باسم الموسوي
ليس صحيحاً أن الفن يولد دائماً من العدم، ولا أن القصيدة تخرج من فراغ مادي محايد. وراء كل رواية، ولوحة، ومقطوعة موسيقية، وفيلم، زمن طويل من العزلة والتمرين والتجريب والإخفاق وإعادة المحاولة. وهذا الزمن، مهما بدا روحياً أو جمالياً، يحتاج إلى ما يموله: غرفة، طاولة، كهرباء، طعام، كتب، أدوات، سفر، علاج، وفسحة من الوقت لا تلتهمها ضرورات العيش اليومية.
من هنا يصبح سؤال تمويل الحياة الإبداعية سؤالاً جوهرياً، لا تفصيلاً هامشياً في سيرة الفنان أو الكاتب. فليس كافياً أن نسأل: ماذا أبدع هذا الكاتب؟ أو ما القيمة الجمالية لهذا العمل؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: من دفع ثمن الزمن الذي احتاجه هذا العمل كي يولد؟ ومن وفّر للمبدع شروط الاستمرار؟ وهل كان هذا التمويل سنداً للحرية أم قيداً عليها؟
كثيراً ما تُقدَّم صورة المبدع في المخيلة العامة بوصفه كائناً متعالياً على المال، يعيش للفن وحده، ويكتب أو يرسم أو يؤلف كما لو أن الخبز لا يعنيه، والإيجار لا يطارده، والمرض لا يقطع عليه عزلته. غير أن هذه الصورة، على شاعريتها، تخفي حقيقة قاسية: لا حياة إبداعية بلا شروط مادية. ومن لا يملك هذه الشروط، يجد نفسه مضطراً إلى شرائها من مكان ما: من العائلة، من الوظيفة، من الراعي، من الدولة، من المؤسسة الثقافية، من السوق، أو من رأس المال مباشرة.
ليست المشكلة في أن يحتاج المبدع إلى المال. المشكلة تبدأ حين يتحول المال من شرط للاستقلال إلى أداة للضبط. فالفنان الذي لا يجد ما يسند حياته، يصبح أكثر قابلية للتنازل. والكاتب الذي لا يملك وقتاً حراً، يضطر إلى بيع وقته لمن يستطيع شراءه. والمثقف الذي يبحث عن منصة، أو منحة، أو دار نشر، أو مؤسسة إعلامية، يجد نفسه شيئاً فشيئاً داخل شبكة من التوقعات الناعمة: ماذا ينبغي أن يقول؟ ما الموضوعات المرغوبة؟ ما النبرة المقبولة؟ ما الحدود التي لا يستحسن تجاوزها؟
هكذا لا يأتي الارتهان دائماً على شكل أمر مباشر أو رقابة خشنة. نادراً ما يقول رأس المال للمبدع: اكتب هذا ولا تكتب ذاك. الأخطر أنه يصنع البيئة التي تجعل بعض الموضوعات قابلة للانتشار، وبعضها الآخر معزولاً؛ بعض الأصوات مدعومة ومحتفى بها، وبعضها محاصراً بالصمت؛ بعض الأشكال الفنية قابلاً للتسويق، وبعضها الآخر محكوماً عليه بأنه “غير جماهيري” أو “غير مربح” أو “صعب” أو “لا يناسب السوق”.
في الماضي، كان الراعي التقليدي أميراً أو كاردينالاً أو بلاطاً أو أسرة ثرية. وكان الفنان يعرف غالباً الجهة التي يتعامل معها، ويعرف شروط القرب منها. أما اليوم فقد صار الراعي أكثر تعقيداً وتجريداً. قد يكون شركة، أو مؤسسة مانحة، أو منصة رقمية، أو خوارزمية، أو جمهوراً مُداراً بمنطق الاستهلاك السريع. لم يعد على المبدع أن يرضي سيداً واحداً، بل شبكة كاملة من الأذواق المصنوعة والمعايير التجارية ومؤشرات المشاهدة والبيع والتفاعل.
وهنا يتغير معنى الإبداع نفسه. فبدل أن يكون العمل الفني محاولة لاكتشاف شكل جديد للحقيقة أو الجمال أو الألم، يصبح في أحيان كثيرة منتجاً موجهاً إلى طلب مسبق. يكتب الكاتب ما يعرف أنه سيُطلب منه. يرسم الفنان ما يمكن بيعه. يصنع الموسيقي ما يناسب المنصة. ويتحول الخيال، الذي يفترض أن يكون قوة انفلات، إلى جهاز يتعلم كيف يخدم السوق.
لا يعني ذلك أن كل عمل ممول فاسد، ولا أن كل علاقة بالسوق خيانة، ولا أن الفقر ضمانة للحرية. فالفقر قد يكون أكثر قسوة على الإبداع من المال؛ إذ يسحق الوقت، ويهدر الطاقة، ويدفع المبدع إلى الانقطاع أو الإنهاك أو الصمت. كما أن بعض أشكال الدعم، من المنح إلى المؤسسات العامة إلى الرعاية الثقافية غير المشروطة، قد تفتح أمام الفنان مجالاً حقيقياً للعمل والاستمرار. المسألة ليست في وجود التمويل، بل في شروطه: هل يمنح المبدع وقتاً أم يصادر صوته؟ هل يحرره من الحاجة أم يربطه بولاء غير معلن؟ هل يترك له حق المغامرة أم يطلب منه عملاً آمناً ومقبولاً ومربحاً؟
إن أخطر ما يفعله رأس المال بالإبداع أنه لا يكتفي أحياناً بشراء العمل بعد إنجازه، بل يدخل إلى لحظة تخيله الأولى. أي أنه لا ينتظر القصيدة كي يحكم عليها في السوق، بل يسبقها إلى ذهن الشاعر: هل ستباع؟ هل ستفهم؟ هل ستنتشر؟ هل ستجلب دعوات ومقابلات وجوائز؟ عندها لا تعود الرقابة خارجية، بل تصبح داخلية. يحملها المبدع في رأسه، ويكتب تحت نظرها ولو لم يره أحد.
وهذا هو الارتهان الأعمق: أن يتحول رأس المال إلى ذائقة داخلية. أن يبدأ الفنان بحذف ما لا يلائم السوق قبل أن يطلب منه أحد ذلك. أن يتخلى عن الجملة الصعبة لأنها لا تصلح للنشر السريع. أن يخفف الفكرة الجارحة لأنها قد تغضب الممول أو الجمهور أو المنصة. أن يختار الموضوع لا لأنه يلح عليه، بل لأنه قابل للتدوير الإعلامي. عندها لا يعود رأس المال مجرد ممول خارجي، بل يصبح شريكاً خفياً في صناعة المعنى.
في المجتمعات الهشة، حيث تغيب السياسات الثقافية الجدية، ويضعف دعم الدولة للفنون، وتتراجع الصحافة الثقافية، ويزداد الفقر، يصبح المبدع أكثر عرضة لهذا الارتهان. فهو لا يفاوض رأس المال من موقع قوة، بل من موقع الحاجة. يحتاج إلى بدل نشر، أو إنتاج، أو سفر، أو إقامة فنية، أو منصة، أو جمهور. ومع كل حاجة غير مضمونة، تتسع مساحة التنازل الممكن. لا يعود السؤال: كيف أقول ما أريد؟ بل: كيف أقول ما يمكن أن يمر؟
ومع ذلك، لا ينبغي تحويل المبدع إلى ضحية كاملة. فله مسؤوليته أيضاً. يستطيع أن يساوم أحياناً، وأن يرفض أحياناً، وأن يبني مساحات صغيرة من الاستقلال. قد يعمل في وظيفة لا يحبها كي يحمي نصه من الابتذال. وقد يقبل دعماً محدوداً دون أن يبيع صوته. وقد يتوجه إلى جمهور أقل عدداً لكنه أكثر صدقاً. وقد يختار البطء في زمن السرعة، والعمق في زمن التداول الخفيف، والهامش في زمن السوق الواسعة.
لكن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده. فحرية الإبداع تحتاج إلى بنى حامية: مكتبات عامة، صناديق دعم مستقلة، صحافة ثقافية جادة، جامعات لا تخنق الخيال، دور نشر لا تعمل بمنطق الربح وحده، ومساحات عرض وإنتاج لا تطلب من الفن أن يتحول إلى سلعة سهلة الهضم. من دون هذه البنى، يصبح الحديث عن حرية المبدع أقرب إلى وعظ أخلاقي يطلب من الفرد أن يقاوم وحده آلة ضخمة.
تمويل الحياة الإبداعية، إذن، ليس سؤالاً حسابياً فحسب. إنه سؤال سياسي وثقافي وأخلاقي. لأن من يموّل الزمن يملك قدرة ما على التأثير في المعنى. ومن يشتري شروط الإنتاج يستطيع، ولو بطريقة غير مباشرة، أن يرسم حدود الممكن في الخيال. لذلك لا بد من التفكير في اقتصاد الإبداع كما نفكر في جمالياته: من أين يأتي المال؟ إلى أين يذهب؟ ماذا يطلب؟ ماذا يمنع؟ ومن يملك حق الكلام حين يصبح الكلام نفسه محتاجاً إلى تمويل؟
الفن لا يزدهر في الجوع، لكنه يفسد حين يُطلب منه أن يكون بوقاً لمن يطعمه. وبين هذين الحدين الصعبين تقع مأساة المبدع المعاصر: يحتاج إلى المال كي يتحرر من الحاجة، لكنه يخشى أن يفقد حريته حين يقبل المال. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست ضد التمويل، بل ضد التمويل الذي يشتري الضمير، وضد السوق التي تريد من الخيال أن يتحول إلى بضاعة، وضد رأس المال حين لا يكتفي بدفع ثمن القصيدة، بل يريد أن يكتبها بنفسه.
