كتب باسم الموسوي
لم يعد السؤال الذي يشغل العالم هو ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال دولة عظمى. فهي كذلك بلا جدال: تمتلك أكبر شبكة تحالفات عسكرية، وتحتفظ بتفوّق تكنولوجي ومالي هائل، وينتشر نفوذها السياسي والثقافي في القارات الخمس. لكن السؤال الحقيقي صار مختلفاً: هل ما زالت أميركا قادرة على أن تتصرف بوصفها القوة التي تحدد وحدها قواعد النظام الدولي، وتقرر من هو الحليف ومن هو العدو، وأين تبدأ الحرب وكيف تنتهي؟
الجواب الذي يتشكل تدريجياً أمامنا هو: لا.
ليست الولايات المتحدة في طور الانهيار، كما يحب خصومها أن يتخيلوا، لكنها تغادر زمناً تاريخياً استثنائياً بدأ مع سقوط الاتحاد السوفياتي سنة 1991. يومها وجدت واشنطن نفسها بلا منافس قادر على موازنتها، فتصورت أن التاريخ منحها تفويضاً مفتوحاً لإعادة بناء العالم على صورتها، وأن ما تريده أميركا لا بد أن يصبح، عاجلاً أو آجلاً، ما يريده «المجتمع الدولي».
ثلاثة عقود انقضت منذ ذلك الحين. سقطت أنظمة، واحتُلت دول، وتوسعت أحلاف، وفُرضت عقوبات، وأعيد رسم حدود القوة والنفوذ. لكن العالم لم يصبح أكثر أميركية، ولا أكثر استقراراً، ولا أكثر ديمقراطية. وما بدا في التسعينيات انتصاراً نهائياً، يظهر اليوم باعتباره مرحلة عابرة بين نظامين: نظام ثنائي القطبية انتهى، ونظام متعدد الأقطاب لم يكتمل بعد.
نحن، إذاً، في زمن بين زمنين؛ العالم القديم مات، لكن العالم الجديد لم يولد كاملاً.
وهم القوة التي لا حدود لها
لم تكن المشكلة الأساسية في القوة الأميركية نفسها، بل في سوء فهمها. فقد اعتقدت النخب الحاكمة في واشنطن أن التفوق العسكري والاقتصادي يعني القدرة على تحويل المجتمعات، وإعادة تشكيل الدول، ونشر الديمقراطية بالقوة، وفرض نظام عالمي دائم تقوده الولايات المتحدة.
من هنا ولدت حروب أفغانستان والعراق، ثم التدخل في ليبيا، واتسعت سياسة العقوبات الاقتصادية، وتكرست فكرة أن من حق واشنطن أن تقرر شرعية الأنظمة، وأن تحدد أي دولة تستحق الحماية وأي دولة تستحق العقاب.
لكن القوة ليست هي القدرة المطلقة. تستطيع الجيوش احتلال العواصم، لكنها لا تستطيع صناعة الشرعية. يمكنها إسقاط حكومة، لكنها لا تستطيع بناء مجتمع سياسي مستقر من الخارج. تستطيع العقوبات إضعاف الاقتصاد، لكنها قد تعجز عن تغيير القرار السياسي، وقد تدفع الدول المستهدفة إلى البحث عن شبكات مالية وتجارية بديلة.
في العراق، أسقطت الولايات المتحدة الدولة قبل أن تعرف ماذا ستضع مكانها. وفي أفغانستان، أنفقت عشرين عاماً لبناء نظام انهار في أيام. وفي ليبيا، انتهى شعار «حماية المدنيين» إلى تفكيك الدولة وتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات.
لم تكن تلك الإخفاقات حوادث منفصلة، بل نتائج منطقية لعقيدة كاملة قامت على الخلط بين التفوق والقدرة على التحكم، وبين قيادة العالم وامتلاكه.
عالم لا يقبل الاصطفاف
التحول الأهم اليوم لا يتمثل فقط في صعود الصين. الأهم هو اتساع عدد الدول التي ترفض أن تُحشر داخل معسكر واحد.
الهند لا تريد أن تكون تابعاً للولايات المتحدة في مواجهة الصين، ولا حليفاً صينياً ضد واشنطن. البرازيل لا ترى نفسها مضطرة إلى الاختيار بين الشرق والغرب. تركيا تساوم بين الأطراف، وتستخدم موقعها داخل حلف شمال الأطلسي من دون التخلي عن علاقاتها مع روسيا وآسيا. ودول الخليج تنفتح على الصين، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها الأمنية التقليدية مع الولايات المتحدة.
حتى أوروبا، التي بقيت لعقود تحت المظلة الأميركية، بدأت تتساءل عن معنى استقلالها الاستراتيجي، وإن كانت لا تزال مترددة في تحمل كلفته.
هذه الدول لا تسعى كلها إلى إسقاط النظام الدولي القائم، لكنها لم تعد تقبل أن تبقى مجرد أطراف هامشية في نظام صُمم من دونها. وهي لا تنظر إلى العالم بوصفه مباراة بين الخير والشر، بل بوصفه فضاءً للمصالح والفرص والمخاطر.
المشهد الجديد ليس عودة إلى الحرب الباردة. ففي الحرب الباردة كان العالم منقسماً بين كتلتين واضحتين، لكل منهما مؤسساتها واقتصادها وتحالفاتها. أما اليوم، فالعلاقات متداخلة: دولة قد تعتمد على الولايات المتحدة في الأمن، وعلى الصين في التجارة، وعلى روسيا في الطاقة، وعلى الهند في التكنولوجيا.
هذا التعقيد يجعل سياسة «معنا أو ضدنا» أقل واقعية من أي وقت مضى.
أميركا الأولى… لا الوحيدة
المطلوب من الولايات المتحدة ليس الانسحاب من العالم، بل الخروج من وهم السيطرة عليه. فهناك فارق جوهري بين الدولة القوية والدولة المهيمنة، وبين القيادة والشمول، وبين حماية المصالح ومحاولة إدارة مصائر الشعوب.
يمكن لأميركا أن تبقى الأقوى، ولكن بوصفها «الأولى بين نظرائها»، لا بوصفها الإمبراطور الذي يقف فوق الجميع.
هذه الصيغة تقتضي إعادة تعريف المصلحة الأميركية. فليس كل نزاع في العالم تهديداً للأمن القومي الأميركي، وليس كل حليف مسؤولية دائمة، وليس كل خصم خطراً وجودياً. عندما تتحول المصالح إلى قائمة لا تنتهي، تفقد الاستراتيجية معناها، لأن الدولة التي تحاول حماية كل شيء تنتهي غالباً عاجزة عن حماية ما هو أساسي.
المصالح الحيوية لأميركا واضحة: حماية أراضيها، منع هجوم نووي عليها، الحفاظ على اقتصادها وقدراتها التكنولوجية، وضمان ألا تسيطر قوة معادية على المراكز الصناعية الكبرى في العالم. أما نشر الديمقراطية بالقوة، وإعادة بناء الدول، والتدخل في كل نزاع إقليمي، فهي أهداف باهظة الكلفة ومحدودة الجدوى.
ليست الواقعية تخلّياً عن القيم، بل اعترافاً بأن القيم لا تُنقل على ظهور الدبابات، وأن المجتمعات لا تتغير وفق جداول زمنية تضعها وزارات الخارجية.
أوروبا التي يجب أن تدافع عن نفسها
من أبرز نتائج الهيمنة الأميركية بعد الحرب الباردة أن أوروبا، على الرغم من غناها وقدراتها الصناعية والبشرية، بقيت تعتمد على الولايات المتحدة في أمنها الأساسي.
كان ذلك مفهوماً في زمن الاتحاد السوفياتي، لكنه أصبح أقل منطقية بعد ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الباردة. لقد تحولت المظلة الأميركية من وسيلة مؤقتة إلى بنية دائمة، وأصبح الحلفاء الأوروبيون يتعاملون مع الدفاع الأميركي كأنه حق مكتسب لا التزام استراتيجي قابل للمراجعة.
السياسة الأكثر عقلانية ليست أن تهجر واشنطن أوروبا فجأة، بل أن تنقل إليها عبء الدفاع تدريجياً. أوروبا قادرة على حماية نفسها إذا قررت أن تدفع الكلفة السياسية والاقتصادية لذلك. واستمرار الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لا يقوي الحلف الأطلسي، بل يبقيه علاقة غير متوازنة بين حامٍ وتابع.
العالم المتعدد الأقطاب يحتاج إلى شركاء قادرين، لا إلى دول تنتظر من واشنطن أن تحل أزماتها وتدفع فواتير أمنها.
الشرق الأوسط: منطقة لا يمكن ضبطها من الخارج
أما في الشرق الأوسط، فقد أثبتت التجربة أن الوجود العسكري الأميركي الكثيف لم ينتج استقراراً دائماً، بل جعل الولايات المتحدة طرفاً مباشراً في صراعات لا تستطيع حسمها.
منذ عقود، تحاول واشنطن إدارة المنطقة عبر القواعد العسكرية، والعقوبات، والتحالفات، والضغوط، وتغيير الأنظمة. لكنها وجدت نفسها كل مرة أمام نتائج لم تخطط لها: انهيار دول، صعود قوى جديدة، تمدد جماعات مسلحة، وتزايد العداء الشعبي للسياسة الأميركية.
الاعتراف بحدود القوة لا يعني أن تصبح المنطقة بلا أهمية، ولا أن تنسحب الولايات المتحدة من حماية طرق الملاحة أو مصالحها المباشرة. لكنه يعني الانتقال من محاولة إدارة الشرق الأوسط إلى التعامل معه بوصفه نظاماً إقليمياً له توازناته وقواه ومجتمعاته.
على واشنطن أن تتعلم أن لا دولة خارجية تستطيع فرض نظام دائم على المنطقة. فالتوازنات المحلية، مهما كانت مضطربة، أكثر رسوخاً من مشاريع الهندسة السياسية القادمة من الخارج.
ومن شأن تخفيف الحضور العسكري الأميركي أن يدفع القوى الإقليمية إلى تحمل مسؤولية أكبر، وأن يقلل من قدرة كل دولة على استدعاء القوة الأميركية لتصفية حساباتها مع جيرانها.
الصين: منافسة لا تحتاج إلى حرب عالمية
تبقى الصين التحدي الأكبر للولايات المتحدة، لأنها القوة الوحيدة التي تجمع بين الحجم الاقتصادي والقدرة الصناعية والتطور التكنولوجي والقوة العسكرية.
لكن التعامل مع الصين بمنطق الحرب الباردة قد يصنع الحرب التي يقول الجميع إنهم يريدون تجنبها. الصين ليست الاتحاد السوفياتي، والاقتصادان الأميركي والصيني متداخلان بصورة تجعل الانفصال الكامل مكلفاً للطرفين وللعالم.
المطلوب ليس منع الصين من النمو، فهذا هدف غير واقعي، بل منعها من تحويل قوتها إلى هيمنة مغلقة على آسيا. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ميزان قوى إقليمي، لا من خلال حصار شامل أو محاولة تغيير النظام الصيني.
تحتاج الولايات المتحدة إلى شركاء آسيويين أقوياء، وإلى قدرات دفاعية تجعل أي توسع عسكري مكلفاً، لكنها تحتاج أيضاً إلى تجارة واستثمار ودبلوماسية. فالنفوذ الصيني لا يقوم فقط على السفن والصواريخ، بل على الموانئ والطرق والأسواق والقروض والبنية التحتية.
وحين تقدم الصين للدول مشاريع اقتصادية، فيما تقدم واشنطن لها التهديد بالعقوبات ومحاضرات الاصطفاف، فلا ينبغي لأحد أن يتفاجأ من انجذاب كثير من الدول إلى بكين.
نهاية الأحادية ليست نهاية أميركا
قد تبدو فكرة التراجع الأميركي مريحة لخصوم الولايات المتحدة، لكنها لا تعني أن عالماً أفضل سيولد تلقائياً. فالتعددية القطبية تحمل مخاطرها أيضاً: تنافس القوى، ضعف المؤسسات الدولية، تزايد النزاعات الإقليمية، واحتمال سوء الحساب بين الدول النووية.
لكن إنكار التحول أخطر من الاعتراف به. الدولة التي تتصرف وفق صورة قديمة عن العالم تبدد مواردها في معارك لا تستطيع حسمها، وتدفع حلفاءها إلى التبعية، وخصومها إلى التكتل، والدول المترددة إلى الابتعاد عنها.
القوة الذكية ليست التي تدخل كل معركة، بل التي تعرف أي معركة تستحق أن تُخاض. والدولة العظمى ليست التي تمنع الآخرين من امتلاك الإرادة، بل التي تستطيع التعايش مع عالم تملك فيه دول أخرى مصالح ومواقف وخيارات مستقلة.
هذا هو التحدي الأميركي الحقيقي: الانتقال من سياسة الإمبراطورية إلى سياسة الدولة العظمى، ومن إدارة العالم إلى المشاركة في إدارته، ومن فرض الطاعة إلى بناء التوازنات.
لن تختفي الولايات المتحدة، ولن تصبح دولة عادية بالمعنى البسيط. لكنها لن تستطيع بعد اليوم أن تتصرف كأن العالم غرفة عمليات وهي وحدها صاحبة القرار.
لقد انتهى زمن القوة الواحدة، ولو تأخر أهل واشنطن في الاعتراف بذلك. والعالم الجديد لن يكون بلا أميركا، لكنه سيكون، على نحو متزايد، عالماً لا تستطيع أميركا امتلاكه.
