مركز بيروت للأخبار – قراءة تحليلية
بقلم: مبارك بيضون – مدير مركز بيروت للأخبارلم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُقاس بعدد الضربات العسكرية أو حجم التصريحات المتبادلة، بل باتت تُقرأ من خلال طبيعة الأهداف التي يجري اختيارها، والرسائل الاستراتيجية التي يحملها كل تحرك ميداني. ففي النزاعات بين القوى الكبرى أو القوى الإقليمية المؤثرة، غالباً ما تكون طبيعة الهدف أهم من عدد الأهداف، لأن اختيار بنك الأهداف يكشف عن مستوى التصعيد والغاية السياسية المرجوة منه.
وخلال الأيام الأخيرة، تشير المعطيات المتداولة إلى أن العمليات الأميركية ركزت بصورة ملحوظة على الشريط الساحلي الإيراني، قبل أن تتسع لتشمل أهدافاً تقع في عمق الأراضي الإيرانية. ومن الناحية العسكرية، لا يمكن النظر إلى هذا التحول باعتباره مجرد توسع في نطاق العمليات، بل باعتباره انتقالاً تدريجياً من مرحلة إضعاف القدرات التشغيلية إلى مرحلة زيادة الضغط على البنية الاستراتيجية للدولة.

ويكتسب الساحل الإيراني أهمية استثنائية في العقيدة الدفاعية الإيرانية. فهو لا يمثل منفذاً بحرياً فحسب، بل يشكل جزءاً من شبكة متكاملة تضم قواعد بحرية ومنشآت لوجستية ومرافئ وبنى تحتية مرتبطة بحماية الممرات البحرية وإدارة العمليات في الخليج ومضيق هرمز. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف هذه المنطقة يحمل رسالة تتجاوز البعد العسكري المباشر، ومفادها أن خطوط الإمداد ومراكز الدعم ليست بمنأى عن الضغوط.
أما الانتقال إلى استهداف منشآت تقع في العمق، فهو يحمل دلالات مختلفة. ففي العلوم العسكرية، يُعد الانتقال من الأطراف إلى العمق مؤشراً على رفع مستوى الضغط الاستراتيجي، لأنه يطال مراكز القيادة أو البنى الداعمة أو المنشآت ذات القيمة العسكرية والاقتصادية الأعلى. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الهدف هو توسيع الحرب، لكنه يعكس محاولة لإعادة رسم حدود الردع وإجبار الطرف المقابل على إعادة حساباته.
في المقابل، تبدو إيران متمسكة بسياسة تقوم على الفصل بين الرد العسكري والخطاب السياسي. فمن جهة، تؤكد أنها سترد على أي اعتداء، ومن جهة أخرى، تحرص على إبقاء خطابها الرسمي في إطار الدفاع عن السيادة ورفض الضغوط الخارجية. ويهدف هذا النهج، على ما يبدو، إلى الحفاظ على صورة الدولة القادرة على الرد، من دون منح الخصم مبرراً لتوسيع المواجهة بصورة غير محسوبة.

وفي هذا السياق، لا تبدو التصريحات الأميركية بشأن العودة إلى المفاوضات منفصلة عن التحركات العسكرية، بل يمكن قراءتها باعتبارها جزءاً من استراتيجية ضغط متعددة الأدوات، تجمع بين القوة العسكرية، والردع النفسي، والرسائل السياسية. فواشنطن تحاول، وفق هذا المنطق، رفع كلفة استمرار التصعيد، مع الإبقاء على خيار التفاوض قائماً إذا توفرت الشروط التي تراها مناسبة.
في المقابل، تستخدم إيران أوراقاً مختلفة، أبرزها موقعها الجغرافي وتأثيرها المحتمل في أمن الملاحة وإمدادات الطاقة. فالحديث عن طرق نقل النفط والغاز لا يقتصر على كونه تهديداً عسكرياً، بل يمثل رسالة إلى الأسواق الدولية والدول المستهلكة للطاقة بأن أي تصعيد واسع لن تبقى آثاره محصورة بين واشنطن وطهران، وإنما قد تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
ومن زاوية أوسع، تكشف هذه المرحلة عن تغير في طبيعة الصراع نفسه. ففي السنوات الماضية، كانت المواجهة تعتمد بدرجة كبيرة على الوكلاء والعمليات غير المباشرة والضغوط الاقتصادية والعقوبات. أما اليوم، فإن المؤشرات توحي بارتفاع مستوى الاحتكاك المباشر، وإن ظل حتى الآن ضمن سقوف محسوبة. وهذا يعني أن هامش الخطأ في التقدير أصبح أضيق، وأن أي حادث ميداني قد يؤدي إلى انتقال سريع نحو مرحلة أكثر خطورة.

ورغم ذلك، لا تشير الوقائع الحالية بالضرورة إلى أن الطرفين يسعيان إلى حرب شاملة. فالولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة مفتوحة ستكون مرتفعة الكلفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، كما تدرك إيران أن الانزلاق إلى حرب واسعة قد يفرض عليها تحديات داخلية وخارجية كبيرة. لذلك، يبدو أن الطرفين يحاولان تحقيق أكبر قدر من المكاسب ضمن إطار “التصعيد المنضبط”، حيث تُستخدم القوة لتحسين الموقع التفاوضي أكثر مما تُستخدم لحسم الصراع عسكرياً.
ومن هنا، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة. السيناريو الأول يتمثل في استمرار الضربات المتبادلة ضمن حدود تمنع الانفلات الكامل، مع بقاء قنوات الاتصال السياسية قائمة بصورة غير مباشرة. أما السيناريو الثاني، فيقوم على توسع رقعة العمليات نتيجة خطأ في الحسابات أو استهداف منشآت شديدة الحساسية، بما يؤدي إلى ردود فعل متبادلة يصعب احتواؤها سريعاً. في حين يبقى السيناريو الثالث قائماً على نجاح الضغوط العسكرية والسياسية في إعادة الطرفين إلى مسار تفاوضي جديد، ولو بعد مرحلة من التصعيد.
وفي المحصلة، فإن المشهد الحالي لا يعكس مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل يعبر عن صراع على إعادة صياغة قواعد الردع في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية. ولذلك، فإن فهم طبيعة الأهداف العسكرية، وربطها بالسياق السياسي والاقتصادي، يظل مفتاحاً أساسياً لقراءة ما يجري واستشراف الاتجاهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة، مع بقاء التطورات الميدانية العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار الأحداث.
