كتبنا قبل أيام أن مَن يملك الهاتف يملك الصافرة، وأن مونديال 2026 حول الملعب إلى مرآة لعالمٍ يُطبَّق فيه القانون على الضعفاء ويُعاد تفسيره للأقوياء. ثم جاءت ليلة الأحد في نيوجيرسي لتقدّم المرافعة المضادة. لم يكتبها محامٍ ولا لجنة حكام، بل كتبتها قدم فيران توريس في الدقيقة 106، حين قالت الكرة كلمتها الأخيرة: يمكن للهاتف أن يرن كثيراً، لكن ثمة لحظات لا يجيب فيها أحد .
انتصرت إسبانيا بهدفٍ نظيف، لكن الأصح أن يقال إنها انتصرت رغم كل شيء. رغم هدفٍ أُلغي لها في المباراة نفسها، ورغم خصمٍ اختار منذ الدقيقة الأولى أن يستبدل الكرة بالساق، حتى اكتمل المشهد ما جاء ما بعد الصافرة ليكشف المعدن كله: أكتافٌ أرجنتينية أدارت ظهرها لمنصة التتويج، وغرفةُ مؤتمرات صحفية خاوية لم يدخلها لاعبٌ واحد من الوصيف.
أصحاب الكرة الجميلة والنزيهة، أصحاب المواقف المشرفة، هم من توجوا بالذهب. والآخرون توجوا أنفسهم بما اختاروه .
في قاموسنا الكروي القديم عبارة قاسية كنا نرددها عن الكبار: «تكسب ولا تلعب». إسبانيا وحدها، منذ جيلها الذهبي الأول، أصرّت على قلب المعادلة. واليوم لعبت وكسبت. كسبت على المستوى الفني حيث كانت الفروقات شاسعة إلى حد أن ميسينفسه في نهائيه الثالث، لم يجد مساحة واحدة يصنع فيها شيئاً، وذاب تدريجياً في مباراةٍ احتكرت فيها «لاروخا» الكرة والمبادرة معاً. وكسبت على المستوى الذهني حيث تهزم الجماعةُ المنظمةُ الفردياتِ مهما عظُمت. وكسبت قبل هذا كله، على المستوى الأخلاقي: فريقٌ لعب نظيفاً وخسر هدفاً بقرار تحكيمي، فلم يشتكِ ولم يعتدِ.. بل عاد وسجّل! الحرّ من يستحق الفوز فقط، وإسبانيا قالتها بقدميها لا بلسانها .
السياسة حضرت في النهائي
السياسة حضرت في النهائي
غير أن الليلة لم تكن رياضيةً خالصة، وما كان لها أن تكون. فقبل النهائي بأحد عشر يوماً فقط، أمر الرئيس الأميركي بوقف التعاملات التجارية مع إسبانيا، عقاباً لها على استقلال قرارها في ملف الإنفاق الدفاعي ورفضها وضع قواعدها في خدمة الحرب على إيران. ثم شاءت الأقدار وللأقدار حسٌّ عالٍ بالسخرية، أن يقف الرجل نفسه في قلب ملعبه على أرضه وبين جمهوره، يعلّق الميداليات الذهبية على صدور الإسبان واحداً واحداً، ويسلّم الكأس إلى رودري، فيما العلم الإسباني يأكل أرض الملعب و الملك فيليبي السادس وعائلته يحتفلون على المنصة. البلد الذي عوقب لأنه قال «لا» انتزع النصر من قلب واشنطن، وكان على من فرض العقوبة أن يصفق .
وحين سُئل الرئيس بعدها عن شعوره وهو يتوج فريقاً يخاصم حكومته، أجاب بأنه هنّأ الإسبان على فريقهم العظيم، وأنه «لا توجد توترات مع أي أحد». هكذا بجملة واحدة!
كرة القدم أقوى من الخطابات
كرة القدم أقوى من الخطابات
قلنا سابقاً إن مكالمةً واحدة ألغت عقوبة لاعب، واليوم نضيف: ركلةٌ واحدة ألغت خطاباً سياسياً كاملاً، وفعلت في ليلةٍ ما عجزت عنه السياسة في شهور. تلك قوة اللعبة التي قيل لنا إنها مجرد ملهاة.
أما نحن، في هذا الجزء من العالم، فقد كان لانتصار إسبانياطعمٌ آخر. لم يشجّع العرب «لاروخا» لجمال كرتها وحده، بل لأن مدريد، تحت حكومة بيدرو سانشيز، تصدّرت أوروبا جرأةً في الانتصار للحق في غزة: “اعترافٌ بدولة فلسطين، وقيودٌ على السلاح، وصوتٌ لم يعرف التلعثم حين تلعثم الآخرون”.
وفي المقابل، أعلن رئيس حكومة الاحتلال دعمه العلني للأرجنتين قبل النهائي، فاختار كلُّ جمهورٍ ضفته من تلقاء نفسه.
فلسطين كانت حاضرة في المدرجات والاحتفالات
فلسطين كانت حاضرة في المدرجات والاحتفالات
وهكذا احتفلت شوارع القاهرة وبيروت وغزة نفسها، المنكوبة الصامدة، بعلمين متعانقين لم يفترقا طوال البطولة: الأحمر والأصفر الإسباني، وإلى جانبه علم فلسطين الذي لم يغب لحظةً عن الأنظار. لم يكن الفوز إسبانياً فحسب، بل بدا في عيون الملايين انتصاراً لفكرة أن الوقوف مع الحق لا يُفقر أحداً ولا يهزمه، وأن الأمم الصغيرة والكبيرة حين تقاوم الإملاءات تلتقي على المعنى ذاته، من مدريد إلى بيروت.
الدرس الذي قدمه النهائي
الدرس الذي قدمه النهائي
كتبنا في المقال السابق أن انهيار افتراض النزاهة أخطر من المؤامرة نفسها، وأن الغضب واحدٌ من القاهرة إلى أوسلو. واليوم لا ندّعي أن ليلةً واحدة رمّمت ما تهدّم، فالثقة لا تُبنى بنهائيٍ عادل كما لا تُهدم بمكالمة. لكن النهائي قدّم للجنوب وللمظلومين في كل ملعب، وصفةً عمليةً واحدة: “كن أفضل من أن تُسرق“.
حين تُلغى لك الأهداف فسجّل غيرها، وحين تُكسر سيقانك فمرّر من فوقها، وحين يُدار الظهر لمنصتك فاصعد إليها وحدك. تلك ليست عدالة، لكنها الطريق الوحيد إليها ما دام الهاتف قريباً من الصافرة.
ستُنسى النتيجة مع الأيام وستأتي بطولات وأبطال، هذه سنّة اللعبة. لكن الذي يبقى في ذاكرة الناس والتاريخ ليس رقماً على لوحة، بل الأخلاق والتواضع والتمسك بالمبادئ، وقد جمعتها إسبانيا كلها في صيفٍ واحد: قيمٌ صاحبت الطريق إلى منصة التتويج كما لم يصاحبها إعلانٌ ولا راعٍ.
قلنا إن التاريخ يسجل من رفع السماعة كما يسجل من رفع الكأس. واليوم نكمل العبارة: “سجل التاريخ ليلة التاسع عشر من يوليو، أن الكأس ارتفعت بأيدٍ نظيفة وأن السماعة لأول مرة منذ زمن لم تجد من تتصل به. اليوم انتصرت كرة القدم، وكان انتصارها كافياً ليذكر العالم بأن الملوك الحقيقيين يُتوَّجون في الملاعب لا في المقصورات.