من فنزويلا إلى إيران: هل الحرب الأميركية هي حرب على الثروة؟
كتب باسم الموسوي
ثمة تفصيل في الخبر الآتي من فنزويلا يجعل من الصعب النظر إليه بوصفه خبراً نفطياً عادياً. إدارة دونالد ترامب لم تكتفِ بإسقاط نيكولاس مادورو، ولم تكتفِ بالحديث عن إعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي بواسطة الشركات الأميركية، بل بدأت، وفق ما كشفته «Axios»، التفاوض للحصول على حصة ملكية أميركية مباشرة في حقول نفطية فنزويلية ضخمة. والأكثر دلالة أن ترامب كان يناقش هذه الفكرة في دوائره الخاصة حتى قبل أن يأذن بالعملية التي انتهت بإطاحة مادورو. والحقول التي كانت موضع التفاوض تضم نحو 90 مليار برميل من الاحتياطيات المثبتة. ثم أعلن ترامب في 28 آب ما وصفه بأنه أكبر اتفاق نفطي في التاريخ، وسط استمرار الغموض حول بعض تفاصيله النهائية.
هذه الواقعة تستحق أن توضع إلى جانب الحرب الأميركية على إيران، لا بعيداً عنها. ليس لأنها تثبت، وحدها، أن واشنطن خاضت حربها على إيران «لسرقة النفط»؛ فهذا استنتاج سببي أكبر مما تسمح به الأدلة المنشورة حتى الآن. لكن فنزويلا تكشف شيئاً أعمق: كيف تنظر القوة الأميركية إلى ثروات الدول التي تدخل معها في صراع، وكيف يمكن أن تنتقل من العقوبات والحصار وتغيير السلطة إلى إعادة ترتيب الوصول إلى الموارد وملكيتها واستثمارها بما يخدم أمن الولايات المتحدة ومصالحها.
من هنا يصبح السؤال عن إيران مشروعاً: عندما تتحدث واشنطن عن تغيير النظام الإيراني أو «إنهائه»، كما بات يفعل بعض المسؤولين والكتاب الأميركيين، ما إيران التي تتخيلها في اليوم التالي؟
إيران ليست مجرد نظام سياسي أو برنامج نووي أو ترسانة صاروخية. إنها أيضاً واحدة من أغنى دول العالم بالطاقة، تقع فوق احتياطيات هائلة من النفط والغاز، وتشرف على أحد أهم الممرات البحرية في الاقتصاد العالمي. وتقول إدارة معلومات الطاقة الأميركية نفسها إن العقوبات الدولية والاستثمار المحدود كبّلا قطاع النفط الإيراني لسنوات، وإن رفع العقوبات يمكن أن يسمح للإنتاج الإيراني بالعودة إلى طاقة تقارب 3.8 ملايين برميل يومياً.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى بنية الخطاب الأميركي.
في فنزويلا، تُروى القصة على النحو التالي: الاشتراكية وسوء الإدارة دمّرا قطاع النفط؛ الولايات المتحدة أطاحت مادورو؛ الشركات الأميركية ستعيد بناء القطاع؛ ومن الطبيعي، تالياً، أن تحصل الولايات المتحدة والشركات المرتبطة بها على موقع مركزي في استثمار الثروة.
ما يختفي من هذه الرواية هو أن واشنطن نفسها أمضت سنوات في فرض عقوبات خانقة على صناعة النفط الفنزويلية وعزلها عن التمويل والأسواق والتكنولوجيا. هذا لا يلغي مسؤولية السياسات الداخلية الفنزويلية عن التدهور، لكنه يجعل إرجاع الكارثة كلها إلى «الاشتراكية» عملية انتقائية شديدة الوضوح.
والنمط نفسه قابل للظهور في إيران.
تفرض الولايات المتحدة العقوبات على النفط الإيراني، ثم تمنع الآخرين من شرائه، ثم تعاقب السفن والمصارف والمصافي التي تتعامل معه، ثم تصف الاقتصاد الإيراني بأنه اقتصاد منهار وفاشل، ثم تستخدم هذا الانهيار دليلاً على فشل النظام الذي حاصرته.
المرحلة الجديدة أكثر وضوحاً. «Economic D-Day» التي أعلنها وزير الخزانة سكوت بيسنت تستهدف قطع ما سماه شرايين الحياة الاقتصادية المتبقية لإيران. وقد أضافت واشنطن عشرات الكيانات والأفراد والسفن إلى لوائح العقوبات، ووسعت نطاق القطاعات التي يمكن استهدافها. والهدف المعلن لم يعد مجرد التأثير في قرار نووي محدد، بل الوصول إلى ما تسميه الإدارة «الخنق الاقتصادي» للنظام.
والنفط في قلب العملية.
الصين هي المشتري الأساسي للنفط الإيراني. ولهذا أصبحت المصافي والمصارف وشركات الشحن الصينية المشكلة المركزية أمام الاستراتيجية الأميركية. واشنطن لا تقول للصين فقط: لا تساعدي إيران عسكرياً؛ بل تقول لها عملياً: لا تشتري نفطها. ومن لا يمتثل يمكن حرمانه من النظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
هذه ليست سوقاً حرة بالمعنى التقليدي للكلمة. إنها سوق تحدد القوة المهيمنة فيها، بدرجة كبيرة، من يستطيع بيع سلعة أساسية، ومن يستطيع شراءها، وبأي عملة، وعن طريق أي مصرف، وعلى أي سفينة، وتحت أي تأمين.
هنا يظهر المعنى الاقتصادي الحقيقي للهيمنة.
فالهيمنة ليست أن تحتل دولةً وتضع جنودك فوق آبارها بالضرورة. تلك صورة استعمارية قديمة ومكلفة. في النظام الحديث يمكن تحقيق قسم من النتائج نفسها بأدوات أكثر تعقيداً: السيطرة على النظام المالي، العقوبات الثانوية، الحصار البحري، التأمين، التكنولوجيا، الاستثمار، الملكية، والوصول إلى الأسواق.
بعبارة أخرى، لم يعد ضرورياً أن تضع يدك حرفياً على البئر لكي تتحكم في القيمة التي تخرج منها.
وهذا ما يجعل المثال الفنزويلي شديد الأهمية لفهم ما يمكن أن يكون مطروحاً لإيران.
فالمسألة في فنزويلا لم تتوقف عند تغيير السياسة الخارجية للحكومة الجديدة. لقد انتقلت بسرعة إلى السؤال الأكثر مادية: من سيستثمر النفط؟ من سيملك الحصص؟ من سيقرر الشركات التي تدخل؟ وإلى أين ستتجه البراميل؟
وكان ترامب واضحاً بصورة استثنائية في كانون الثاني. فقد نقلت Axios عنه، في حديثه إلى شركات النفط الأميركية بعد إسقاط مادورو، قوله إن الولايات المتحدة ستكون صاحبة القرار بشأن الشركات التي تعيد بناء الصناعة، مضيفاً أن الشركات ستتعامل مباشرة مع واشنطن، لا مع فنزويلا. وبعد أشهر، انتقلت المسألة من إعادة البناء إلى البحث في حصة ملكية أميركية مباشرة.
هذا التحول يجعل من المشروع قراءة الدعوات الأميركية إلى إسقاط النظام الإيراني في ضوء الاقتصاد السياسي، لا في ضوء الخطاب الأيديولوجي وحده.
لنفترض أن الجمهورية الإسلامية انهارت وظهرت في طهران سلطة تعتمد في بقائها على واشنطن وحلفائها. سيكون أمامها اقتصاد متضرر بشدة، وحاجة هائلة إلى الرساميل، وإعادة بناء منشآت الطاقة والبنية التحتية، والحصول على التكنولوجيا، واستعادة العلاقات المصرفية والتأمين والشحن.
من يمتلك كل هذه المفاتيح؟
إلى حد بعيد، الغرب نفسه الذي شارك في خنق الاقتصاد.
وهنا تنشأ علاقة قوة غير متكافئة بصورة هائلة. تستطيع السلطة الجديدة نظرياً أن ترفض شروط الولايات المتحدة، لكن حاجتها إلى رفع العقوبات والتمويل والاستثمارات والأسواق ستجعل قدرتها التفاوضية محدودة. عندها لن يكون ضرورياً «سرقة النفط» بالصورة البدائية للكلمة. يكفي إعادة كتابة شروط دخوله إلى السوق العالمية: العقود، الامتيازات، الشركات، الأسعار، طرق التصدير، وجهات البيع، وأدوار الشركات الأجنبية في الإنتاج.
وهذا هو الشكل الحديث الأكثر ذكاءً للاستحواذ الإمبراطوري: تحويل التفوق السياسي والعسكري والمالي إلى حقوق اقتصادية تبدو، على الورق، عقوداً تجارية طوعية.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تستطيع ببساطة تكرار فنزويلا في إيران. الفارق بين البلدين هائل. إيران دولة يزيد سكانها على تسعين مليون نسمة، ولديها مؤسسات عسكرية وأمنية راسخة، وقاعدة صناعية، وشبكات إقليمية، وعلاقات استراتيجية واقتصادية مع الصين وروسيا، وقدرة على إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد العالمي عبر الخليج ومضيق هرمز.
وهذا تحديداً قد يفسر جانباً من صعوبة إخضاعها.
فالمشكلة الأميركية ليست وجود النفط الإيراني، بل أن طهران تريد أن تمتلك قرار نفطها: لمن تبيعه، وكيف تبيعه، وكيف تستخدم عائداته، ومن دون أن تكون واشنطن قادرة على تحديد هذه الخيارات.
ولهذا تصبح الصين شديدة الأهمية. بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية تظهر أن صادرات الخام والمكثفات الإيرانية إلى الصين ارتفعت، وفق تقديرات Vortexa التي تعتمدها الإدارة، من نحو 311 ألف برميل يومياً عام 2020 إلى نحو 1.44 مليون برميل يومياً عام 2024. أي أن الصين بنت عملياً منفذاً يسمح لإيران بتحويل جزء كبير من ثروتها النفطية إلى دخل رغم النظام الأميركي للعقوبات.
ومن هنا فإن الصراع على إيران ليس صراعاً على النفط وحده، بل أيضاً على السيادة على النفط.
من يقرر مساره؟
طهران وبكين أم واشنطن؟
وهذا فارق جوهري.
فالولايات المتحدة ليست محتاجة إلى النفط الإيراني بالمعنى البسيط الذي كان يدفع الإمبراطوريات القديمة إلى احتلال منابع المواد الخام. أميركا نفسها منتج نفطي ضخم. لكن السيطرة على تدفقات الطاقة تمنحها شيئاً أكبر من البراميل: تمنحها القدرة على تنظيم شبكة القوة العالمية التي تقوم حول النفط والمال والممرات البحرية.
وهنا يدخل هرمز.
لقد أظهرت الحرب أن إيران تمتلك قدرة استثنائية على التأثير في أحد الشرايين الرئيسية للطاقة العالمية. وهذا يعني أن المسألة ليست حقول النفط الإيرانية وحدها، بل العلاقة بين الحقول والمضيق والخليج والصين والهند وأسواق آسيا.
إيران المستقلة عن الإرادة الأميركية تستطيع استخدام هذه الجغرافيا لمقاومة واشنطن.
أما إيران ضعيفة أو تابعة سياسياً، فإن الجغرافيا نفسها تتحول من مصدر قوة إيرانية إلى عنصر في منظومة الطاقة التي تقودها الولايات المتحدة.
وهذا يعيدنا إلى فنزويلا.
الحرب الإيرانية نفسها أصبحت أحد الأسباب التي تدفع واشنطن إلى الإسراع في تأمين النفط الفنزويلي. Axios تقول صراحة إن حربي إيران وأوكرانيا واضطراب إمدادات الطاقة يضيفان ضغطاً لإنجاز الصفقة الفنزويلية. وفي الوقت نفسه انخفضت المخزونات النفطية الاستراتيجية الأميركية بقوة خلال 2026؛ وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة انخفاضها من نحو 413 مليون برميل في الربع الأول إلى نحو 321 مليوناً في الربع الثاني.
وهنا تكتمل المفارقة.
واشنطن تخوض حرباً في الخليج ترفع كلفة الطاقة وتضغط على احتياطياتها، ثم تبحث عن أمنها الطاقوي في بلد آخر أُسقطت سلطته بعملية أميركية، ثم تتحرك للحصول على حصة في حقوله النفطية.
إنها صورة مكثفة للغاية للاقتصاد السياسي للقوة.
ولذلك ينبغي ألا نختزل السؤال الإيراني في البرنامج النووي. النووي والصواريخ وإسرائيل وأمن الخليج عناصر حقيقية وأساسية في الصراع. لكن خلفها توجد مسألة أكبر: من يقرر في فضاء يمتلك بعض أهم احتياطيات الطاقة والممرات البحرية في العالم؟
الولايات المتحدة تريد نظاماً إقليمياً تستطيع فيه ضمان تدفق الطاقة، وحماية حلفائها، ومنع خصومها من تحويل النفط والممرات البحرية إلى أدوات قوة مستقلة عنها.
وإيران، منذ 1979، تمثل النقيض البنيوي لهذا النظام.
لذلك قد يكون إسقاط النظام الإيراني بالنسبة إلى دعاة الحرب في واشنطن أكثر من انتصار سياسي أو أمني. إنه، في تصورهم، فرصة لإعادة إدخال دولة شديدة الثراء بالطاقة إلى منظومة اقتصادية وأمنية تقودها الولايات المتحدة.
وما حدث في فنزويلا يجعل السؤال مشروعاً على نحو لم يكن نظرياً من قبل.
فالإمبراطوريات لا تقول عادة إنها جاءت لتنهب.
تقول إنها جاءت لتحرر، أو تستعيد الاستقرار، أو تنقذ الاقتصاد، أو تحمي الأمن، ثم تبدأ بعد ذلك المفاوضات حول الموانئ والحقول والمصارف والعقود.
لهذا ربما يكون السؤال الأصح عن الحرب الأميركية على إيران ليس فقط: ماذا تريد واشنطن من طهران؟
بل أيضاً:
من سيملك القرار في اليوم التالي، ومن سيقرر مصير النفط والغاز والمضائق والثروة الإيرانية؟
وفنزويلا تعطينا الآن سبباً وجيهاً جداً لطرح السؤال.
