كتب باسم الموسوي:
لم تعد السياسة الأميركية تجاه إيران تُختزل في معادلة بسيطة تقوم على العقوبات أو التهديد العسكري. فبعد سنوات طويلة من الرهان على الضغوط القصوى، أخذ يتبلور داخل واشنطن اتجاه مختلف، لا يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في وجود إيران بحد ذاته، بل في الكلفة التي تتحملها الولايات المتحدة نتيجة إدارة صراع مفتوح لا يبدو أن له نهاية.
لقد نشأ هذا التحول من مراجعة أوسع للدور الأميركي في العالم. فالحروب الطويلة في العراق وأفغانستان، وما تبعها من اضطرابات إقليمية، تركت داخل المؤسسة السياسية الأميركية قناعة متزايدة بأن القوة العسكرية تستطيع إسقاط أنظمة، لكنها لا تستطيع بسهولة بناء دول مستقرة أو إنتاج نظام إقليمي جديد يخدم المصالح الأميركية. بل إن كثيراً من تلك التدخلات انتهى إلى نتائج معاكسة، من تمدد الجماعات المسلحة، إلى موجات الهجرة، وصولاً إلى استنزاف الموارد الأميركية نفسها.
من هنا، لم يعد السؤال في واشنطن: كيف نهزم إيران؟ بل أصبح: كيف نمنع تحول إيران إلى مصدر دائم لاستنزاف الولايات المتحدة؟ هذا السؤال يفسر كثيراً من التغيرات التي طرأت على التفكير الأميركي. فإيران ليست دولة صغيرة يمكن إخضاعها بضربة عسكرية خاطفة، بل قوة إقليمية ذات مساحة شاسعة، وسكان يتجاوز عددهم التسعين مليوناً، وشبكة واسعة من العلاقات والامتدادات الإقليمية. وأي محاولة لإسقاط النظام بالقوة تعني عملياً الدخول في حرب برية مكلفة، أو ترك فراغ استراتيجي قد ينتج دولة أكثر فوضى، بما يفتح الباب أمام موجات نزوح، واضطرابات أمنية، وانهيار اقتصادي يمتد أثره إلى الخليج وأوروبا.
لهذا أخذت الأولوية الأميركية تنتقل من تغيير النظام إلى تغيير السلوك. فالغاية لم تعد القضاء على إيران، وإنما إدخالها في ترتيبات تجعلها أقل ميلاً إلى المواجهة وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد الإقليمي والدولي. وتقوم هذه الرؤية على فرضية سياسية واقتصادية في آن واحد: الدول التي تصبح مصالحها الاقتصادية كبيرة تميل إلى تجنب المغامرات العسكرية التي تهدد تلك المصالح. لذلك لم تعد الاستثمارات مجرد أداة تنموية، بل أصبحت وسيلة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية نفسها. فكلما ازدادت الروابط الاقتصادية بين إيران ودول الخليج والأسواق العالمية، ارتفعت كلفة العودة إلى الحرب بالنسبة لجميع الأطراف.
ولا يعني ذلك أن واشنطن تخلت عن سياسة الردع أو عن الضغوط العسكرية. فالقوة ما زالت حاضرة في الحسابات الأميركية، لكنها أصبحت تُستخدم بوصفها وسيلة لفرض شروط التفاوض، لا بديلاً عنه. فالهدف هو إنتاج توازن جديد يسمح للولايات المتحدة بخفض انخراطها العسكري المباشر من دون أن تبدو وكأنها انسحبت من المنطقة أو فقدت قدرتها على التأثير.
ويرتبط هذا التحول أيضاً بتغير أولويات الداخل الأميركي. فالناخب الأميركي بات أقل استعداداً لتحمل كلفة الحروب الخارجية، وأكثر اهتماماً بالتضخم، وفرص العمل، وإعادة بناء الصناعة، والبنية التحتية. ومع اتساع المنافسة مع الصين، أصبح من الصعب تبرير استنزاف الموارد في صراعات شرق أوسطية مفتوحة بينما تعتبر واشنطن أن التحدي الاستراتيجي الأكبر يتمركز في آسيا. ومن هنا، أصبح الأمن الاقتصادي جزءاً من الأمن القومي.
فاستقرار أسواق الطاقة، وحماية سلاسل الإمداد، ومنع الاضطرابات التي قد ترفع أسعار النفط أو تعطل التجارة العالمية، كلها أهداف لا تقل أهمية عن الاعتبارات العسكرية التقليدية. ولذلك تنظر الولايات المتحدة إلى أي مواجهة شاملة مع إيران باعتبارها مخاطرة قد تؤدي إلى اضطراب الملاحة في الخليج، وإلى أزمات اقتصادية عالمية، في وقت تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى تثبيت النمو الداخلي. كذلك، برز داخل الأوساط المحافظة الأميركية اتجاه يرفض أن تُرسم السياسة الخارجية انطلاقاً من مصالح الحلفاء وحدها، مهما كانت أهمية هؤلاء الحلفاء.
فهذا التيار يرى أن التحالفات يجب أن تخدم المصالح الأميركية، لا أن تتحول إلى التزام دائم يفرض على واشنطن الانخراط في كل صراع إقليمي. ووفق هذا المنطق، فإن دعم الحلفاء يبقى قائماً، لكنه يصبح مشروطاً بمدى توافقه مع الأولويات الأميركية الكبرى.
ولا يعني ذلك انقلاباً على التحالفات التقليدية، بقدر ما يعكس إعادة ترتيب للأولويات. فواشنطن لا ترغب في خسارة شركائها في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول خلافاتهم إلى حروب أميركية جديدة. ولذلك تتجه نحو دور الوسيط الضاغط أكثر من دور الطرف المنخرط مباشرة في المواجهة.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن أي تفاهم مع إيران لا يمكن أن يقوم على الثقة المتبادلة، بل على توازن المصالح. ولهذا ستستمر العقوبات، وآليات المراقبة، والردع العسكري، جنباً إلى جنب مع قنوات التفاوض. فالفلسفة الجديدة لا تقوم على المصالحة، وإنما على إدارة الصراع بأقل كلفة ممكنة.
وهكذا يبدو أن السياسة الأميركية تدخل مرحلة مختلفة عنوانها الأساسي ليس الانتصار الكامل ولا الهزيمة الكاملة، بل إدارة التوازنات. فالهدف لم يعد إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة، بل منع انفجاره، وتخفيف أعبائه على الولايات المتحدة، وتوجيه الموارد نحو المنافسة العالمية الكبرى. إنها مقاربة ترى أن القوة لا تُقاس بعدد الحروب التي تُخاض، بل بعدد الحروب التي يمكن تجنبها من دون التفريط بالمصالح الأساسية.
ومن هذا المنظور، يصبح التفاوض مع إيران، مهما بدا متناقضاً مع عقود من الخطاب التصعيدي، امتداداً لحسابات القوة نفسها لا خروجاً عليها؛ لأن واشنطن، في النهاية، لا تبحث عن سلام مثالي، بل عن نظام إقليمي أكثر استقراراً وأقل كلفة، يتيح لها التفرغ لأولويات القرن الحادي والعشرين.
