بقلم: اللواء حسن شقير – المدير العام للأمن العام
في المراحل الدقيقة من تاريخ الأوطان، لا تصبح قوة الدول مرتبطة فقط بما تمتلكه من إمكانات مادية أو أدوات حماية، بل بقدرتها على حماية وحدتها الداخلية وإنتاج التفاهمات التي تمنع تحول الاختلاف إلى انقسام، والتنوع إلى تنازع، والتحديات إلى أزمات مفتوحة. ولبنان، الذي يقف اليوم عند تقاطع مخاطر خارجية وضغوط إقليمية وتعقيدات داخلية متراكمة، يجد نفسه أمام فرصة ومسؤولية في آن واحد؛ فرصة استعادة المبادرة الوطنية، ومسؤولية تثبيت منطق الحوار باعتباره الطريق الأقصر إلى الاستقرار والأكثر رسوخًا في بناء المستقبل.
لقد أثبتت التجارب أن الأزمات مهما اشتدت لا تُدار بمنطق الغلبة، ولا تُحل عبر إلغاء الآخر أو تعطيل المؤسسات أو تحويل الاختلاف السياسي إلى خلاف. وحده الحوار يملك القدرة على تحويل التباين إلى عنصر غنى، وإعادة ترتيب الأولويات وفق المصلحة العامة، وفتح المجال أمام بناء تفاهمات تؤسس لمرحلة أفضل على المستويات السياسية والاقتصادية والإنمائية والحياتية. في العمق، فإن الأكثرية الساحقة من اللبنانيين ما زالت تتمسك بهدف جوهري لم يتغير رغم كل التحولات، وهو استكمال قيام دولة القانون والمؤسسات بوصفها الضامنة الوحيدة للعدالة والاستقرار وصون الحقوق.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى التزام نهج الحوار والتهدئة والسعي الحثيث إلى التوافق على الثوابت الوطنية والقواسم المشتركة التي يحددها الدستور ويؤطرها النظام الديمقراطي. فالحوار، بما هو حاجة مستمرة غير قابلة للتعطيل، نلجأ إليه في كل الظروف والأوقات، فإنه ثقافة وطنية دائمة تنتج الثقة، وتعيد الاعتبار للمؤسسات، وتحصن المجتمع من الانقسامات.
لبنان الذي استحق عبر تاريخه أن يكون مساحة لحوار الثقافات والحضارات والأديان، وجسرًا للتواصل والتكامل بين الشرق والغرب انطلاقًا من ميزاته الإنسانية والتاريخية والفكرية الفريدة، يبدو اليوم أحوج من أي وقت مضى إلى نقل هذا النموذج إلى الداخل اللبناني نفسه، عبر بناء جسور الحوار بين مكوناته وقواه المختلفة، لأن الحفاظ على ميزاته التفاضلية يبدأ من حماية وحدته الوطنية.
ليس أمرًا عاديًا أن ينتمي اللبنانيون إلى حضارة عريقة أسهمت منذ آلاف السنين في إنتاج الأبجدية الأولى التي تحولت إلى أداة تواصل إنساني عالمي، ومهدت لقيام شبكات التفاعل الفكري والثقافي التي شكلت لاحقًا أحد الأسس الأولى للعالم المعاصر. هذا الإرث الحضاري لا يمثل صفحة من التاريخ فقط، بل مسؤولية مستمرة تفرض على اللبنانيين أن يكونوا روادًا في صناعة التفاهم لا النزاع، وفي إنتاج المعاني المشتركة لا المتاريس السياسية.
من هذا المنطلق، فإن ما يمتلكه اللبنانيون من قدرات وإرادة وخبرات متراكمة يتيح لهم الاضطلاع بالدور المطلوب لإعادة الوهج إلى رسالة وطنهم كمساحة حرية وعيش مشترك، بل كوحدة وطنية متماسكة تثبت حضور لبنان ودوره في الشرق.
وقد شكل اعتماد الديمقراطية منذ نشأة الدولة الحديثة واحترام التنوع ضمن الوحدة وصون الحريات الشخصية والعامة ركائز أساسية في تكوين النموذج اللبناني، وهي ركائز لا يمكن الحفاظ عليها إلا عبر تطوير الممارسة الديمقراطية وتطبيق الدستور كاملًا، ولا سيما البنود الإصلاحية التي تعزز فعالية الدولة وعدالة مؤسساتها بما يوصلنا إلى دولة المواطنة.
إن الحوار وحده يبقى القادر على إزالة الرواسب، وتجاوز الاصطفافات، وفتح صفحة جديدة ناصعة في مسيرة الوطن. فحين يتحاور اللبنانيون يستعيدون أفضل ما في تجربتهم الوطنية، ويؤكدون أن لبنان لم يكن يومًا وطنًا يقوم على التشابه، بل على القدرة الاستثنائية على تحويل الاختلاف إلى قوة. ولهذا، يبقى الحوار خيارًا وطنيًا دائمًا، لأن لبنان، في جوهر رسالته وتاريخه ومستقبله، هو بلد الحوار.
