بقلم الدكتور محمد خليل رضا
لا نطلب في هذه المقالة المختصرة جدًا من الدولة اللبنانية حضور مندوبين من وزارات الصحة، والعدل، والداخلية والبلديات، والاستعانة بالكلاب البوليسية، وفرق الطب الشرعي، واختصاصيي علم الإنسان الشرعي، أو أي جهة أخرى، للتأكد من وجود جثث، أو بقايا جثث، أو أشلاء متفحمة ومشوّهة، أو رؤوس متطايرة، أو أطراف مبتورة.
لكنني أطرح سؤالًا على نفسي، ولا أملك الإجابة عنه، وهو:
هل قامت الدولة اللبنانية، ممثلةً ميدانيًا بالوزارات ذات الصلة، مثل وزارة الصناعة، و وزارة البيئة، و وزارة الداخلية والبلديات، والتنظيم المدني، والمخافر، والبلديات، ونقابة المهندسين، وغيرهم، بأخذ عينات مختلفة من الأبنية التي سُوِّيت بالأرض نتيجة مخلفات الحرب الإسرائيلية على لبنان، قبل وبعد 2 آذار (مارس) 2026؟
لقد شاهدنا أبنية شاهقة، يزيد عدد طوابقها على عشرة، وقد سُوِّيت بالأرض بالكامل، كما لاقت منشآت أخرى المصير نفسه.
وقِس على ذلك الكثير.
فهل جرى التأكد من جودة مواد البناء، ولا سيما:
- الإسمنت.
- الرمل.
- البحص.
- الحديد.
- الحجارة.
- وسائر المواد المستخدمة في البناء؟
لأننا كنا نشاهد، وعن قرب وبالعين المجردة، معامل وورشًا ميدانية تقوم بغسل التراب الأحمر الصالح للزراعة والزهور والمشاتل، ثم تحويله إلى ما يشبه الرمل، ولكن بلون مختلف عن أصله.
وهذه العملية التحويلية، من الناحية البيو كيميائية والميكانيكية والعملية، قد تؤدي إلى فقدان المادة جزءًا من قوة تماسكها وتراصها، وهو ما ينعكس سلبًا على جودتها ومتانتها وانسجامها الطبيعي، نتيجة خسارة بعض المعادن والمواد العضوية التي تدخل في تكوينها، قبل خلطها بالمياه والإسمنت والبحص وسائر مواد البناء المستخدمة في صب الأسقف، والأعمدة، والأساسات، والخرسانات، وجدران الدعم، وغيرها من عناصر البناء.
وأكثر من ذلك، كنا نلاحظ أثناء مرورنا في أكثر من منطقة لبنانية أطلال الأبنية المدمرة، وقد غطتها أكوام الهدم والردم والأنقاض، وبقايا ما كان يومًا مبنى قائمًا.
وكان لون الكتل الإسمنتية فاتحًا، قريبًا جدًا من اللون البيج، وليس اللون الرمادي الداكن الذي يدل عادةً على نسبة إسمنت مرتفعة داخل الخلطة الخرسانية.
وهنا يبرز السؤال من جديد:
هل كانت هذه الخلطات مشبعة فعلًا بالإسمنت وبالمواد المطلوبة وفق المواصفات الهندسية، أم أن نسب المواد المستعملة لم تكن مطابقة؟
وهنا يبرز سؤال آخر، وربما هو الأهم:
هل تقوم البلديات، والتنظيم المدني، ومخافر المناطق، ومهندسو البلديات، وغيرهم من الجهات المعنية، بواجبهم في إجراء جولات وكشوفات ميدانية على الأبنية قبل إنشائها، للتأكد من جودة المواد المستعملة في تنفيذ المشروع؟
بل وأكثر من ذلك، هل يتم اختيار أكياس إسمنت بصورة عشوائية وفتحها ومعاينتها، للتأكد مما إذا كانت تحتوي على مسحوق إسمنتي ناعم مطابق للمواصفات، أم أنها تحتوي على كتل إسمنتية متحجرة وصلبة نتيجة سوء التخزين أو انتهاء صلاحيتها؟
ومن جهة ثانية، هل تُجرى جولات تفتيش مماثلة أثناء صب الأسقف، والأعمدة، والأساسات، والخرسانات، وجدران الدعم، والعرقات فوق الأبواب والشبابيك، وبوابات المداخل، للتأكد من طبيعة المواد التي تدخل في الخلطة الخرسانية؟
وهل هذه المواد مستوفية للشروط المطلوبة من حيث الكمية، والنوعية، والجودة؟
كما ينبغي التدقيق جيدًا في رخص البناء والإنشاءات، وإجراء الفحص الميداني لمواد البناء، للتأكد من أن الإسمنت مطابق للمواصفات، وأن الرمل هو رمل مخصص للبناء، وليس ترابًا مغسولًا جرى تحويله ليشبه الرمل.
وماذا عن البحص؟ هل هو صلب وقاسٍ، أم أنه يتفتت بسهولة؟
وماذا عن الحديد المستخدم في الأسقف؟ هل هو من النوع المجدول وبالأقطار المحددة وفق المواصفات الهندسية؟
وهل تنطبق المواصفات نفسها على الحديد المستخدم في الأعمدة، والأساسات، والخرسانات، والجدران، والأسقف، وسائر العناصر الإنشائية؟
ثم نصل إلى المياه المستخدمة في الخلطة الخرسانية.
هل هي مياه عذبة وصالحة للبناء، أم أنها مياه مالحة أو غير مطابقة للمواصفات؟
وهناك أيضًا سؤال لا يقل أهمية:
كم كيسًا من الإسمنت يُستخدم في كل خلطة خرسانية؟
وهل يتم الالتزام بالنسب العلمية المطلوبة؟
وأكرر، هل الإسمنت الموجود داخل الكيس ناعم كالبودرة، أم يحتوي على كتل متحجرة وأجسام صلبة مختلفة الأحجام والأشكال تظهر بوضوح عند فركه باليد؟
كما يجب التأكد من تاريخ صلاحية الإسمنت قبل استعماله، لأن انتهاء صلاحيته قد يؤثر بصورة مباشرة على متانة الخرسانة وجودتها.
ومن الضروري أيضًا الالتزام الكامل بالشروط والمعايير الهندسية، والهيكلية، والإنشائية، والمعمارية، في جميع مراحل البناء، ومن مختلف الجوانب.
فنحن، كمواطنين لبنانيين، لا نطلب المستحيل، بل نطالب بتطبيق القانون، وهذا من صلب مسؤولية الوزارات المختصة، والمحافظين، والقائمقامين، والبلديات، ومخافر المناطق، وسائر الإدارات الرسمية المعنية.
ونسأل أيضًا:
ما هو عمق الأساسات؟ وما ارتفاعها؟ وما مساحة الملجأ؟ وما سماكة جدران الدعم؟
وهل صُممت هذه الأساسات لتتحمل إقامة بناء يزيد على عشرة طوابق، أو حتى أقل من ذلك؟
ومن باب السلامة العامة أيضًا، يجب أن تكون هناك مسافة قانونية فاصلة بين هذا المبنى وذاك، وفق التراجع القانوني والإنشائي المحدد في رخصة البناء، وبما يتناسب مع مساحة الأرض.
وذلك تفاديًا لامتداد النيران، لا سمح الله، من مبنى إلى آخر في حال اندلاع حريق، كما حصل بالأمس في منطقة الحمرا، في قلب العاصمة بيروت، حين احترق الطابق الأخير من مبنى مؤلف من ثمانية طوابق، وكادت النيران تمتد إلى المبنى المجاور الذي لا تفصله عنه سوى سنتيمترات معدودة.
وقد وقع هذا الحادث في منطقة الحمرا الراقية وسط بيروت، وليس في أحد أحياء حزام البؤس في الضاحية الجنوبية، أو في منطقة صحراء الشويفات، أو العمروسية، أو حي السلم، أو أي منطقة أخرى من لبنان.
وأنا هنا أتحدث بصورة عامة، وأحمّل مسؤولية المتابعة والتفتيش إلى الأجهزة المختصة، وفي مقدمتها مصلحة التفتيش في وزارة الصناعة، ووزارة البيئة، والمحافظون، والبلديات، والتنظيم المدني، ومخافر المناطق، وسائر الجهات المعنية.
وربما يكون بعض من ذكرت قد تأثر بمعادلة مفادها:
«رنين المال… والمال يداوي كل شيء!»
لكن عندما تنهار الأبنية، ليس بسبب القصف والحرب وحدهما، وإن كانا من الأسباب الأساسية، بل أيضًا نتيجة الأمطار الغزيرة، أو الثلوج، أو الرياح العاتية، ويقع المحظور، عندها تبدأ عملية تبادل المسؤوليات، ويكثر الأسف والاستنكار، ويتأثر الجميع.
لكن، وبعد فوات الأوان…
يتقاذف الجميع المسؤوليات، بينما يكون الضحايا قد دُفنوا تحت الأنقاض.
«وعظم الله أجوركم…»
الدكتور محمد خليل رضا
طبيب شرعي، وأخصائي في تشريح الجثث، وعلم الضحية والأذى الجسدي، والقانون الطبي، وعلم الجريمة، وجراح، وأستاذ جامعي، وأستاذ مساعد سابق في مستشفيات باريس – فرنسا.
ومصنف علميًا (A+++) في الجامعة اللبنانية.
ورئيس اللجنة العلمية في التجمع الطبي الاجتماعي.
وله اختصاصات علمية وطبية متعددة.
بيروت – لبنان
