بقلم الدكتور محمد خليل رضا
عندما يمتنع سجين معيّن، في هذه الدولة أو تلك من العالم، عن تناول أدويته، ويهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور، وينفذ إضرابه عن الطعام والشراب والأدوية… ففي هذه الحالة ينحرف الموضوع، وبقدرة قادر، عن مساره القضائي، ولو مؤقتًا، ويتسلل إلى الحالة العامة لصحة السجين.
والذي، من خلال عمله هذا، كان يحاول – ومن بركات وشطارة محاميه؟ – تجميع أركان الأسباب التخفيفية لملفه، إذا كان مريضًا حقيقيًا (VRAI MALADE؟) أو مريضًا كاذبًا (PSEUDO MALADE؟).
والله أعلم بما في الأنفس.
والقضاء المختص يعين له طبيبًا عسكريًا لمعاينته، وإجراء ما يلزم.
هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، في فرنسا لا نجد أثرًا لهذه الحركات المشبوهة، والمبهمة، والمفبركة، التي تحمل بصمات محاميه، أو «راجح في الظل»؟ إلا في حالات نادرة جدًا، وأحيانًا لمرة واحدة.
في فرنسا هناك احترام كامل ومطلق، إن لم أقل «تقديس»، لما يطلق عليه في لغة:
- القانون الطبي.
- علم الضحية.
- الأذى الجسدي.
- علم الجرائم.
- المسؤولية الطبية (LA RESPONSABILITÉ MÉDICALE).
ولها ألف بائها، ومعاييرها، وممارستها.
ويعين القضاء الفرنسي، إذا حصلت حالة مشابهة، قد يكون السجين فرنسيًا ومن أصول عربية، أو من العالم الثالث، أو… أو… من يعلم؟ الله أعلم.
قلت: يعين طبيبًا مختصًا، قضائيًا، ومحنكًا، ويحترم علمه وقسمه الطبي، لمعاينة هذا السجين أو ذاك.
شرط أن يكون طبيبًا محلفًا، ومسجلًا وفق الأصول القانونية على لائحة المحاكم في وزارة العدل، وتنتدبه المحاكم لمهمات وتحقيقات معينة وذات اختصاص.
وأيضًا طبيب اختصاصي في الطب النفساني الشرعي (PSYCHIATRIE LÉGALE).
ونقطة على أول السطر.
فمثلًا، إذا كان هذا السجين «اللغز» يدعي أنه مصاب بارتفاع في ضغط الدم، فتوجد عدة أساليب وفحوصات واختبارات وغيرها للتأكد من ذلك طبيًا وعلميًا.
ويتدرج الطبيب المختص، بدءًا من قياس ضغط الدم باستمرار، وعلى الجهة اليمنى والجهة اليسرى، وعلى فترات مدروسة.
ويلجأ أحيانًا إلى وضع جهاز هولتر (HOLTER) يعلقه في جسمه لتسجيل ضغط الدم لمدة 24 ساعة.
وحينها يقرر الطبيب، بناءً على قراءة نتائج هذا الجهاز، إما أن يكمل في التحقيق الطبي (INVESTIGATION) للتقصي والتحري والتعمق في سبب ارتفاع ضغط الدم، أو يكتفي بذلك مؤقتًا، ولأكثر من سبب.
بالطبع، بعد أن يكون قد استبعد:
- أورام الغدة الكظرية (SURRÉNALE).
- أورام الكلى والجهاز العصبي.
- عدم وجود تضيق شديد جدًا في شرايين الكلية اليمنى واليسرى.
- فحص هرمونات التوتر:
- ADRENALINE
- NORADRENALINE
- والكورتيزون.
وأهم شيء فحص الرينين (RENINE)، وANGIOTENSINE وأخواته، وأن تكون جميعها طبيعية.
وإذا أراد الطبيب أن يتأكد من أن المريض يتناول أدوية معينة للضغط، يطلب حينها أخذ عينات من الشعر، الذي يخزن ويركز الأدوية ومواد أخرى في الجسم لأكثر من ثلاثة أشهر.
ومراقبة طعامه بدقة، إذا كان مالحًا.
ويطلب أيضًا فحص الكهارل (ÉLECTROLYTES) لأكثر من سبب.
وفحوصات أخرى من زاوية الطب الشرعي وأخواته.
ويضع نصب عينيه، وفي ذاكرته، أنه سيلجأ في وقت ما إلى الاستعانة بفحص جهاز كشف الكذب (البوليغراف – POLYGRAPHE).
وهذا من ضمن خبرته، ومهارته، واستراتيجيته العلاجية، وحنكته في هذا المجال.
وكما قلت، يتدرج رويدًا رويدًا في فحص هذا الذي يعاينه: هل هو مريض حقيقي (VRAI MALADE)؟ أم مريض كاذب (PSEUDO MALADE)؟ أم مريض وهمي، وسجين محترف يبحث عن ثغرات معينة لـ«فركشة» القضية، وإطالة أمدها، وتضليل القضاء، وتأخير صدور الحكم، وإطالة المدة الزمنية؟
ويعاين قلبه، ويمر في فحص روتيني وعادي لتخطيط كهربائية القلب (E.C.G).
ثم يتدرج إلى فحص الجهد (STRESS TEST).
وإذا شك في حالة معينة، يطلب له تمييل شرايين القلب (CORONAROGRAPHIE).
وعلى ضوء هذه الفحوصات المعمقة لوضعية السجين، إذا كان فعلًا مريضًا حقيقيًا، أو منتحل صفة مريض كاذب ووهمي، يُبنى على الشيء مقتضاه.
وفي بعض الحالات، تعين المحكمة لجنة من الخبراء والاختصاصيين، كلٌّ في مجاله، وذلك بحسب ظروف ومضمون كل ملف.
أحيانًا يتمارض هذا السجين أو ذاك، أيًا يكن منصبه السابق، ولأكثر من سبب وسبب، وبالاتفاق مع محاميه، «الفلهوي؟»، ومعطوفًا ذلك على لمسات أحد النافذين من رجال السياسة، أو رجال الدين، أو من ضمن الحلقة الضيقة لكاتمي أسراره، في هذه الدولة أو تلك من العالم.
ولا يكتفي الطبيب المعالج، والمخول من المحكمة بكامل الصلاحيات الطبية وأخواتها للتحري والتقصي وفك أسرار وألغاز مرضه، الوهمي أو الحقيقي، والعمل بما يراه مناسبًا.
وقد يلجأ إلى زيارة خاطفة إلى مرجعه الروحي، لطائفته أو مذهبه، هذا «المريض اللغز»، ولأكثر من سبب وسبب.
وأيضًا بالاجتماع والتحدث وجهًا لوجه مع أفراد عائلته، وإذا كان عمره مناسبًا، التحدث مع أهله، الأم والأب إذا كانا على قيد الحياة، أو التحدث مع زوجته وأبنائه وبناته، وذلك أيضًا لأكثر من سبب وسبب.
وعندما يقيم، في النهاية، الطبيب المعالج، الفهمان، والمحنك، والقبضاي… وضعية ما يطلق عليه في البداية «سجين مريض»، وبعد التمعن الدقيق في ملفه الطبي الكامل والشامل، وقراءة النتائج المخبرية، والشعاعية على أنواعها، واستمزاج آراء الأطباء الآخرين المختصين (لجنة الأطباء)، كلٌّ في اختصاصه، ومهارته، ومهنته، وحنكته…
ففي هذه الحالة، يتكئ الطبيب المعالج على كل ما ذكرته لكتابة التقرير النهائي المعلل، وبحيادية مطلقة، وبمهنية، وبمتن وازن، وقانوني، وعلمي، وهنا يكون قسمه الطبي وسمعته على المحك، ثم يسلمه أصولًا إلى من يعنيه الأمر.
وأكرر: شرط أن يكون هذا الطبيب محلفًا، وموجودًا على لائحة الأطباء المحلفين في المحاكم وقصور العدل.
ولا يتكئ تقريره على ما يقوله هذا الطبيب العسكري أو ذاك، الذي عينه القضاء، والذي لا يسلك الفحوصات المخبرية، والهرمونية، والشعاعية على أنواعها، فهذا يحتاج إلى وقت كافٍ.
وليس كما يصدر في بعض دول العالم أنه، بتاريخ اليوم، فحص الطبيب العسكري السجين (X)، وبناءً عليه تقرر متابعة علاجه، وكان ضغطه 16/9، ووضعنا له ممرضًا، وجهاز أوكسجين… إلى آخره.
وهذا الكلام، وهذه التسريبات الإعلامية، في اليوم الثاني… ما بتمشي بفرنسا.
أرجعوا إلى ما قلته في بداية المقالة عن المسؤولية الطبية (LA RESPONSABILITÉ MÉDICALE).
فنتائج هذه الفحوصات المخبرية، والصور الشعاعية، وأخواتها، تحتاج إلى وقت… وقت… ووقت، وليس إلى إعطاء معلومات مشكوك في صدقيتها، أو علميتها، أو مصدرها.
«تفه على هيك علم؟ سلق؟ بسلق؟»
فالأمر لي، والكلمة النهائية لي… يعني للطبيب المعالج، الذي فحص، ودقق، وطلب فحص:
- RENINE
- ADRENALINE
- NORADRENALINE
- CORTISONE
- ANGIOTENSINE
وهرمونات وإنزيمات أخرى، وطلب صورة رنين مغناطيسي للدماغ، وتمييلًا لشرايين القلب، وغير ذلك.
له صدى إيجابي، ويؤخذ به علميًا، وطبيًا، وطبًا شرعيًا، وأكاديميًا، وضميريًا، وقانونيًا، بكافة المقاييس.
ويؤخذ به في فرنسا، وحتى من زاوية الطب الشرعي وأخواته.
أما من يقول إن السجين الذي ضغطه (X) بحاجة إلى جهاز أوكسجين، وممرض، وما إلى ذلك، فهذا كلام غير علمي، وغير وازن، ومرفوض جملةً وتفصيلًا، ولا يؤخذ به، أكرر، في فرنسا.
ومكانه يكون في العناية المركزة، وتحت المراقبة الصارمة (MONITORING)، التي تعمل باستمرار لمتابعة الاستقرار الهيموديناميكي (HÉMODYNAMIQUE)، وثبات جميع العلامات الحيوية، من ضغط، وتنفس، ونبض، ووعي ذهني سليم، ونسبة الأوكسجين، ونبضات القلب، وغيرها وغيرها.
وإلا، ففي حال إجراء ما يُطلق عليه في لغة الطب الشرعي:
التحقيق الطبي الشرعي
(EXPERTISE MÉDICO-LÉGALE)
والتحقيق الطبي الشرعي المضاد
(CONTRE-EXPERTISE MÉDICO-LÉGALE)
قد يُطال، وبالقانون، من أصدر هكذا معلومات ونشرها مباشرة في الإعلام، وكذلك الطبيب الذي عاين السجين بصورة متسرعة، ولم يلجأ، وربما لن يلجأ، إلى رزمة الفحوصات المخبرية والشعاعية على أنواعها، كما هو الحال في أمور مشابهة قد تحصل في فرنسا.
سأذهب إلى أبعد من ذلك أنا، الدكتور محمد خليل رضا، ومن خلال موقعي العلمي المتواضع جدًا، جدًا، جدًا، وأتكلم من زاوية الطب الشرعي وأخواته، لجهة معاينة هكذا حالات حساسة، ومعقدة، ومصيرية، وطبية، وإنسانية…
ولنفترض أن هذا المريض السجين، الذي عمل TOUR في المستشفيات، توفي على سريره، وفي المستشفى، والطبيب العسكري الذي عاينه قال في بداية الأمر إن وضعه الصحي لا يحتاج إلى… ووصف له…، ومن دون أن يجري له كل ما ذكرتُه من فحوصات مخبرية وشعاعية للتأكد من أنه مريض ضغط، أو قلب، أو شرايين…
وأكرر: توفي داخل المستشفى.
عندها، فإن تشريح الجثة، وأخذ رزمة العينات في إطار علم السموم (BILAN TOXICOLOGIQUE)، وهي:
- الدم الوريدي.
- الدم الشرياني.
- البول.
- المرارة.
- محتويات المعدة.
- السائل الزجاجي للعين (HUMEUR VITRÉE).
- الشعر.
والانتباه، وترليون انتباه، إلى فحص مسير الأوردة والشرايين في الأطراف العليا والسفلى، وتحت الإضاءة القوية، للتحري عمّا إذا كان قد أُعطي هذا السجين «اللغز» إبرة هواء، فتوفي، وهو المصنف قانونًا في خانة السجين، من جلطة غازية.
وأكرر: إبرة هواء قد تؤدي إلى تصفيته فورًا، لكن تشريح الجثة يكشف ذلك.
صدقوني، هذه الحالات حصلت، وترليون حصلت، في هذه الدولة أو تلك من العالم.
وهي مستشفيات عملاقة، تخرج أطباء يتكلمون اللغات الأجنبية، الإنجليزية والفرنسية، ومستشفيات جامعية، ومعروفة في الوسط الطبي، وفي عاصمة هذه الدولة أو تلك من العالم.
ويكون ذلك، وبالاتفاق، قبل أن ينكشف أمر من هندس، وخطط «ميكروسكوبيًا» هذا الفعل، وكان «المايسترو» ومن وراء الظل.
ساعتها… مين بده يحط عينه بعيون الثاني؟
والعوض بسلامتكم.
وإن اللبيب من الإشارة يفهم.
اللهم اشهد أني قد بلغت.
الدكتور محمد خليل رضا
