بقلم: طارق قبلان

تصريحات ترامب وردود الفعل داخل بيئة المقاومة

لم يكد عدد من المحسوبين على تيار المقاومة يسمعون خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول “تلزيم” لبنان عسكرياً للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع حتى هُرعوا إلى تأكيد الخطاب، والتعامل معه على أنه الواقع الذي لا محيص منه، فظهروا كأنهم على سويّة مع الذين يقرّون بأن كلام ترامب أوامر، ورغباته متحققة ولو بعد حين، والدول والأمم تبعٌ له يسيرون من دون سؤال أو جواب!
بعضٌ آخر من اللبنانيين وسواهم أسرّوا شوقهم إلى رؤية جحافل المتطرفين من السوريين تستبيح مناطق لبنانية داعمة للمقاومة، ومنّت النفس بأن يقوم “متعددو الجنسيات” الآتون من الشرق بما عجز عن القيام به الكيان الاحتلاليّ في جنوب لبنان.
إذن، كلا الطرفين اتّفقا من غير تنسيق؛ أحدهما بفعل السّذاجة، والثاني بسبب الخبث، في الوقت الذي لم يكن فيه دونالد ترامب أكثر ثقة بالانتصار منه في سابق الأيام، يوم راهن على بنيامين نتنياهو، فيما لم تحظَ بعدُ المهمة المفترضة ضد المقاومة في لبنان بموافقة السلطة الحالية في دمشق، مهما تكن أشباح الماضي ضاغطة.

المصالح السورية والتموضع الجديد في لبنان

المصالح السورية والتموضع الجديد في لبنان
المصالح السورية والتموضع الجديد في لبنان

في المقابل، ثمة من يخالف الطرفين الموقفَ، ويرى أن تموضعاً سياسياً قد استجدّ، وأن المصالح الدولتة الثابتة التي تحكم العلاقات اللبنانية – السورية كما خريطة النفوذ والتحالفات في الإقليم توجب منطقاً مختلفاً يحكم التعاطي مع الوقائع والأطراف، وأن دمشق التي ستحاول الاضطلاع بدور إقليمي، تحديداً في لبنان، ستكون بحاجة إلى أدوات ومفاتيح وأطر لممارسة النفوذ، الذي لا يمكن أن يكون في الفراغ. ولن تكون المراهنة على الطائفة السنية في تعويم الدور السوري في محلها، لأنها – وإن انطلقت من عصبية مذهبية – لن تستطيع – كما هي الحال دائماً – أن تشكل الرافعة الضرورية للنفوذ السوري ذي الوجه العربي، فيما كان الشيعة على الدوام أنصار الخيار العربي، وأبرز الدافعين لضريبة الانتماء، منذ تشكيل الكيانات العربية المستقلة، وصولاً إلى الثورة الفلسطينية، وانتهاء إلى مقاومة الاحتلال الصهيوني للبنان.

موقف الدولة اللبنانية بين الصمت والرهان

موقف الدولة اللبنانية بين الصمت والرهان
موقف الدولة اللبنانية بين الصمت والرهان

لكن ما بين أولئك وهؤلاء يبرز الموقف الخامل للسلطة في لبنان، ممثلة برئيس الجمهورية جوزيف عون، وبرئيس الحكومة نواف سلام، تجاه موقف الشرع وقبله ترامب. وجلّ ما أبدعه النابغة العوني أنه اكتفى بالركون إلى نوايا الرئيس السوري الحسنة، وردّ على تصريحاته بإيجابية لا تميّز حكيه الداخلي، وفي منطوقه “نُدرك أن الرئيس أحمد الشرع يتمتع بحسٍ عالٍ من المسؤولية والوعي، ولن ينجرّ إلى مستنقع لبنان”. استكان قائد الجيش السابق إلى سلميّة التصريح الشامي، لكنه لم يكلّف نفسه عناء التحدّث بنبرة السيادة مثلما كان يتبجّح خلال إمرته العسكرية بقطع الأيدي، وحسم الأمور، وإبقاء أيدي القوات المسلحة هي العليا، ومواجهة العدوان الخارجي.

والأنكى أنه قبل ذلك تلقّى تصريحات ترامب من “فم ساكت”، ولم يزد على أننا “نأخذ تصريحات الرئيس ترامب بشأن احتمال تدخّل سوري بعين الاعتبار”!
الرئيس “ومساعده للشؤون الحكومية” اللذين لا يملكان من أمرهما شيئاً سوى الامتثال للإرادة الأمريكية، واللذين لم يخجلا من التزام الصمت على الاغتيالات التي ترتكبها قوات الاحتلال في جنوب لبنان، فوقّعا معها اتفاقاً إطارياً مخزياً، لا يمثّلان حجر الرحى في السياسة اللبنانية إلا بقدر ما أعطتهما السلطة الدستورية من صلاحيات شكلية، فيما أقطاب السياسة اللبنانية متجذّرون في داخل الطوائف اللبنانية، ولا سيما الطائفة الشيعية، إذ فرض حزب الله وحركة أمل نفسيهما في معادلات الواقع والميدان لا في المعادلات الرياضية الشكلية، وفق ما تجلّى في زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الذي التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري، وأعرب عن انفتاحه على اللقاء مع حزب الله إذا كان هناك من ضرورة، فيما خفتت أصوات المتطرفين الذين كانوا ينفخون أبواق التحريض والتهديد.

حزب الله ودمشق… رسائل التقارب غير المعلنة

حزب الله ودمشق... رسائل التقارب غير المعلنة
حزب الله ودمشق… رسائل التقارب غير المعلنة

في المقابل، يُكرّر قادة حزب الله – بصفتهم المعنيين الأساسيين بأعباء المقاومة – إشارات بنّاءة تجاه الرئيس السوري والسلطة الدمشقية، من دون أن يكشفوا خفايا العلاقة الراهنة بين الجانبين. صحيح أن عدداً من الصحافيين المحسوبين على جبهة المقاومة تحدّثوا عن تقارب ولقاءات وتشبيك بين الجانبين اللبناني والسوري، إلا أن كلاماً واضحاً حاسماً لم يصدر عن أي جانب.
في الإطار، يأتي كلام السيد نواف الموسوي (مسؤول ملف الموارد والحدود في حزب الله) قاطعاً في الدلالة على علاقة ودية، قد بلغت مرحلةً ما مع سلطة الشرع. كذلك، لم يخفِ النائب علي فياض قيام تواصل في تركيا، محوره العلاقة مع الشام.

 

التقارب مع دمشق بين الانتقاد وضرورات السياسة

التقارب مع دمشق بين الانتقاد وضرورات السياسة
التقارب مع دمشق بين الانتقاد وضرورات السياسة

قد يأخذ البعض على حزب الله اقترابه من دمشق، ويشدّد على ضرورة إقفال ملفات مفتوحة قبل التقارب العتيد، فضلاً عن تحصيل حقوق اللبنانيين الذين أوذوا في الفترة السابقة من الصراع. لكن هذا البعض يغفل أو يتغافل عن أن لبنان أشبه ما يكون بكونفدرالية طوائف وليس نظاماً ودولة مركزية، وقد سبق لكثيرين من هذا الشريط الساحليّ المسمّى جمهورية أن تأسّوا بفخر الدين الأول، فسارعوا إلى الشام لا لإقامة علاقات نديّة بل لتقريظ الحكم الجديد والحاكم، أوّلهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط مهجوساً بهواجس طائفية و مناطقية وإقليمية، ثمّ كرّت السبحة، ثمّ لم يبخل رئيس الجمهورية جوزاف عون بالثناء على حكومة الشام، ومثله رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أرخى العنان لميله، بل لم يسمح للبروتوكول بالبقاء عثرة أمامه حين وقّع على معاهدة التنسيق والتعاون من دون وجود نظير، بعد أن كان ممّن ينتقدون “عيوباً” في المعاهدة السابقة مع نظام البعث الاشتراكي.

الرد السوري على ترامب ومستقبل العلاقة مع المقاومة

الرد السوري على ترامب ومستقبل العلاقة مع المقاومة
الرد السوري على ترامب ومستقبل العلاقة مع المقاومة

إذن، لا يعود – والحال هذه – مستغرباً تموضع حزب الله والمقاومة إزاء القوى في المنطقة، ولا تموضع السلطة السورية تجاه حزب الله، فيما يجدّ كثيرون في البحث عن تصريف لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإقحامه الرئيس الانتقالي في سوريا أحمد الشرع على خط المواجهة الصهيونية – اللبنانية إلى أنه يودّ أن يرى “هجوماً جراحياً أكثر دقة ضد حزب الله”.
قد أتى الرد السوري على ترامب غير مباشر، فمال الرئيس السوري إلى إبداء الإيجابية، واصفاً طلب التدخل بالإشاعات، مضيفاً “توجُّهنا ينطلق من السعي لوقف الحرب في لبنان وليس توسيعها أو الانخراط فيها”. ولعل الشرع يعوّل على مظلّة عربية – إقليمية لاتقاء غرور ترامب، حمايته من دفع ثمن الإعفاءات الأخيرة التي نالتها سوريا من الولايات المتحدة الأمريكية.

التحديات الإقليمية وإعادة تموضع سوريا

التحديات الإقليمية وإعادة تموضع سوريا
التحديات الإقليمية وإعادة تموضع سوريا

المثير في نبرة الشرع أنها انطوت على حالة أبويّة ميّزت السياسة السورية السابقة، ولا يبدو أن النظام الحالي في وارد التخلّي عن هذا الامتياز، لكنه يُدرك أن السياسة لا تختزل بالخطابات، ولا بالعداوات الشخصية، ولا بالخسائر الموضعية، وأن عليه تطبيق استراتيجيات تعيد لسوريا مناعتها الوطنية، ودورها الإقليمي – إذا استطاعت –. وأبرز التحديات تتمثل بالكيان الصهيوني، الذي يتغوّل في المنطقة راهناً، من فلسطين إلى لبنان فسوريا وصولاً إلى إيران مع تهديدات متواصلة لتركيا. وهذا الكيان إذا كان لم يرحم توسلات رئيس سلطة رام الله فكيف سيرحم أي طموحات لأنظمة ذات خلفيات دينية؟

إيران وتركيا ومعادلات التوازن الجديدة

إيران وتركيا ومعادلات التوازن الجديدة
إيران وتركيا ومعادلات التوازن الجديدة

ثمة لاعبان أسياسيان في لبنان وسوريا حزب الله والشرع، يرتبطان بتحالف وثيق مع إيران وتركيا، اللتين استطاعتا إرساء توازن في المصالح منذ قرون، وليس بمعجز أن ينهل أبناء لبنان وسوريا من تجربة الحليفين الأكبرين فيُرسيا توازناً مستظلاً بالتوازن الإقليمي ليواجها التحديات الداهمة. أما المراهنة على دور تركي جذريّ في التعامل مع حزب الله وإيران فلا تبدو واقعية، وتركيا أكبر من أن تقاد من أمريكا والكيان الصهيوني، وثمة مصالح وطنية وثوابت تاريخية ترسم سياساتها، ولطالما كانت مندرجة في المشروع الإسلامي الكبير.

صحيح أن النظام الجديد في سوريا حريص على الرضى الأمريكي، ويعمل على إخراج نفسه من ضائقة العقوبات الأمريكية الظالمة، لكنه ليس بالتهور الذي قد يوحي به ترامب أو يمارسه، وثمة إواليات سورية معتمدة اليوم مختلفة عن مثيلاتها في الفترة الفصائلية، والشرع يسعى لتثبيت أركان النظام، كما يسعى لتلافي تجارب سنية سابقة؛ وذلك عبر الخروج من منطق الجماعات إلى منطق الدولة لأنه ضرورة من ضرورات الحكم.

الدولة السورية الجديدة والعلاقة المستقبلية مع لبنان

 

إلى ذلك، لطالما تميّزت العلاقة بين لبنان وسوريا بالدقة، منذ الاستقلال حتى تاريخه، ولم يعد الصدام بينهما بالخير على أيّ منهما، وكذلك لن يعود مستقبلاً. لذلك، سيكون من الأجدى – وهو ما يفقهه السوريون – التعامل مع لبنان كسندٍ استراتيجي بغض النظر عن الأنظمة في البلدين، كما هي مصر للسودان، مع التفاوت في إمكانيات البلدين؛ فبالرغم من المساحة السورية والعدد، فهو ذو طاقات، وإحدى حواضر بلاد الشام العريقة، والحاضن لتجارب كثيفة ستستفيد منها سوريا إذا سلكت سبيل السياسة الحسنة والكلمة الطيبة، وطوت سجلات الماضي الفائت ومعاناته الكبيرة.

طارق قبلان
11-07-2026

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com