حافة الهاوية أم الحرب الشاملة: اختبار الإرادة بين الضغط الأقصى ومعادلة البنى التحتية
بقلم: حسن حردان – جريدة البناء
تُظهر التطورات الأخيرة أنّ المواجهة دخلت منعطفاً بالغ الخطورة، متجاوزة القواعد الكلاسيكية للاشتباك العسكري نحو معادلة استهداف البنى التحتية الحيوية، ما يضع الإقليم برمته أمام اختبار قاسي ومكلف.
إنّ ربط الرئيس الأميركي دونالد ترامب استهداف السفن في مضيق هرمز بتدمير جسور ومحطات كهرباء إيرانية، وردّ طهران بمعادلة «الجميع أو لا أحد»، يعكسان قراراً بنقل الكلفة إلى مستويات غير مسبوقة. هذا التحوّل يعني أنّ المدن، وشبكات الطاقة، والمياه، والموانئ باتت جزءاً من بنك الأهداف المباشرة.
في ضوء ما تقدّم ما هي الاحتمالات؟
هل طُوي خيار الدبلوماسية، وأصبحت الكلمة للغة الحرب المفتوحة… ام انّ ترامب يسعى الى ممارسة الضغط الأقصى على حافة الهاوية في محاولة أخيرة لتحقيق أهدافه قبل العودة الى التراجع تحت مظلة مذكرة التفاهم؟
إنّ التطورات المتسارعة تضع المنطقة والعالم أمام مأزق شديد التعقيد؛ فالتداخل بين التصعيد العسكري المباشر والتلويح باستهداف البنى التحتية الحيوية لا يعبّر بالضرورة عن “سقوط نهائي” لكافة المسارات الدبلوماسية، بل يمثل غالباً الذروة القصوى لعقيدة “الدبلوماسية القسرية” التي يديرها البيت الأبيض، بالتوازي مع استعدادات صلبة من الجانب الإيراني ومعسكر المقاومة لامتصاص الصدمة ثم عكس تداعياتها.
وفي ضوء المعطيات البنيوية والسياسية الراهنة، يمكن مقاربة الاحتمالات عبر السيناريوين التاليين:
السيناريو الأول: الضغط الأقصى على حافة الهاوية،
يميل هذا الاتجاه إلى ترجيح أنّ ما تشهده المنطقة ليس إعلاناً لحرب مفتوحة شاملة ومستدامة، بل هو اشتباك مدروس بعناية على حافة الهاوية، محكوم بالاعتبارات التالية:
طبيعة استراتيجية ترامب التفاوضية: يعتمد الرئيس الأميركي تاريخياً على خلق حالة من عدم اليقين المطلق والتهديد بأسقف مدمرة (تدمير محطات الكهرباء، استهداف الجسور، قفزة أسعار النفط نحو 95 دولاراً وما فوق) لدفع الخصم إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة، مع تفادي التورّط في حرب استنزاف برية طويلة الأمد لا يتحمّلها الاقتصاد الأميركي أو حلفاؤه الإقليميون.
حسابات التكلفة الباهظة:
تدرك واشنطن وحلفاؤها الخليجيون أنّ توسيع نطاق استهداف البنى التحتية للطاقة والمياه سيقابله ردّ إيراني عابر للحدود الجغرافية التقليدية، يشمل تعطيل الملاحة في الممرات المائية (هرمز وباب المندب) وشلل اقتصادي عالمي، مما يجعل كلفة الحرب الفورية أضعافاً مضاعفة مقارنة بأيّ مكسب سياسي محتمل.
نافذة التراجع المرن: يترك هذا السيناريو باباً خلفياً للوصول إلى تسوية أو “مذكرة تفاهم” مغلفة بصيغة نصر سياسي لكلّ طرف؛ حيث تُستغل الضربات المتبادلة أو التهديدات القصوى لفرض واقع ميداني يسبق التوصل إلى ترتيبات دبلوماسية جديدة.
السيناريو الثاني: الانزلاق التدريجي نحو حرب البنى التحتية المفتوحة
في المقابل، فإنّ النقلة النوعية من استهداف القطع البحرية أو القواعد العسكرية إلى البنى التحتية الحيوية (طاقة، مياه، موانئ) تحمل في طياتها مخاطر تقنية وسياسية قد تخرج الموقف عن السيطرة بغضّ النظر عن النوايا المسبقة:
سقوط ضوابط الردع: عندما تصبح محطات توليد الطاقة والمنشآت الحيوية في مرمى النيران (سواء في إيران أو في الدول الخليجية المضيفة للقواعد)، فإنّ هامش الخطأ يضيق إلى حدّ كبير. أيّ خطأ في التقدير أو ضربة غير محسوبة قد تؤدي إلى إصابات جماعية أو كارثة بيئية واقتصادية تجبر الطرف المتضرر على الردّ بقسوة مضاعفة، مما يقود إلى حلقة مفرغة من التصعيد التلقائي.
معادلة “الجميع أو لا أحد”:
إذا تبنّت طهران ومعسكر المقاومة استراتيجية استباقية أو ردود فعل شمولية تربط أمن الإقليم بأكمله بأمنها القومي، فإنّ محاولات الضغط الأقصى قد تتحوّل من “أداة تفاوضية” إلى فتيل يشعل جبهات مترابطة ومتزامنة (اليمن، الخليج، لبنان)، تصبح معها العودة إلى الدبلوماسية أمراً مستحيلاً على المدى المنظور.
في ضوء ما تقدّم يمكن استخلاص ما يلي:
لم تُطوَ الدبلوماسية نهائياً بعد، لكنها دخلت غرفة العناية المركزة. نحن لا نشهد حرباً مفتوحة شاملة بالمعنى الكلاسيكي حتى هذه اللحظة، بل نشهد أخطر مرحلة من مراحل اختبار الإرادة عبر حافة الهاوية.
إنّ رهان الإدارة الأميركية على انتزاع استسلام استراتيجي عبر التهديد الشامل يصطدم بصلابة بنيوية إيرانية تعتمد على مبدأ “توزيع الكلفة إقليمياً وعالمياً”. وعليه، فإنّ المشهد مرشح للبقاء في منطقة الرمادي الساخنة لفترة إضافية، حيث تتقاطع التهديدات العالية النبرة مع اتصالات خلفية مكثفة، محكومةً بأنّ أيّ انزلاق إضافي خارج السيطرة سيكلف الاقتصاد العالمي والإقليم أثماناً باهظة تعجز أيّ قوة عن احتوائها…
