غروسي يكشف تفاصيل نووية تاريخية بسورية ويحذر من تحديات في إيران
أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، اليوم الاثنين، أن الوكالة حققت تطورات مهمة في الملف النووي السوري، في وقت لا يزال فيه الملف الإيراني يواجه تحديات تتعلق بمستوى التعاون والظروف الأمنية، مشدداً على أن الحلول الدبلوماسية هي السبيل الوحيد لضمان الاستقرار ومنع الانتشار النووي.
وكشف غروسي خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة النمساوية فيينا، تفاصيل وصفها بالتاريخية بشأن وجود اليورانيوم الطبيعي في سورية، مشيراً إلى أن مفتشي الوكالة تمكنوا من التحقق من وجود نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي في مواقع لم يكن الوصول إليها متاحاً في السابق.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب تحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن الأنشطة النووية السورية السابقة، ولا سيما المنشأة التي كانت قيد الإنشاء في منطقة دير الزور شرقي سوريا، والتي أثارت لسنوات تساؤلات دولية حول طبيعة البرنامج النووي السوري السابق.
غروسي: الوكالة تحققت من 73 طناً من اليورانيوم في سورية
غروسي: الوكالة تحققت من 73 طناً من اليورانيوم في سورية
أعلن غروسي أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية تمكنوا من الوصول إلى مواقع سورية والتحقق من وجود 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي، في خطوة اعتبرها تطوراً مهماً في مسار التحقيقات المتعلقة بالأنشطة النووية السابقة.
وأوضح أن عمليات التحقق جاءت بعد إتاحة السلطات السورية الحالية المجال أمام مفتشي الوكالة للوصول إلى مواقع كانت مغلقة أو يصعب الوصول إليها خلال الفترة السابقة.
وأشار غروسي إلى أن عمليات التفتيش لم تكن سهلة من الناحية الفنية، إذ اضطر المفتشون، وفق ما كشفه، إلى كسر جدران وفتح ممرات للوصول إلى مواقع مخفية تضم المواد النووية.
وقال إن عمليات التحقق الأخيرة في سوريا كانت “مفعمة بالمشاعر”، نظراً لطبيعة المواقع والظروف التي رافقت الوصول إليها.
الملف النووي السوري بات بذلك أمام مرحلة جديدة، خصوصاً مع توفر إمكانية أكبر أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتحقق من المواد والمنشآت والأنشطة السابقة.
المفاعل النووي في دير الزور محور التحقيقات
وتطرق المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المفاعل النووي السوري المعروف باسم “الكُبر” في دير الزور، والذي دمرته إسرائيل عام 2007.
وبحسب غروسي، فإن المفاعل كان مكتملاً تقريباً، وكان مصمماً لإنتاج مواد انشطارية يمكن استخدامها في الأسلحة النووية.
وكان تقرير سري للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وُزع على الدول الأعضاء، قد كشف أن النظام السوري السابق كان يعمل على بناء مفاعل نووي في دير الزورمن دون إبلاغ الوكالة بالمشروع والمنشآت والمواد النووية المرتبطة به.
وزار مفتشو الوكالة عدة مواقع في سورية خلال أغسطس/آب الماضي، ضمن عمليات تحقق مرتبطة بالملف النووي السوري والأنشطة التي تعود إلى مراحل سابقة.
خطط لإعادة المعالجة وإنتاج البلوتونيوم
خطط لإعادة المعالجة وإنتاج البلوتونيوم
ولم تتوقف المفاجآت التي كشفتها عمليات التفتيش عند العثور على اليورانيوم الطبيعي، إذ أشار غروسي إلى اكتشاف خطط سورية سابقة مرتبطة بما يعرف بـ”إعادة المعالجة”.
وتُعد إعادة المعالجة مساراً تكنولوجياً يمكن أن يرتبط بفصل البلوتونيوممن الوقود النووي المستهلك، وهو ما يتطلب قدرات تقنية وكيميائية متقدمة.
وقال غروسي إن مفتشي الوكالة يزورون حالياً مواقع أخرى كان من المفترض أن تستضيف مثل هذه الأنشطة.
كما لم يستبعد المدير العام للوكالة احتمال أن تكون السلطات السورية السابقة قد قامت بتفجير الموقع بنفسها بهدف خلق حالة من الغموض وعرقلة أي تحقيقات يمكن أن تكشف طبيعة المنشأة.
شفافية دمشق تفتح مرحلة جديدة مع الوكالة
وأشاد غروسي بما وصفه بـ”خيار الشفافية” الذي انتهجته السلطات السورية الحالية، معتبراً أن هذا النهج يمكن أن يشكل نموذجاً لإعادة دمج سورية في المجتمع الدولي.
ويرى غروسي أن التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا يرتبط فقط بالجانب التقني، بل يمكن أن يساهم أيضاً في مسار التعافي السياسي والاقتصادي لسورية.
وتواصل الوكالة مراقبة المواد النووية المكتشفة، فيما أكد غروسي أن مصير اليورانيوم الموجود في سورية يعود إلى الحكومة السورية.
دمشق تبحث نقل اليورانيوم إلى خارج البلاد
دمشق تبحث نقل اليورانيوم إلى خارج البلاد
وكشف غروسي أن دمشق تجري محادثات علنية مع حكومة أخرى لم يسمّها، لبحث إمكانية نقل المواد النووية المكتشفة إلى خارج سورية.
وأوضح أن دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في هذه المرحلة يتمثل في ضمان بقاء المواد تحت الرقابة، بما في ذلك تركيب كاميرات وأنظمة مراقبة مناسبة.
أما القرار السياسي المتعلق بنقل المواد خارج البلاد، فيبقى من اختصاص القيادة السورية.
غروسي يحذر من استمرار التحديات في الملف الإيراني
وفي ما يتعلق بإيران، تحدث غروسي عن تحديات قانونية وفنية تواجه عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصاً فيما يتعلق بوصول المفتشين إلى المنشآت النووية والتحقق من وضع المواد النووية.
وأشار إلى أن طهران لم تلتزم، وفق تقييم الوكالة، بالتزامات مرتبطة بالمادة 68 من اتفاق الضمانات الشاملة، والتي تتعلق بضرورة إبلاغ الوكالة بالأحداث أو الهجمات التي يمكن أن تؤثر على المنشآت والمواد الخاضعة للضمانات.
وأكد غروسي أن تعرض المنشآت النووية الإيرانية لهجمات لا يلغي الالتزامات القانونية المترتبة على إيران بموجب اتفاقات الضمانات.
الملف النووي الإيراني يظل من أكثر الملفات تعقيداً على المستوى الدولي، في ظل تداخل الجوانب الفنية والقانونية مع التطورات السياسية والأمنية.
تفاصيل اتفاق القاهرة بين الوكالة وإيران
تفاصيل اتفاق القاهرة بين الوكالة وإيران
وكشف غروسي عن جوانب من اتفاق القاهرة الذي جرى التوصل إليه مع الجانب الإيراني، مشيراً إلى أن الاتفاق تضمن بنداً يلزم طهران بتقديم معلومات وتقارير بشأن وضع منشآتها النووية بعد الهجمات.
وتشمل المعلومات المطلوبة توضيح ما إذا كانت إيران فقدت إمكانية الوصول إلى بعض المواقع، وما إذا طرأت تغييرات على جردة المواد النووية الموجودة لديها.
لكن غروسي أكد أن السلطات الإيرانية لم تنفذ هذا البند حتى الآن بالشكل المطلوب من وجهة نظر الوكالة.
غروسي يرفض ربط التعاون النووي بالمفاوضات السياسية
وجدد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفضه للمنطق الذي يربط التعاون الفني بين إيران والوكالة بالتقدم في المفاوضات السياسية الأوسع.
وشدد على أن التزامات إيران بصفتها دولة موقعة على معاهدة منع الانتشار النووي لا تختفي بسبب الخلافات السياسية أو الأمنية، ولا يمكن تعليقها إلى حين التوصل إلى تسويات سياسية.
وقال إن التعاون الفني والرقابي يجب أن يستمر بشكل مستقل عن المسارات السياسية.
هل يمكن استئناف عمليات التفتيش في إيران؟
هل يمكن استئناف عمليات التفتيش في إيران؟
أكد غروسي إمكانية استئناف عمليات التفتيش في إيران، شرط توفير الضمانات الأمنية اللازمة للمفتشين.
وأوضح أن الوكالة تناقش مع طهران كيفية مواصلة عمليات التفتيش بصورة آمنة، وفي إطار التفاهمات المرتبطة باتفاق القاهرة.
وأعرب عن قلقه من القيود المفروضة على وصول مفتشي الوكالة، ومن ربط التعاون الفني بتقدم المفاوضات السياسية.
ويرى غروسي أن الفصل بين المسارين الفني والسياسي ضروري للحفاظ على نظام الرقابة الدولية ومنع نشوء فجوات في المعلومات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
سلامة المفتشين أولوية
وفي ظل المخاوف الروسية والإيرانية بشأن سلامة المفتشين نتيجة التهديدات العسكرية، أكد غروسي أن سلامة موظفي الوكالة تمثل أولوية قصوى.
وأشار إلى تجربة الوكالة في مناطق النزاع، ومنها أوكرانيا، حيث يجري التنسيق مع الأطراف المختلفة لتأمين ما وصفه بـ”هدنة تقنية”، تسمح للمفتشين بأداء مهامهم.
ويؤكد هذا الطرح أن الوكالة تسعى إلى إبقاء عمليات الرقابة النووية منفصلة قدر الإمكان عن مسارات الصراع العسكري والسياسي.
غروسي يكشف تفاصيل الاتفاق النووي السعودي
غروسي يكشف تفاصيل الاتفاق النووي السعودي
وفي ما يتعلق بـ البرنامج النووي السلمي السعودي، قدم غروسي توضيحات بشأن الاتفاق الثنائي المرتقب وآليات الرقابة التي يمكن أن تعتمدها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقال إن “البروتوكول الإضافي” يمثل المعيار الذهبي والترتيب المثالي للضمانات، نظراً إلى أنه يمنح الوكالة قدرة أكبر على الوصول والتحقق والتفتيش.
لكنه أوضح في الوقت نفسه أن عدم توقيع السعودية على البروتوكول الإضافي حتى الآن لا يمثل عائقاً حتمياً أمام تطوير ترتيبات رقابية قوية.
صلاحيات إضافية للوكالة في الاتفاق السعودي
كشف غروسي عن إمكانية تضمين الاتفاق الثنائي بين السعودية والجهات المعنية أحكاماً بديلة تمنح الوكالة صلاحيات إضافية في مجال التحقق والتفتيش.
وبحسب الطرح الذي قدمه، يمكن لهذه الأحكام أن توفر للوكالة صلاحيات واسعة شبيهة بتلك التي يمنحها البروتوكول الإضافي، بما يسمح بمراقبة الأنشطة الحساسة المحتملة في المستقبل.
ومن بين هذه الأنشطة عمليات تحويل المواد النووية أو تخصيب اليورانيوم، وهي من الملفات التي تحظى باهتمام كبير في إطار نظام منع الانتشار النووي.
الاتفاق السعودي أمام مجلس أمناء الوكالة
وشدد غروسي على أن أي اتفاق ثنائي يتم التوصل إليه بشأن البرنامج النووي السلمي السعودي سيُعرض في نهاية المطاف على مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإقراره.
ويهدف ذلك إلى ضمان أن يشكل الاتفاق أساساً قوياً لعمليات التفتيش والتحقق، وأن يتوافق مع المعايير الدولية المعتمدة في مجال الرقابة النووية.
وكانت السعودية قد وقعت في يوليو/تموز الماضي اتفاقاً مع الولايات المتحدة بشأن التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل سعي الرياض إلى تطوير برنامج نووي مدني، بالتوازي مع نقاشات واسعة حول شروط الرقابة والضمانات الدولية.
ترامب يربط الاتفاق النووي السعودي باتفاقيات أبراهام
ترامب يربط الاتفاق النووي السعودي باتفاقيات أبراهام
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد قال إن الاتفاق النووي مع السعودية سيحظى بالموافقة، لكنه ربط ذلك بانضمام الرياض إلى اتفاقيات أبراهام.
ويضيف هذا الموقف بعداً سياسياً إلى الملف النووي السعودي، الذي لا يقتصر على الجوانب التقنية والاقتصادية، بل يرتبط أيضاً بالسياسة الإقليمية والعلاقات الأمريكية السعودية والتوازنات في الشرق الأوسط.
وبينما تركز الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الجوانب الفنية والرقابية، تبقى مسألة الاتفاقات السياسية المرتبطة بالبرنامج النووي السعودي جزءاً من الحسابات الأوسع بين الرياض وواشنطن.
ثلاثة ملفات نووية على طاولة الوكالة الدولية
تكشف تصريحات غروسي عن وجود ثلاثة مسارات نووية رئيسية تحظى باهتمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية في المرحلة الحالية: الملف السوري، والملف الإيراني، والبرنامج النووي السعودي.
ففي سورية، تسعى الوكالة إلى استكمال التحقيقات بشأن الأنشطة السابقة والتحقق من المواد النووية الموجودة في البلاد.
وفي إيران، تركز الوكالة على استعادة مستوى التعاون والوصول إلى المواقع والمنشآت، وضمان تنفيذ الالتزامات المرتبطة باتفاقات الضمانات.
أما في السعودية، فتتمحور الجهود حول بناء ترتيبات رقابية قوية تضمن الطبيعة السلمية للبرنامج النووي المستقبلي.
وتجمع هذه الملفات الثلاثة بين الجوانب التقنية والقانونية والسياسية، ما يجعلها من أكثر الملفات حساسية في منظومة منع الانتشار النووي