كتب باسم الموسوي
من نائب للرئيس إلى مهندس اليمين الأمريكي الجديد
لا يبدو جيه دي فانس اليوم مجرد نائب للرئيس الأميركي أو وريث محتمل للترامبية، بل واحدًا من أبرز السياسيين الذين يحاولون صياغة مرحلة ما بعد دونالد ترمب. فالرجل الذي دخل المجال العام من بوابة السيرة الشخصية، حين كتب عن انهيار مجتمعات الطبقة العاملة في الغرب الأوسط الأميركي، بات يقدم نفسه بوصفه حامل مشروع سياسي أكثر اتساعًا: محافظة قومية اجتماعية تشكك في حرية السوق المطلقة، وترفض الحروب التي لا تخدم المصالح الأميركية، وتربط الاقتصاد بالأسرة والدين والسيادة الوطنية.
رؤية متكاملة تربط الاقتصاد والمجتمع والسياسة
في هذا المعنى، لا تكمن أهمية فانس في مواقفه المنفردة من إيران أو إسرائيل أو الهجرة أو الصناعة، بل في محاولته جمع هذه الملفات داخل تصور واحد. فهو يريد إقناع الناخب الأميركي بأن تراجع الصناعة، وانهيار الأسرة، واتساع التفاوت الطبقي، والهجرة غير المنضبطة، والحروب الخارجية، ليست أزمات منفصلة، بل نتائج مختلفة لنموذج سياسي واقتصادي واحد حكم الولايات المتحدة خلال العقود الماضية.
نقد المحافظين التقليديين واقتصاد السوق الحر
ينطلق فانس من نقد واضح للمحافظة الجمهورية التقليدية التي جعلت خفض الضرائب، وإزالة القيود عن الشركات، وتحرير التجارة، وتقليص دور الدولة، مبادئ تكاد تكون مقدسة. وهو لا يرفض الرأسمالية، لكنه يرفض أن تتحول الأسواق إلى معيار وحيد للحكم على المجتمع. فاقتصاد ينتج سلعًا رخيصة وأرباحًا مرتفعة، لكنه يدمر المدن الصناعية ويقضي على الوظائف المستقرة ويجعل تأسيس الأسرة أكثر صعوبة، ليس اقتصادًا ناجحًا بالمعنى الذي يريده فانس.
التجربة الشخصية ومنطلق المشروع السياسي
هنا يظهر أثر تجربته الشخصية. فقد نشأ في بيئة عانت من التراجع الصناعي، والإدمان، والتفكك الأسري، وتآكل الثقة بالمؤسسات. ولم ير في هذه الظواهر مجرد إخفاقات فردية، بل نتيجة لنظام اقتصادي تخلى تدريجيًا عن قطاعات واسعة من الأميركيين. ولهذا يصر على أن العمل ليس مصدر دخل فحسب، بل هو أيضًا أساس للكرامة والانضباط والانتماء الاجتماعي.
من هذه الزاوية، يطرح فانس نفسه ممثلًا ليمين جديد لا يكتفي بالدفاع عن أصحاب الأعمال، بل يريد استعادة العمال الذين ابتعدوا عن الحزب الديمقراطي من دون أن يندمجوا بالكامل في المشروع الجمهوري القديم. وهذا ما يفسر حديثه المتزايد عن ضرورة حماية الصناعة الوطنية، وتقوية النقابات، ومواجهة الاحتكارات، ومنح الدولة دورًا أكبر في توجيه الاستثمار إلى القطاعات الحيوية والمناطق المتراجعة.
الرأسمالية المقيدة والبعد الاجتماعي للمحافظة
إنه يتحدث بلغة محافظة، لكنه يقترب في بعض تشخيصاته من النقد اليساري للرأسمالية. فهو يحذر من أن التفاوت المفرط في الثروة، وانعدام فرص التملك، وتراجع القدرة على تكوين الأسر، ستدفع الشباب نحو الاشتراكية. غير أن فانس لا يرى الحل في الاشتراكية، بل في ما يمكن تسميته رأسمالية مقيدة بأهداف اجتماعية وأخلاقية وقومية.
ويرتبط هذا التوجه بتأثره بالفكر الاجتماعي الكاثوليكي، الذي يرفض الفردانية الاقتصادية كما يرفض الصراع الطبقي الشامل. وفي هذا التصور، لا يكون الإنسان مجرد مستهلك أو عامل مستقل، بل عضوًا في أسرة ومجتمع وأمة. لذلك يجب أن تخدم الملكية الخاصة والاستثمار والنمو الاقتصادي استقرار المجتمع، لا أن تتحول إلى غايات مستقلة عنه.
الأسرة والهوية والهجرة في فلسفة فانس السياسية
من هنا أيضًا تأتي مواقف فانس الاجتماعية المحافظة. فهو يعارض الإجهاض، ويدافع عن الأسرة التقليدية، ويتبنى موقفًا متشددًا تجاه الهجرة، انطلاقًا من اعتقاده بأن المجتمع السياسي لا يستطيع الاستمرار إذا فقد حدوده وهويته ومؤسساته الأساسية. فالحرية، في نظره، ليست قدرة الفرد على فعل ما يشاء، بل ثمرة انتمائه إلى شبكة من الواجبات والعلاقات والعادات المشتركة.
غير أن هذا التصور يواجه انتقادات أساسية. فخصوم فانس يرون أن حديثه عن الأسرة والنظام الأخلاقي قد يتحول إلى تبرير لتقييد الحقوق الفردية وفرض نموذج اجتماعي واحد على مجتمع شديد التنوع. كما أن دفاعه عن التماسك الوطني يمكن أن يُستخدم لتبرير سياسات قاسية في الهجرة أو لتضييق المجال أمام الأقليات وأنماط الحياة المختلفة.
السياسة الخارجية… قطيعة مع الإرث الجمهوري التقليدي
أما في السياسة الخارجية، فيبدو فانس أكثر وضوحًا في تمرده على الإرث الجمهوري التقليدي. فهو يرفض الحروب المفتوحة، وينتقد سياسات تغيير الأنظمة وبناء الدول، ويشكك في جدوى أن تتحمل الولايات المتحدة أعباء الدفاع عن حلفائها إلى أجل غير مسمى. ومن هنا تأتي دعوته إلى إخضاع كل التزامات واشنطن الخارجية لمعيار واحد: هل تخدم المصلحة الأميركية المباشرة أم تستنزفها؟
إن شعار «أمريكا أولًا» عند فانس ليس مجرد عزلة أو انسحاب من العالم، بل محاولة لإعادة ترتيب الأولويات. فهو لا يعارض القوة العسكرية في ذاتها، لكنه يريد استخدامها بصورة محدودة، ولأهداف واضحة، وضمن استراتيجية تتجنب التورط في حروب بلا نهاية. كما أنه لا يرفض التحالفات، لكنه يرفض أن تتحول مصالح الحلفاء إلى بديل من المصالح الأميركية.
إيران… الدبلوماسية بدل الحروب المفتوحة
وتظهر هذه الرؤية بوضوح في موقفه من إيران. فهو ينظر إلى الحرب الشاملة معها باعتبارها مخاطرة غير محسوبة، قد تؤدي إلى إغلاق طرق الطاقة، وارتفاع أسعار النفط، وتدفق ملايين اللاجئين، وانهيار دولة كبيرة على نحو يعيد إنتاج الفوضى التي أعقبت الحروب الأميركية السابقة في الشرق الأوسط.
لذلك يميل فانس إلى التفاوض والتسويات، ليس تعاطفًا مع إيران، بل لأن الدبلوماسية أقل كلفة من الحرب وأكثر قدرة على حماية المصالح الأميركية. وهو يرى أن محاولة تغيير النظام الإيراني قد تدفع الولايات المتحدة إلى تحمل مسؤولية بلد ضخم ومعقد، فيما لا يملك الأميركيون رغبة أو قدرة على تكرار تجارب العراق وأفغانستان.
إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل
ويظهر فانس استعدادًا أكبر من معظم الجمهوريين لإعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل. فهو لا يدعو إلى قطع التحالف معها، لكنه يرفض اعتبار مصالحها مطابقة تلقائيًا لمصالح الولايات المتحدة. وهذه نقطة شديدة الحساسية داخل السياسة الأميركية، لأن العلاقة مع إسرائيل ظلت طويلًا من الثوابت التي نادرًا ما يجرؤ سياسي جمهوري بارز على مناقشتها علنًا.
بالنسبة إلى فانس، يجب أن تُعامل إسرائيل كحليف مهم، لا كدولة تملك حق تحديد اتجاه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. وهو يرفض أن تدفع واشنطن نحو حروب طويلة خدمةً لأهداف حكومات إسرائيلية قد لا تتوافق مع الأولويات الأميركية. كما يفصل بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية ومعاداة اليهود، معتبرًا أن الخلط بينهما يفسد النقاش العام.
تحولات الرأي العام وقاعدة «ماغا»
هذا الموقف ليس أخلاقيًا فقط، بل انتخابي أيضًا. فانس يقرأ التحولات الجارية داخل الرأي العام الأميركي، وخصوصًا بين الشباب الجمهوري، حيث تتراجع الحماسة للدعم المطلق لإسرائيل، ويزداد الشك في جدوى الحروب الخارجية. وهو يدرك أن قاعدة «ماغا» التي أوصلت ترمب إلى السلطة لم تفعل ذلك كي تعود الولايات المتحدة إلى حروب الشرق الأوسط، بل لأنها أرادت التركيز على الحدود والاقتصاد والصناعة والأزمات الداخلية.
بهذا المعنى، يحاول فانس تحويل الشعبوية الترامبية من حركة احتجاج إلى برنامج حكم. فترمب استطاع تفكيك الإجماع الجمهوري القديم، لكنه لم يبنِ دائمًا بديلًا فكريًا متماسكًا. أما فانس فيسعى إلى منح هذا التمرد إطارًا أيديولوجيًا يربط القومية الاقتصادية بالمحافظة الاجتماعية والواقعية في السياسة الخارجية.
التناقضات التي تواجه مشروع فانس
لكن مشروعه يحمل تناقضات واضحة. فهو يدعو إلى دور أكبر للدولة في الاقتصاد، فيما ينتمي إلى حزب لا يزال جزء كبير منه يرفض التدخل الحكومي. كما يدافع عن العمال والنقابات، بينما تستند القاعدة المالية للجمهوريين إلى الشركات وأصحاب الثروات. وينتقد نفوذ وادي السيليكون والاحتكارات التكنولوجية، مع أنه صعد سياسيًا بفضل علاقاته داخل هذا العالم.
كذلك، فإن دعوته إلى تجنب الحروب قد تصطدم بالمؤسسة العسكرية ومراكز النفوذ التقليدية واللوبيات المرتبطة بالصناعات الدفاعية. أما إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، فقد تعرضه لمواجهة قاسية مع تيارات نافذة داخل الحزب الجمهوري والإعلام المحافظ.
ملامح اليمين الأمريكي في ثوبه الجديد
ومع ذلك، يمثل فانس تحولًا حقيقيًا في الخطاب السياسي الأميركي. فهو يعكس صعود يمين لم يعد يرى العولمة الاقتصادية والحروب الخارجية وحرية السوق عناصر طبيعية في المشروع المحافظ. هذا اليمين يريد دولة قوية في الداخل، أقل تورطًا في الخارج، تحمي الصناعة والأسرة والحدود، وتتعامل مع الاقتصاد بوصفه أداة لبناء الأمة لا مجرد آلية لتراكم الأرباح.
السؤال المفتوح هو ما إذا كان فانس قادرًا على تحويل هذه الأفكار إلى برنامج حكم قابل للتطبيق، أم أنها ستبقى خليطًا من الشعبوية الاقتصادية والمحافظة الدينية والقومية الانعزالية. لكن المؤكد أنه أسهم في تغيير الأسئلة داخل الحزب الجمهوري. لم يعد النقاش يدور فقط حول حجم الضرائب أو القيود المفروضة على الشركات، بل حول نوع المجتمع الذي ينتجه الاقتصاد، وحدود التحالفات، وكلفة الحروب، ومن يملك حق تعريف المصلحة الأميركية.
ومن هنا تأتي أهميته السياسية. فانس لا يطرح نفسه مجرد خليفة لترمب، بل باعتباره من يريد أن يحول الترامبية من لحظة احتجاج غاضبة إلى عقيدة سياسية قابلة للاستمرار. وقد يكون نجاحه أو فشله أحد العوامل التي ستحدد شكل اليمين الأميركي في العقد المقبل، وطبيعة الدور الذي ستختاره الولايات المتحدة لنفسها في العالم.
