المخالفين. هذه الإجراءات بالكاد صدرت عن اجتماع حكومي على هذا المستوى، وكأن المشكلة طارئة أو حديثة. والمجتمعون لم يناقشوا سوى عوارض المرض التي لا يمكن التعامل معها بإجراءات بلطجية.
نعم هي كذلك، لأن أصحاب المولّدات مذنبون بالسرقة الموصوفة، ولأنهم قطاع شرّعته هذه الحكومة وسابقاتها. كل أهل السلطة، أقرّوا بعجزهم عن اتخاذ قرار يصحّح عملية إنتاج وتوزيع الكهرباء المنتجة من الشركة الرسمية للدولة، وبدأوا يتعاملون مع التشوّهات التي خلقوها بأنفسهم على أنها أمر واقع يجب تنظيمه. في الحكومات التي كان العونيون يتصدّرون فيها للموقف، كانت هناك عبارة «ما خلّونا» في إشارة إلى الحملة التي قادها الرئيس نبيه برّي لكسر أي إنجاز عوني في الكهرباء، وهذه العبارة نفسها صارت متداولة اليوم في «كواليس» هذه الحكومة، من دون أي تفسير، سوى أنها حكومة الفشل والاستسلام والتراجع والعجز. فما الذي فعلته هذه الحكومة بشأن الكهرباء؟
ورد في البيان الوزاري لحكومة نواف سلام، أنها ستعمل «على قيام دولة القانون بعناصرها كافة وإصلاح مؤسساتها وتحصين سيادتها». وتتفرّع من هذا الخطاب العام، الذي أثبت فشله حتى الآن لا سيما في موضوع السيادة ومسألة التفاوض مع العدو الإسرائيلي، عبارة أخرى أقلّ عمومية، لكنها تشير إلى معنى السيادة المذكور، إذ اعتبرت في البيان الوزاري «مهمّة ترقى في عدد من القطاعات إلى إعادة بنائها من جديد». وهناك تفريع في البيان الوزاري أكثر تفصيلاً بشأن الكهرباء يتضمن الآتي: «نريد دولة تتحمل مسؤوليتها في إصلاح قطاعي المياه والكهرباء فتخرج البلاد من الظلمة وتزوّد المؤسسات بالطاقة مما يقتضي المباشرة بزيادة ساعات التغذية بالتيار الكهربائي تدريجياً وبأدنى كلفة ممكنة». وبهذا المعنى، فإن إحدى تجلّيات السيادة هي عملية الإصلاح التي تشمل قطاعي الكهرباء والمياه.
وإذا أضفنا طبقة جديدة لهذا الالتزام مما ورد في جدول الإصلاحات الذي أعدّته الحكومة لبرنامج عملها، فهناك ثلاث خطوات رئيسية: أوّلها تحديث ومراجعة قانون تنظيم الكهرباء، ثم تعيين أعضاء هيئة تنظيم قطاع الكهرباء، وأخيراً إعادة تنظيم مؤسسة كهرباء لبنان. لم يحصل من كل ذلك، سوى تعيين هيئة تنظيم قطاع الكهرباء التي أعدّت بالتنسيق مع الوزير، ومع أنها ليست مهمّتها أبداً ولا تقع ضمن صلاحيتها، ورقة عمل لإعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان.
ولم يناقش مجلس الوزراء ولا مرّة واحدة موضوع الكهرباء بشكل شامل يتضمن الخيارات المتاحة وأولويات التنفيذ… كان كل النقاش منصباً على عمليات الطوارئ التي اتخذت فيها القرارات كما اقترحها وزير الطاقة جو الصدّي.
كل هذه العبارات الرنانة وجداول الأعمال والبرامج والنقاشات أفضت إلى نتيجة واحدة لا صفة لها سوى «الفشل الحكومي»: الحكومة غير قادرة على الإصلاح. وما يثير الاستغراب في هذا المجال، أن السير الذاتية لعدد من الوزراء وعلى رأسهم وزير الطاقة جو الصدّي، فيها كل أنواع النجاحات في العمل خارج لبنان وحتى داخله، لكنّ أياً منهم لم يقدّم مقاربة واحدة للتعامل مع أزمة الكهرباء. بدا الأمر كأنه لا يعنيهم مطلقاً. فالحكومة لم تناقش المسألة في ما سبق، ولم يدعو رئيسها إلى اجتماع طارئ عندما بدأت ترتفع أسعار النفط العالمية، بل انتظر حتى تفاقمت المشكلة ودعا «نخبة النخبة» لديه، إلى لقاء خلص إلى أن الدولة ستتشدّد في التعامل مع أصحاب المولّدات. هذا هو العجز بعينه. «الفشل الحكومي» لم يعد كافياً للتوصيف. الحكومة العاجزة – الفاشلة هي وحدها من يتعامل مع مسألة بالغة الحساسية مثل الكهرباء، بهذه الطريقة. بعض الوزراء لا يريدون قولها علناً، لكنهم يقولونها في مجالسهم بوضوح: «ما خلّونا».
الحكومة تتعامل مع عوارض المرض المسمّى مولدات وتحاول قمع مافيات السلطة التي تترأسها إذاً، من هم أولئك الذين «ما خلّونا»؟ ليست هناك إجابات. فـ «هم» تعني أبناء السلطة، والسلطة بمكوّناتها القديمة والمتجدّدة تتضمن الجميع، سواء كانوا من عهد الحرب الأهلية، أي أمراء الحرب أو من بقي منهم حتى الآن مثل «حركة أمل» و«الاشتراكي»، أو الذين شاركوا في السلطة «على الهامش» مثل «حزب الله»، أو مثل المعارضة التي انتقلت إلى دفة السلطة لفترة مثل «التيار الوطني الحر» ثم «حزب القوات» حالياً، أو بقايا «تيار المستقبل»، أو حتى من أولئك الذين أطلق عليهم اسم التغييريين وعلى رأسهم نواف سلام وعدد من النواب والوزراء. الأمر الوحيد الذي نجح فيه هؤلاء كلّهم هو تعيين الهيئة الناظمة للكهرباء التي فاوض أعضاؤها على رواتبهم قبل التعيين، كما اعترف عدد منهم في جلسة أقيمت قبل بضعة أسابيع مع الصحافيين برعاية وزارة الطاقة في أوتيل «لو غبريال». نعم صار لدى هؤلاء وظيفة براتب 8 آلاف دولار شهرياً، وهم يعملون الآن على إيجاد مقرّ وتجهيزات لهم لبدء العمل مع إعداد تلك الورقة التي عرضها الصدّي على مجلس الوزراء ونالت موافقة الجميع في خمس دقائق فقط.
هي ورقة «تافهة» عن الإجراءات للانتقال من مؤسسة كهرباء لبنان إلى شركات الكهرباء في لبنان. هل المطلوب ان نناقش هذه الخطوة باعتبارها سياسات، أم أن نكتفي بما يصل من إجراءات لتطبيقها؟
على أي حال، النقاش في أصل المرض قد لا يكون علاجاً، لكنه الخطوة الأولى للعلاج، لأنه يعكس إقراراً من المعنيين بالمشكلة وبحجمها وبضرورة اللجوء إلى خيار ما. وذلك خلافاً لما يحصل الآن. فالنقاش الذي دار في رئاسة الحكومة هو في كيفية قمع المولّدات عن الغشّ. هم أصلاً وجدوا من أجل الغشّ وبسبب غياب السلطة عن مسؤولياتها. لكننا في حكومة سعد الحريري شرّعناهم، ومنحناهم قدرة على «الوجود» بتعرفة رسمية تصدرها وزارة الطاقة. والآن، نناقش لماذا ينفخون الفواتير، ولماذا هم مرتبطون بشبكات مافيوية في المناطق والأحياء في كل لبنان. أليست هذه نتاج هذه التركيبة السلطوية – الطائفية – الزبائنية التي تقدّس حدود الطوائف على حدود المواطنة؟
أليس الأمر هو أيضاً نتاج ذلك الصراع الذي دار بين حركة أمل والتيار الوطني الحرّ على مدى أكثر من 10 سنوات؟ أليست هذه نتائج انكفاء الصدّي ورئيسه سلام في التعامل مع أزمة الكهرباء وفي رؤية المخاطر المتعلقة بارتفاع أسعار النفط العالمية؟ ما هي الموارد التي خصّصتها الحكومة للتعامل مع هذا الملف؟ أليس وزير الطاقة السابق وليد فياض من رفع تعرفة الكهرباء إلى 27 سنتاً لكل كيلوواط يستهلك على أساس أن سعر برميل النفط العالمي يبلغ 110 دولارات، وبناء على ذلك صارت التغذية بالتيار تصل إلى 5 ساعات يومياً (الحلّ المؤقت)، بينما اليوم معدل سعر البرميل أقل من 90 دولاراً، وليس لديكم القدرة على تأمين التغذية بأكثر من ساعة واحدة يومياً؟ أصلاً هل قالت الحكومة ما هي المشكلة؟ ما هو تشخصيها؟
فشل وعجز وانكفاء. هذه سمات أهل السلطة في لبنان. نتائج أعمالهم صارت أكثر وضوحاً. التعامل مع الحلّ المؤقت هو الأساس، في مقابل تجاهل الحلّ الأساسي. سنبقى نعيش في هذه الرداءة لفترة ليست قصيرة. هل يعتقد أحد أن تأمين التغذية بالتيار الكهربائي لمدة تزيد على 18 ساعة يومياً سيترك أي مجال لإبقاء مافيا المولّدات على قيد الحياة؟ إذاً المسألة واضحة. كيف نشغّل المعامل الحالية لتأمين 10 ساعات تغذية يومياً بالحدّ الأدنى ثم رفعها إلى 18 ساعة؟ من أين ستدفع الدولة ثمن الفيول بالعملة الأجنبية لتشغيل المعامل؟ هل وزير المال وحاكم مصرف لبنان ياسين جابر على استعداد لتزويد كهرباء لبنان بالدولارات لشراء الفيول؟ هل هناك خطوط استيراد فيول أو أي وقود آخر لتشغيل المعامل مع تسهيلات بالدفع مثل العقد العراقي؟ الحكومة لا تناقش الأسئلة المهمّة، وإذا كانت تفعل ذلك، فالمصيبة أكبر في ظل النتيجة الحالية.
