بقلم: الدكتور محمد خليل رضا
أتساءل: هل كانت الجثث التي دُفنت في لبنان خلال الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان جثثًا كاملة؟ أم ما تبقى منها؟ أم أشلاء؟ وهل كانت الرؤوس موجودة؟ هذه أسئلة أطرحها من منظور إنساني وعلمي، مع بعض الملاحظات المختصرة.
أطرح هذا السؤال على نفسي وأصرّ عليه، أولًا كمواطن وإنسان لبناني، وثانيًا كطبيب شرعي، واختصاصي في تشريح الجثث، وعلم الضحية، والأذى الجسدي، والقانون الطبي، وعلم الجريمة، وجراح، وأستاذ جامعي، إضافة إلى اختصاصات أخرى.
أتساءل عن الطريقة التي دُفن بها الشهداء، رحمهم الله، ضحايا العدوان الإسرائيلي المدمر على لبنان منذ 2 آذار (مارس) 2026 وما قبله وحتى تاريخه.
وأسأل:
- هل كانت جثثًا كاملة؟
- أم ما تبقى من الجثث؟
- أم أطرافًا مبتورة؟
- أم أشلاء؟
- أم رؤوسًا متطايرة؟
- وهل كان الرأس موجودًا مع الجثة؟
- وهل… وهل…؟
إنه سؤال لا أملك حتى تاريخه جوابًا عليه، لأننا لم نشاهد ما كان داخل النعوش المحمولة على الأكتاف، وأعتذر سلفًا عن طرحه.
أتحدث هنا بصفتي طبيبًا شرعيًا، وبناءً على الاختصاصات التي ذكرتها، وبكل تواضع.
إنه سؤال إنساني يمليه عليّ ضميري ووجداني، كما يفرضه عليّ العلم والطب والطب الشرعي، وليس في طرحه أي سوء نية، بل هو سؤال مشروع.
وأكرر أنني لا أملك الإجابة حتى الآن، لكنني سأحاول التدرج، وبحذر شديد، للاقتراب من بعض جوانب الإجابة، ولو بنسبة معينة قد تصل إلى نحو (X%)، وذلك من زاوية الطب الشرعي والعلوم المرتبطة به.
يتفق الجميع، في إطار الطب الشرعي، على التعريف العالمي للجثة:
CRÂNE + POST-CRÂNE
أي: الجمجمة (الرأس والوجه)، إضافة إلى باقي أجزاء الجثة كاملة، من دون زيادة أو نقصان، مع وجود جميع العظام وعدم فقدان أي جزء منها، سواء في الجهة اليمنى أو اليسرى.
وفي هذه الحالة، يمكن القول إننا أمام جثة كاملة، أما إذا كان الأمر خلاف ذلك، فيُدوَّن رسميًا في التقرير النهائي أنها «ما تبقى من جثة».
وبطبيعة الحال، يسبق ذلك أخذ عينات لإجراء فحص الحمض النووي (DNA)، بهدف التأكد من هوية الجثة بصورة علمية وقانونية.
لكن عندما نتابع مواكب تشييع الشهداء، رحمهم الله، سواء في مسقط رأسهم أو في مناطق أخرى، أو حتى عندما كانوا يُدفنون مؤقتًا بسبب ظروف الحرب والحزام الناري، تمهيدًا لنقلهم لاحقًا إلى بلداتهم الأصلية، نلاحظ مشهدًا متكررًا.
فنرى الأهالي، ورفاق الشهداء، وعناصر بلباسهم العسكري، وقد وضع كثير منهم كمامات أو غطوا وجوههم، وهم يحملون النعوش إلى مثواها الأخير.
ويحمل النعش الواحد نحو ثمانية أشخاص، يسيرون بخطوات ثابتة، وبدرجة عالية من التنسيق والانتظام، ويبدو من حركات أجسادهم وملامح وجوههم أنهم يحملون وزنًا ثقيلًا جدًا.
ولا أريد أن أتوسع أكثر في الحديث عما يوجد داخل هذه النعوش… فالله وحده أعلم.
لكننا، في المقابل، نسمع عبر وسائل الإعلام المحلية والعالمية شهادات لأهالي الشهداء، يؤكدون فيها أنهم لم يعثروا إلا على أجزاء صغيرة جدًا من أشلاء أبنائهم.
وتقول بعض الأمهات إنهن حفرن الأرض بأيديهن حتى عثرن على عظمة أو جزء من رفات أبنائهن، قبل أن يتم دفن تلك البقايا في مسقط الرأس أو في منطقة أخرى.
هنا أربط بين هذه الوقائع، وأرى أن من حقي، أولًا كإنسان ومواطن لبناني، وثانيًا من موقعي العلمي المتواضع، أن أتساءل: ماذا دُفن فعلًا؟ وماذا كان يوجد داخل تلك النعوش؟
وأذهب إلى أبعد من ذلك، فأتساءل: هل هذه الأشلاء الصغيرة جدًا تعود لاستشهاديين؟
وهنا يبرز سؤال آخر: هل أجرت الدولة اللبنانية لهذه الأشلاء الصغيرة، والعظام، وغيرها، فحوص الحمض النووي (DNA) للتأكد، بصورة قانونية ورسمية وشرعية وطبية ومخبرية، من هوية أصحابها؟
أكرر السؤال: هل تعود هذه الأشلاء لاستشهاديين؟ أولئك الذين ألمح إليهم سماحة الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في أحد خطاباته عندما قال، حرفيًا: «نقاتل قتالًا كربلائيًا».
وقد يفهم البعض من هذا الكلام الإشارة إلى الاستشهاديين، ما لم يثبت عكس ذلك.
لكن، في المقابل، هناك أيضًا جثث لمدنيين من رجال ونساء وأطفال، كانوا من ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان، وقد استشهدوا داخل منازلهم، ولم يكونوا في جبهات القتال.
وقد تحولت جثث كثير منهم إلى أشلاء، أو بقايا جثامين، أو أطراف مبتورة، أو رؤوس متطايرة، تناثرت في أكثر من اتجاه، فيما كانت بعض الجثث شبه مذابة كليًا أو جزئيًا، أو متفحمة، أو متحللة، أو متعفنة، أو متآكلة، بصورة بالغة القسوة.
لكنني أستغرب غياب الدولة اللبنانية، ممثلة بوزارات الصحة، والعدل، والداخلية والبلديات، والبيئة، إضافة إلى ممثلي المحافظين وغيرهم، عن مواقع انتشال الجثامين، فلم نلحظ حضورًا فعليًا لمندوبي هذه الجهات أو حتى للوزراء.
وقد شمل ذلك أكثر من منطقة في لبنان، حيث الأبنية المدمرة والمساواة بالأرض، والجثث المنتشلة من تحت الركام أو من الطرقات.
وفي المقابل، أُوكلت هذه المهمة، بصورة شبه كاملة، إلى المسعفين وعناصر الدفاع المدني وسواهم، رغم أن هؤلاء، بطبيعة عملهم، ليسوا مختصين في الطب الشرعي أو في إجراءات معاينة الجثث وفق الأصول العلمية.
وإنصافًا، لا أحمّل هؤلاء العناصر أي مسؤولية، فهم كانوا يعملون وسط القصف والمعارك لإنقاذ المصابين، وإسعاف الجرحى، وانتشال الجثامين، في ظروف بالغة الخطورة.
لكنني أوجّه اللوم إلى الغياب الكامل واللافت للأطباء الشرعيين عن هذه المواقع.
فكان من الواجب، على الأقل، أن يحضر الطبيب الشرعي لمعاينة الجثة أو ما تبقى منها في مكان العثور عليها، ولو بمعاينة أولية، قد تكشف معطيات مهمة قبل نقلها إلى معهد الطب الشرعي أو إلى قاعات المشارح لاستكمال الإجراءات العلمية والقانونية.
وهذا ما يُعرف في الطب الشرعي باسم:
LEVÉE DU CORPS
أي المعاينة الأولية للجثة في مكان وجودها، قبل نقلها، وهي خطوة أساسية في التحقيقات الجنائية والطب الشرعي.
لكنني أوجّه اللوم أيضًا إلى الدولة اللبنانية والمسؤولين اللبنانيين، وأصحاب القرار، في العلن أو في الكواليس.
فلماذا لم يُطرح، عبر القنوات الدبلوماسية أو الوساطات أو ضمن ما سُمّي بـ«الاتفاق المباشر» أو «اتفاق الإطار» برعاية أميركية، ومباركة عربية وإسلامية وإقليمية، بندٌ أساسي يتعلق بتحديد هويات جثث الضحايا؟
كنت أتمنى أن يُطرح هذا البند بقوة على طاولة المفاوضات، وأن يُشترط إجراء فحوص الحمض النووي (DNA) لجميع الشهداء، رحمهم الله، الذين سقطوا خلال الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان منذ 2 آذار (مارس) 2026، وما قبل هذا التاريخ وحتى اليوم.
فهذا المطلب، برأيي، ليس سياسيًا فحسب، بل هو مطلب إنساني، وطبي، وشرعي، وقانوني، وأخلاقي، يرتبط بحق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة، وتحديد هوية كل جثمان بصورة علمية لا لبس فيها.
ولو أُدرج هذا البند بجدية، واستند إلى المعايير العلمية والإنسانية، لكان للبنان موقف أكثر قوة في هذا الملف.
لكننا لاحظنا، كما لاحظ كثير من المحللين السياسيين ورجال القانون، أن الدولة اللبنانية كانت تركز في المفاوضات على المطالبة بوقف العمليات العسكرية، وإعادة الإعمار، وعودة الأسرى، وغيرها من الملفات، من دون أن يظهر هذا المطلب الإنساني والطبي الشرعي بالوضوح نفسه.
وفي المقابل، كانت إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية، وتنفذ عمليات التفجير، وتدمر القرى والبلدات الجنوبية، وتسوي أحياء كاملة بالأرض.
وبحسب المركز الوطني للإنذار المبكر، فقد تم، منذ 2 آذار (مارس) 2026 وحتى تاريخه، تسجيل 1038 عملية تفجير نفذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بينها ثلاث عمليات أحدثت هزات أرضية بلغت قوتها 3.2 درجات على مقياس ريختر، وفق البيانات المنشورة.
وسبق أن أشرت، في أكثر من مقال وإطلالة إعلامية، إلى الطريقة التي تعامل بها الجانب الإسرائيلي مع ملف جثث جنوده أو ما تبقى منها.
فخلال الحرب في غزة، قامت القوات الإسرائيلية، بحسب تقارير متداولة، بنبش قبور، واستخراج جثامين، واقتحام مستشفيات ومراكز إيواء، وقصف منشآت كانت ترفع أعلام الأمم المتحدة، ومنظمات طبية وإغاثية وحقوقية، وذلك في إطار البحث عن جثث أو رفات جنودها، أو للتأكد من هوياتهم عبر فحوص الحمض النووي (DNA).
وكانت تنقل تلك الجثامين إلى داخل إسرائيل لإجراء الفحوص اللازمة، بغض النظر عن المدة الزمنية التي مضت على مقتل أصحابها، سواء كانت سنوات أو عقودًا.
وينسحب هذا، بحسب ما يورده الكاتب، على العملية التي نُسبت إلى قوة إسرائيلية خاصة في بلدة النبي شيت البقاعية، ليل الجمعة – السبت، في السادس من آذار (مارس) 2026، والتي قيل إن هدفها كان الوصول إلى رفات الطيار الإسرائيلي رون أراد، الذي فقد في لبنان في 16 تشرين الأول (أكتوبر) 1986.
وأخيرًا، أكرر السؤال الذي بدأت به هذه المقالة:
من يجيب عن هذا السؤال؟
هل دُفنت الجثامين بعد التحقق الكامل من هوياتها وفق الأصول العلمية والقانونية، أم أن هناك أسئلة ما زالت تنتظر الإجابة؟
وهل نكون، بقصد أو من دون قصد، قد ساهمنا في طمس أو إخفاء جزء من الجرائم المرتكبة، إذا لم تُحسم هذه المسائل وفق المعايير العلمية والشرعية والقانونية؟
