بقلم: مبارك بيضون – مدير مركز بيروت للأخبار 

حين تصبح الرمزية أقوى من الحدث

أكاد لا أصدق ما أرى. إنه مشهد يدفع إلى التوقف مليًّا، ليس لأنه حدث بروتوكولي عابر، بل لأنه يثير كماً هائلاً من علامات الاستفهام حول ما آلت إليه المنطقة، وكيف أصبحت موازين القوة هي التي ترسم مسار الحروب وتحدد مصائر الشعوب.

لا أدّعي تمثيل رأي أحد، وما أكتبه هو تعبير عن قناعة شخصية. لكن يصعب عليّ أن أتقبّل مشهد رئيسٍ للجمهورية اللبنانية، وقائدٍ سابقٍ للجيش اللبناني، المؤسسة التي ارتبط اسمها بشعار “شرف، تضحية، وفاء”، وهو يصافح الإدارة الأميركية في وقت لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، فيما لم تندمل بعد جراح آلاف الشهداء والجرحى، والدمار الذي أصاب مدنه وقراه.

الإدارات الأميركية وإسرائيل.. شراكة صنعت موازين القوة

ولا يتعلق الأمر بالشعب الأميركي، وإنما بـ السياسات التي انتهجتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، والتي وفّرت لإسرائيل غطاءً سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً مكّنها من مواصلة عملياتها العسكرية، في وقت كان العالم يشاهد حجم الدمار والخسائر البشرية التي خلّفتها هذه الحرب.

واشنطن سعت حلال عقود لإبقاء "إسرائيل" قوة متفوقة في الشرق الأوسط بإمدادها بأحدث الأسلحة والتقنيات الحديثة
واشنطن سعت حلال عقود لإبقاء “إسرائيل” قوة متفوقة في الشرق الأوسط بإمدادها بأحدث الأسلحة والتقنيات الحديثة

لقد كشفت السنوات الماضية حجم الاختلال الهائل في موازين القوى. فلم تكن المواجهة متكافئة من حيث الإمكانات العسكرية أو القدرات التكنولوجية، بل قامت على تفوق عسكري ساحق يستند إلى أحدث منظومات التسليح والدعم السياسي والعسكري الغربي. وكانت النتيجة عشرات الآلاف من الضحايا، بينهم أطفال ونساء وعاملون في القطاع الصحي، إضافة إلى الدمار الواسع الذي طال المستشفيات والمنازل ودور العبادة والمواقع الأثرية والثقافية، في مشهد تابعه العالم بأسره.

لبنان بين كلفة المواجهة واختلال ميزان القوة

أما لبنان، فقد دفع هو الآخر ثمناً باهظاً نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، فسقط آلاف الشهداء والجرحى، ودُمّرت أحياء وبلدات بكاملها. وبرغم ما أظهرته المقاومة من قدرة على الصمود والردع في مراحل مختلفة، فإن الفارق الهائل في الإمكانات العسكرية، والدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل، جعلا ميزان القوة يميل بصورة واضحة لمصلحة الدولة العبرية.

واشنطن وحلفاؤها… القوة بمنطق المصالح

ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل حقيقة أن القوة العسكرية الأميركية لم تُبنَ بمعزل عن شبكة واسعة من المصالح والتحالفات الاقتصادية والعسكرية حول العالم. فقد سبق للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن صرّح في أكثر من مناسبة بأن الولايات المتحدة تحمي دول الخليج، وأن على هذه الدول أن تدفع ثمن تلك الحماية، في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً، وعكست بوضوح طبيعة العلاقة التي تنظر بها واشنطن إلى حلفائها.

دول الخليج اشترت أسلحة أمريكية بمئات مليارات الدولارات ولا زالت
دول الخليج اشترت أسلحة أمريكية بمئات مليارات الدولارات ولا زالت

ومن هنا يبرز سؤال مشروع: إلى أي مدى ساهمت الأموال العربية والخليجية، عبر صفقات السلاح الضخمة والاستثمارات والشراكات الاقتصادية، في تعزيز الصناعات العسكرية الأميركية التي تشكل اليوم العمود الفقري للدعم العسكري المقدم لإسرائيل؟ وإذا كانت هذه الأموال قد أسهمت في تنمية القدرات العسكرية الأميركية، فإن من حق الرأي العام العربي أن يتساءل: هل تحولت الثروات العربية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى عنصر يعزز ميزان القوة الذي يُستخدم في حروب تدفع شعوب المنطقة أثمانها الباهظة؟

إنها أسئلة لا تستهدف الشعوب العربية، ولا تنكر خصوصية العلاقات الدولية وتعقيداتها، لكنها تفتح باباً واسعاً للنقاش حول مسؤولية السياسات والخيارات الاستراتيجية، وحول ما إذا كان العالم العربي قد امتلك يوماً مشروعاً مستقلاً يحمي مصالحه ويصون قراره بعيداً عن معادلات القوة الدولية.

حصيلة أموال الخليج والتسليح الأمريكي والامداد الغربي لإسرائيل سفك دماء العرب في غزة وجنوب لبنان وسورية والعراق وإيران
حصيلة أموال الخليج والتسليح الأمريكي والامداد الغربي لإسرائيل سفك دماء العرب في غزة وجنوب لبنان وسورية والعراق وإيران

هل يصنع اختلال القوة سلاماً دائماً؟

ويبقى السؤال الأكبر: كيف يمكن لشعوب دفعت كل هذه الأثمان من الدماء والدمار أن ترى مسؤوليها يتعاملون مع هذا الواقع وكأنه أمر طبيعي؟ وهل يمكن الحديث عن سلام عادل أو استقرار حقيقي في ظل استمرار هذا الاختلال الفادح في موازين القوة، واستمرار الدعم غير المشروط الذي يجعل القانون الدولي عاجزاً عن حماية المدنيين وحقوق الشعوب؟

هذه ليست دعوة إلى القطيعة مع أحد، بقدر ما هي دعوة إلى مراجعة صادقة، وإلى مساءلة سياسية وأخلاقية تفرضها تضحيات الشعوب، وإلى إعادة الاعتبار لمفهوم الكرامة الوطنية، حتى لا يصبح الدم مجرد رقم، ولا تتحول المصافحات إلى مشهد يتجاوز في رمزيته آلام الضحايا وذاكرة الأوطان.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com