في ذكرى تأسيس مركز بيروت للأخبار، تتجدد حكاية مؤسسة إعلامية اختارت أن تجعل من الكلمة الصادقة والالتزام المهني أساساً للعمل الصحافي، وأن تواصل حضورها في المشهد الإعلامي اللبناني والعربي رغم تحديات المهنة وتبدل المشهد الإخباري. يروي روني ألفا في هذا المقال جانباً إنسانياً من مسيرة مركز بيروت للأخبار، مستعيداً لقاءاته مع مبارك بيضون وتجربة بناء غرفة أخبار تؤمن بأن الصحافة مسؤولية، وأن الكلمة الصادقة قادرة على البقاء. وبين الإعلام والصحافة والذاكرة، يقدم المقال شهادة عن مركز بيروت للأخبار ورسالة الإعلام الجاد الذي يراهن على المصداقية والاستمرارية.
كَتَبَ روني ألفا
تولد المواقع بصمت. مجرد شاشة بيضاء تنتظر أول كلمة، وأصابع ترتجف قليلًا قبل أن تضغط زر النشر. لكن أحدًا لا يرى ما يسبق تلك اللحظة؛ الليالي التي تُقتطع من العمر، والشكوك التي تعبر القلب، والسؤال الذي يطرق الباب كل صباح: هل ما زال في هذا الشرق متسعٌ لكلمة تمشي مستقيمة؟
في ذكرى تأسيس مركز بيروت للأخبار، لا يحتفل الموقع بعام جديد من عمره فحسب، بل يحتفل تعبٌ طويل بأنه لم يذهب هباءً، وتحتفل فكرةٌ بأنها نجت من الريح.
عرفتُ مبارك بيضون بعيدًا عن المنابر. التقينا عشرات المرات في مكتبه؛ مكتبٌ متواضع الأثاث، فخم الإيمان. كانت الترويقة الصباحية هناك تشبه موعدًا ثابتًا مع الكلمة. فنجانا قهوة، أوراق متناثرة، هواتف لا تهدأ، وحديث يمتد من شؤون الإعلام إلى شجون الوطن، ومن هموم المهنة إلى أحلامٍ بدت، في كثير من الأحيان، أكبر من الإمكانات. كنا نرسم مشاريع جديدة على طرف الطاولة، ثم نبتسم لأن الأحلام، في النهاية، لا تحتاج إلى إذن كي تكبر.
وفي كل زيارة، كنت ألاحظ تفصيلًا صغيرًا. مكتبًا أضيف في زاوية الغرفة. كرسيًا جديدًا ينتظر صحافيًا آخر. شاشةً تضيء حيث لم تكن هناك شاشة بالأمس. لم تكن تلك مجرد قطع أثاث. كانت نبضات مؤسسة تكبر بهدوء. كان الرجل يضيف كرسيًا، لكنه كان، في الحقيقة، يضيف فرصةً جديدة للكلمة. ويوسّع غرفة الأخبار قليلًا، فيما كان يوسّع أكثر مساحة الأمل بأن الصحافة الجادة لا تزال قادرة على التنفس في هذا البلد.
كلما خرجت من ذلك المكتب، كنت أشعر أن ضيق المكان خدعة بصرية. فالأماكن لا تُقاس بجدرانها، بل بالأفكار التي تتسع لها.
في بلادٍ تتغير فيها الأخبار أسرع من الفصول، يصبح الثبات فضيلة نادرة. الإعلام ليس سباقًا إلى العناوين الصاخبة، ولا مطاردةً لأرقام المشاهدات. إنه المحرر الذي يطفئ آخر مصباح في غرفة الأخبار، والمصور الذي يعود وثيابه مشبعة بغبار النهار، والكاتب الذي يمزق مقالته لأن جملة واحدة لم تكن وفية لما رآه.
الكلمة الصادقة تشبه حبة القمح. تُدفن أولًا، فيظنها الناس انتهت، ثم تشق التراب في موسمها، وتخرج أكثر خضرةً مما كانت.
هكذا تُبنى المؤسسات التي تؤمن برسالتها. لا تستعير بريقها من الضجيج، ولا تشتري ثقة الناس بالإثارة. تعرف أن الاحترام يتراكم حرفًا بعد حرف، ويومًا بعد يوم، حتى يصبح للمكان وجهٌ يعرفه الناس، وإن تبدلت الوجوه.
في عيد مركز بيروت للأخبار، لا أجد أجمل من أن أحيّي كل عينٍ سهرت، وكل يدٍ كتبت، وكل قلبٍ آمن بأن الخبر مسؤولية قبل أن يكون مهنة. فالصحافة التي تخرج من الإخلاص لا تشيخ، والمؤسسات التي تُبنى على الإيمان بالكلمة قد تتعب، لكنها لا تنحني. وحين يأتي الغد، سيكتشف كثيرون أن ما بقي في الذاكرة لم يكن أكثر العناوين صخبًا، بل أكثرها صدقًا
