كتب باسم الموسوي
لم يدخل التشيّع إلى إيران مع الصفويين كما لو أنّ البلاد كانت أرضاً سنّية خالصة ثم انقلبت فجأة، بقرار سلطاني، إلى الإمامية الاثني عشرية. هذه صورة شائعة، لكنها تبسيطية ومضلِّلة. الصحيح أنّ الصفويين لم يخلقوا التشيّع الإيراني من العدم، بل ورثوا تاريخاً طويلاً من الحضور الشيعي المتفاوت: حضور مديني في بعض الحواضر، وقبلي في بعض الأطراف، وعرفاني أو مهدوي في بعض الحركات، وفقهي محدود في بعض المدارس، وسياسي عابر في دول محلية سبقتهم. غير أنّ هذا الحضور، على أهميته، لم يكن قبل الصفويين مذهب دولة شامل، ولا هوية سياسية جامعة لإيران كلها. كان التشيّع موجوداً، لكنه كان موزّعاً؛ وكان مؤثراً، لكنه لم يكن مهيمناً؛ وكان يملك ذاكرة ورجالاً ومراكز، لكنه لم يكن قد تحوّل بعد إلى بنية سلطانية ومؤسساتية.
من هنا تبدأ المسألة. فالسؤال ليس: هل كان التشيّع موجوداً في إيران قبل الصفويين؟ الجواب نعم. السؤال الأدق هو: أيّ تشيّع كان موجوداً؟ وأين؟ وبأي صورة؟ وهل كان تشيّعاً إمامياً فقهياً كما سيصير لاحقاً، أم كان خليطاً من الولاء العلوي، والتشيّع الزيدي، والنزعات الإسماعيلية، والطرق الصوفية، والحركات المهدوية، والفقه الإمامي الاثني عشري؟
أولاً: إيران بعد الفتح الإسلامي وبدايات الحضور الشيعي
منذ القرون الإسلامية الأولى، لم تكن إيران بعيدة عن التشيّع. فقد كان للفرس والموالي موقع خاص في النزاعات السياسية الأولى داخل الإسلام، وخصوصاً في ما يتعلق بمسألة العدل، والاعتراض على الامتيازات القبلية العربية، والتعاطف مع آل البيت. لم يكن هذا يعني أنّ الفرس صاروا شيعة منذ البداية، ولا أنّ التشيّع كان تعبيراً “قومياً فارسياً” كما تزعم بعض القراءات المتسرعة. لكنه يعني أنّ البيئة الإيرانية، بما حملته من تذمر اجتماعي من بعض سياسات الدولة الأموية، كانت قابلة لاستقبال خطابات المعارضة العلوية.
ومع ذلك، ظلّت الغالبية الكبرى من إيران، طوال قرون، ضمن المجال السنّي، وخصوصاً الشافعي والحنفي. كانت المدن الإيرانية الكبرى مثل نيسابور، مرو، أصفهان، الري، شيراز، همدان، وبلخ، جزءاً أساسياً من الحضارة السنّية العلمية والكلامية والفقهية. منها خرج محدّثون ومتكلمون وفقهاء كبار. لذلك لا يصح أن نقول إن إيران قبل الصفويين كانت شيعية بالمعنى الغالب. الأدق أنها كانت بلاداً سنّية في عمومها، مع جيوب شيعية مؤثرة ومتنامية في بعض المناطق.
ثانياً: قم والري وكاشان وسبزوار: جغرافيا التشيّع المبكر
أبرز المراكز التي حفظت حضور الإمامية قبل الصفويين كانت قم. فقد عُرفت قم منذ وقت مبكر بأنها مدينة ذات ميل شيعي واضح، واستقر فيها الأشعريون القميون، وهم من الأسر العربية التي لعبت دوراً مهماً في نشر الحديث الإمامي. ومن قم خرجت شخصيات أساسية في التراث الإمامي، مثل الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، أحد كبار محدّثي الإمامية في القرن الرابع الهجري.
إلى جانب قم، كانت الري ذات أهمية كبيرة. فهي لم تكن مدينة شيعية خالصة، بل عرفت تنافساً مذهبياً حاداً بين السنة والشيعة، وبين الحنفية والشافعية، وبين اتجاهات كلامية متعددة. لكنها مثّلت مركزاً مهماً للعلماء الإمامية أيضاً. وفي كاشان وآوه وبعض نواحي الجبال، وُجدت جماعات شيعية مستقرة. أما خراسان، فكانت أكثر تعقيداً: فيها حضور سنّي قوي، لكنها ارتبطت أيضاً بذاكرة الإمام الرضا في مشهد، وبحركات علوية وزيدية وإسماعيلية، وبنزعات محبة لآل البيت.
هذه الجغرافيا تكشف أنّ التشيّع الإيراني قبل الصفويين لم يكن كتلة واحدة. كان هناك تشيّع مديني إمامي في قم والري وكاشان، وتشيّع زيدي في الديلم وطبرستان، وتشيّع إسماعيلي في بعض مناطق إيران، وتشيّع شعبي قائم على زيارة الأئمة ومحبة آل البيت، وتشيّع سياسي يظهر حيناً في شكل دولة محلية أو حركة ثورية.
ثالثاً: الدولة البويهية: لحظة شيعية كبرى بلا تشييع شامل
يُعدّ البويهيون، الذين حكموا أجزاء واسعة من إيران والعراق في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، من أهم التجارب الشيعية قبل الصفويين. كانوا من الديلم، وتبنّوا التشيّع، وسيطروا على بغداد نفسها، مركز الخلافة العباسية. في عهدهم تعززت بعض الشعائر الشيعية في المجال العام، مثل إحياء عاشوراء والاحتفاء بالغدير، وتقدّم علماء الإمامية في بغداد والري وغيرهما.
لكن الدولة البويهية لم تجعل التشيّع مذهباً إلزامياً عاماً. بقي الخليفة العباسي في بغداد، وبقيت المذاهب السنية حاضرة، ولم تتحول إيران كلها إلى الإمامية. لذلك تمثل التجربة البويهية نموذجاً مهماً: سلطة شيعية قوية، لكنها لم تكن دولة تشييع شامل. كانت دولة رعاية للتشيّع أكثر مما كانت دولة فرض مذهبي.
هنا يظهر الفارق بينها وبين الصفويين. البويهيون حكموا باسم القوة السياسية مع احترام رمزية الخلافة العباسية، أما الصفويون فبنوا شرعية جديدة جعلت التشيّع الاثني عشري مذهب الدولة وهويتها الرسمية. لذلك كان البويهيون مرحلة صعود شيعي، لا لحظة تأسيس نهائي لإيران الشيعية.
رابعاً: الإسماعيلية والنزعة السرّية الثورية
قبل الصفويين أيضاً، لعبت الإسماعيلية دوراً مهماً في تاريخ إيران. فالدعوة الإسماعيلية وجدت في بعض مناطق فارس وخراسان والديلم بيئات قابلة للانتشار، ثم بلغت ذروة حضورها السياسي مع دولة ألموت والنزاريين. كان الحسن بن الصباح وشبكة القلاع الإسماعيلية تعبيراً عن تشيّع آخر: تشيّع باطني، هرمي، منظم، صدامي مع السلطات السنّية السلجوقية.
هذا الحضور الإسماعيلي مهم لأنه يبيّن أنّ التشيّع في إيران لم يكن دائماً إمامياً اثني عشرياً. في المخيال السنّي الوسيط، كثيراً ما اختلطت صور الشيعة: الإمامي، الإسماعيلي، الغالي، الباطني، الزيدي. ولذلك كان انتشار التشيّع أحياناً يثير مخاوف سياسية لا تقل عن المخاوف العقدية. فالشيعي قد يكون فقيهاً إمامياً في قم، وقد يكون داعية إسماعيلياً في قلعة، وقد يكون متمرداً علوياً في الأطراف، وقد يكون متصوفاً مهدوياً في خراسان أو خوزستان.
خامساً: الزيدية والديلم وطبرستان
من المناطق التي شهدت حضوراً شيعياً مبكراً شمال إيران، خصوصاً الديلم وطبرستان. هناك قامت تجارب زيدية وعلوية منذ القرن الثالث الهجري. كان التشيّع الزيدي أكثر قبولاً للحركة السياسية والخروج المسلح من الإمامية الاثني عشرية، ولذلك وجد في المناطق الجبلية والطرفية مجالاً مناسباً. وقد أسهم الديلم لاحقاً في صعود البويهيين أنفسهم.
هذا الجانب مهم لأنه يمنعنا من اختزال تاريخ التشيّع الإيراني في خط واحد ينتهي حتماً إلى الصفويين. فقبل الصفويين، كانت إيران مسرحاً لتشيعات متعددة: زيدية في الشمال، إسماعيلية في القلاع والشبكات الباطنية، إمامية في قم والري وكاشان، ومهدوية غالية في بعض الحركات المتأخرة.
سادساً: المغول وما بعدهم: فراغ السلطة واتساع الاحتمالات
أحدث الغزو المغولي زلزالاً في بنية العالم الإسلامي. انهارت سلطات، وتفككت مراكز، وظهرت فرص جديدة لجماعات كانت على هامش السلطة. في العصر الإيلخاني، خصوصاً بعد إسلام بعض الحكام المغول، ازدادت مساحة الحركة أمام العلماء والطرق الصوفية والجماعات الشيعية. ومن المعروف أن السلطان أولجايتو، المعروف بخدابنده، مال في فترة من حياته إلى التشيّع الإمامي، وارتبط اسمه بالعلامة الحلي. ومع أن هذا التحول لم يؤسس دولة شيعية دائمة، فإنه أظهر أن الإمامية باتت قادرة على مخاطبة السلطة العليا، لا مجرد العيش في الهامش.
بعد سقوط الإيلخانيين، تفككت إيران إلى سلطات محلية. في هذا الفراغ ظهرت حركات شيعية أو ذات لون شيعي أو مهدوي، أهمها السربدارية في خراسان والمشعشعية في خوزستان. هاتان التجربتان شديدتا الدلالة، لأنهما تكشفان أن التشيّع قبل الصفويين لم يكن فقط مدرسة فقهية، بل كان أيضاً طاقة سياسية واجتماعية قابلة للتحول إلى دولة أو تمرد.
سابعاً: السربدارية: تشيّع الثورة والفقه
قامت الدولة السربدارية في سبزوار بخراسان في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، في سياق مقاومة الظلم المغولي والاضطراب السياسي. لم تكن السربدارية منذ البداية دولة إمامية مكتملة، بل جمعت بين عناصر محلية وثورية وصوفية وشيعية. لكن في عهد الخواجة علي بن مؤيّد اتجهت أكثر نحو التشيّع الإمامي الاثني عشري.
أهمية هذه التجربة أنها حاولت أن تنتقل من الثورة إلى المؤسسة. لذلك راسل علي بن مؤيّد الشهيد الأول، محمد بن مكي العاملي، وطلب منه القدوم إلى خراسان أو تزويده بما ينظم الشأن الديني والقضائي. ومن هنا ارتبط تأليف “اللمعة الدمشقية” بهذه الحاجة. فاللمعة لم تكن دستوراً سياسياً بالمعنى الحديث، لكنها كانت مختصراً فقهياً عملياً يصلح لتنظيم القضاء والعبادات والمعاملات وفق الفقه الإمامي.
تكشف هذه الواقعة المبكرة علاقة لافتة بين إيران الشيعية الناشئة وجبل عامل. فقبل الصفويين بمدة، كانت سلطة شيعية في خراسان تبحث عن فقيه عاملي يمنحها الشرعية والمعرفة الفقهية. وهذا ما سيتكرر بصورة أوسع لاحقاً مع الصفويين، حين يستدعون علماء جبل عامل والعراق والبحرين لترسيخ المذهب الجديد للدولة.
ثامناً: المشعشعية: التشيّع المهدوي الغالي
أما المشعشعية، فقد ظهرت في خوزستان/الأهواز في القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، قبل الصفويين بعقود. أسسها السيد محمد بن فلاح، الذي خرج من البيئة العلمية في الحلة، وتذكر المصادر صلته بأحمد بن فهد الحلي. لكنها لم تكن حركة فقهية إمامية منضبطة، بل حركة مهدوية غالية ذات طابع قبلي وسياسي.
سيطر المشعشعيون على الحويزة ومناطق من خوزستان، وبنوا سلطة عربية شيعية على الحدود بين العراق وإيران. غير أن تشيّعهم الأول كان مقلقاً للفقهاء الإمامية، بسبب دعاوى المهدوية والغلو. لاحقاً، ومع صعود الصفويين، جرى إدخال هذه السلطة في المجال الصفوي، وتراجعت حدّة دعاواها الأولى، واقتربت تدريجياً من التشيّع الإمامي المألوف.
تمثل المشعشعية وجهاً آخر من وجوه التشيّع قبل الصفويين: ليس وجه الفقيه الذي تستدعيه الدولة كما في حالة السربدارية، بل وجه الحركة الغالية التي تقلق الفقهاء، ثم تُروّض تدريجياً داخل نظام مذهبي أوسع.
تاسعاً: التصوف والتشيّع: الطريق إلى الصفوية
لا يمكن فهم الصفويين من دون التصوف. فالطريقة الصفوية نفسها بدأت طريقة صوفية في أردبيل، لا حركة فقهية إمامية منذ البداية. وكان شيوخها الأوائل ضمن فضاء صوفي واسع، ثم أخذت الطريقة تتحول تدريجياً إلى حركة عسكرية-قبلية ذات لون شيعي، خصوصاً مع القزلباش، قبل أن يؤسس الشاه إسماعيل الدولة الصفوية سنة 1501م ويعلن التشيّع الاثني عشري مذهباً رسمياً.
هذه النقطة أساسية: التشيّع الذي حمل الصفويين إلى السلطة لم يكن في بدايته تشيعاً فقهياً مدرسياً خالصاً، بل كان مزيجاً من التصوف، والولاء العلوي، والكاريزما المهدوية، والعصبية القبلية التركمانية. وبعد قيام الدولة احتاج الصفويون إلى فقهاء يضبطون هذا التشيّع الحركي، ويحوله إلى مذهب رسمي قابل للتعليم والقضاء والإفتاء والإدارة. هنا ظهر الدور الكبير لعلماء جبل عامل والعراق والبحرين.
بعبارة أخرى، لم تكن الدولة الصفوية نتيجة طبيعية مباشرة لانتشار فقهي إمامي واسع في إيران، بل كانت نتيجة التقاء ثلاثة عناصر: ذاكرة شيعية قديمة، حركات صوفية ومهدوية مسلحة، وقرار سلطاني بتحويل الإمامية إلى مذهب الدولة. ثم جاء الفقهاء ليعيدوا تنظيم هذا الخليط داخل بنية مذهبية أكثر انضباطاً.
عاشراً: لماذا لم تتحول إيران إلى التشيّع قبل الصفويين؟
رغم وجود كل هذه العناصر، لم تتحول إيران إلى بلد شيعي قبل الصفويين لأسباب عدة.
أولاً، لأن المؤسسات السنية كانت قوية: المدارس، القضاء، الأوقاف، العلماء، والعلاقات مع الخلافة والسلطنات الكبرى.
ثانياً، لأن التشيّع نفسه كان متعدداً وغير موحد: إمامي، زيدي، إسماعيلي، غالٍ، صوفي، شعبي.
ثالثاً، لأن الدول الشيعية السابقة لم تمتلك مشروع تشييع شامل أو لم تستطع فرضه.
رابعاً، لأن الجغرافيا الإيرانية واسعة ومتنوعة، ولم يكن من السهل توحيدها مذهبياً من دون دولة مركزية قوية.
خامساً، لأن الإمامية الاثني عشرية، قبل الصفويين، لم تكن تملك في إيران جهازاً فقهياً مؤسسياً واسعاً يكفي لتحويل المذهب إلى إدارة يومية للدولة.
لهذا كان التحول الصفوي حاسماً. لم يكن مجرد إعلان عقائدي، بل كان بناء جهاز مذهبي: خطباء، قضاة، فقهاء، مدارس، كتب، شعائر، أوقاف، ومؤسسات. هنا انتقل التشيّع من كونه حضوراً في المجتمع إلى كونه بنية في الدولة.
خاتمة: ما قبل الصفويين ليس فراغاً
التشيّع في إيران قبل الصفويين ليس هامشاً صغيراً في تاريخ إيران، ولا مقدمة بسيطة لما سيأتي. إنه تاريخ واسع ومعقد، يكشف أن إيران عرفت أشكالاً متعددة من الولاء لآل البيت ومن التشيّع السياسي والفقهي والعرفاني. لكن هذه الأشكال ظلت، حتى مطلع القرن السادس عشر، موزعة وغير قادرة على توحيد البلاد مذهبياً.
جاء الصفويون فحوّلوا الإمامية الاثني عشرية إلى مذهب الدولة. غير أن نجاحهم لم يكن ممكناً لولا وجود ذاكرة شيعية سابقة في قم والري وكاشان وخراسان وخوزستان، ولولا تجارب سياسية مثل البويهيين والسربدارية والمشعشعية، ولولا قابلية التصوف الشعبي والولاء العلوي للتحول إلى مشروع سلطاني.
لذلك لا يصح القول إن الصفويين صنعوا التشيّع الإيراني من لا شيء. الأصح أنهم أعادوا تركيب عناصر قديمة ومتفرقة في مشروع واحد. قبلهم كان التشيّع موجوداً كجزر ومدن وحركات وذاكرات. معهم صار مذهب دولة، وهوية سياسية، وبنية مؤسساتية. وبين الحالتين يكمن الفارق التاريخي الكبير: الفارق بين التشيّع بوصفه حضوراً اجتماعياً متعدداً، والتشيّع بوصفه نظاماً رسمياً لإنتاج الشرعية والسلطة والمعنى.
