بقلم: إلياس فرحات- 180

بينما تواصل إسرائيل تفوقها المطلق في الجو وقدرتها على القصف والتدمير واستهداف البنى التحتية والمناطق السكنية في الجنوب اللبناني، فإنها تواجه، في المقابل، صعوبة متزايدة في تحويل هذا التفوق الجوي إلى إنجاز بري حاسم. وبين السيطرة بالنار والسيطرة بالأرض مسافة كبيرة لا تزال إسرائيل عاجزة عن تجاوزها حتى الآن.

تفوق جوي بلا منازع

تتمتع إسرائيل بحرية عمل شبه مطلقة في الأجواء اللبنانية في ظل غياب منظومات دفاع جوي قادرة على الحد من نشاطها. ومنذ أشهر تنفذ ما بين مئة ومئة وخمسين غارة يومياً، تستهدف منازل ومؤسسات وبنى تحتية تزعم أنها مرتبطة بحزب الله.

لم يقتصر تأثير هذا التفوق على الجانب العسكري فقط، بل امتد إلى البعد الديموغرافي والاجتماعي. فقد اعتمدت إسرائيل سياسة الإنذارات المتكررة لإخلاء المدن والبلدات، ودفع السكان إلى النزوح شمالاً، بداية في قرى الحافة الأمامية، إلى ما وراء نهر الليطاني ثم إلى شمال الزهراني.

شملت هذه السياسة مدناً رئيسية مثل النبطية وصور، ما تسبب في تعطيل حياة مئات الآلاف من اللبنانيين الذين فقد كثير منهم مساكنهم أو مصادر رزقهم.

وتدرك إسرائيل أن الضغط على البيئة المدنية يشكل جزءاً من الحرب نفسها، وأن النزوح الواسع يخلق أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية يصعب على الدولة اللبنانية وعلى ثنائي حزب الله-أمل التعامل معها على المدى الطويل.

من وقف النار إلى سياسة القضم

عندما دخل اتفاق وقف الأعمال العدائية حيز التنفيذ أواخر عام 2024، كانت القوات الإسرائيلية تنتشر في شريط ملاصق للحدود الدولية. لكن الأشهر اللاحقة شهدت ما يمكن وصفه بسياسة القضم التدريجي للأرض. فخلال نحو خمسة عشر شهراً أقامت إسرائيل خمس نقاط عسكرية رئيسية في الحمامص والعويضة وتلة بلاط واللبونة وجل الدير، كما واصلت التوغل داخل القرى الحدودية وتفجير المنازل والمنشآت، مستفيدة من غياب أي ردع دولي فعلي أو إجراءات تلزمها بالانسحاب.

وبذلك انتقلت إسرائيل عملياً من مرحلة الدفاع عن حدودها الشمالية إلى مرحلة محاولة إعادة رسم الواقع الميداني داخل الأراضي اللبنانية نفسها.

الليطاني: الهدف العسكري والسياسي

ومع انطلاق عملية “العصف المأكول” في الثاني من آذار/مارس 2026، بانخراط حزب الله في المواجهة التي استأنفها الأميركيون والإسرائيليون ضد إيران، بدأ المسؤولون الإسرائيليون يتحدثون علناً عن إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية.

وتفاوتت التقديرات بشأن عمق هذه المنطقة بين عشرة كيلومترات ووصولها إلى مصب نهر الليطاني في القاسمية (30 كلم). ولا يمثل الليطاني مجرد هدف جغرافي. فمنذ اجتياح عام 1982 تعاملت إسرائيل مع النهر باعتباره حاجزاً طبيعياً يوفر عمقاً أمنياً، كما أن القرار 1701 أعاد ترسيخ أهميته في الحسابات العسكرية والسياسية على حد سواء. ولهذا السبب ركزت القوات الإسرائيلية جهودها على القطاع الشرقي من الجبهة، حيث تقل المسافة الفاصلة بين الحدود الدولية ومجرى النهر.

فتقدمت من الطيبة نحو القنطرة ودير سريان (5 كيلومترات بعيداً عن الحدود)، ووصلت وحدات منها إلى ضفاف الليطاني، قبل أن تتمكن مجموعات أخرى من عبوره في بعض النقاط والتمركز شماله، ولا سيما في محيط زوطر الشرقية ويحمر الشقيف. وبرغم الأهمية الرمزية والعسكرية لهذا التقدم، فإنه لم يتحول حتى الآن إلى اختراق واسع يسمح بتغيير الخريطة الميدانية بصورة جذرية.

الشقيف: رمزية أكثر منها إنجازاً عسكرياً

في نهاية أيار/مايو أعلنت إسرائيل سيطرتها على قلعة الشقيف، وقدمت الخطوة باعتبارها إنجازاً ميدانياً بارزاً. لكن الوقائع تشير إلى أن وحدات من القوات الخاصة وصلت إلى القلعة عبر الجهة الشرقية ودخلتها من دون معارك مباشرة، علماً أن الموقع لم يكن مستخدماً كقاعدة عسكرية من قبل حزب الله، بل كان تحت إشراف المديرية العامة للآثار منذ انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000. ومع ذلك، حرصت القيادة الإسرائيلية على إعطاء العملية بعداً رمزياً بسبب الموقع الاستراتيجي للقلعة المشرفة على مناطق واسعة من الجليل وجبل عامل.

التقدم الصعب

في أكثر من محور حاولت القوات الإسرائيلية توسيع نطاق انتشارها البري. ففي دبين قرب مرجعيون توغلت قوة إسرائيلية مدرعة إلى الأحياء المرتفعة ونفذت عمليات تفجير قبل أن تنسحب بعد نحو أسبوع. ووفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن صعوبات لوجستية ومخاطر ميدانية حالت دون تثبيت هذا الانتشار.

أما في محيط زوطر الشرقية ويحمر الشقيف، فقد واصلت القوات الإسرائيلية محاولات التقدم نحو زوطر الغربية ومزرعة الحمرا وميفدون، لكنها اصطدمت بمقاومة ميدانية حالت دون تحقيق أي اختراق إضافي.

وتكرر المشهد نفسه في القطاع الأوسط باتجاه حداثا، وفي القطاع الغربي باتجاه المنصوري ومجدل زون وبيوت السياد، حيث انتهت محاولات التقدم إلى التراجع بعد التعرض لخسائر ميدانية.

المسيّرات تغيّر قواعد اللعبة

التحول الأبرز في الأشهر الأخيرة تمثل في إدخال المقاومة المسيّرات العاملة بالألياف الضوئية (FPV). وتختلف هذه المسيّرات عن النماذج التقليدية لأنها لا تعتمد على الإشارات اللاسلكية التي يمكن التشويش عليها إلكترونياً، بل ترتبط بالمشغل عبر ألياف بصرية دقيقة، ما يجعلها أقل عرضة للتشويش وأكثر قدرة على إصابة الأهداف بدقة.

وقد فرض هذا التطور تحدياً جدياً على القوات الإسرائيلية، التي اضطرت إلى تعديل أساليب انتشارها وتحركها. فتم خفض عدد الجنود في المواقع الأمامية لتقليل الخسائر المحتملة، وتقييد حركة الآليات والدبابات، كما جرى الحد من عمليات الحشد الكبيرة خوفاً من استهدافها بأسراب المسيّرات. وهذه الإجراءات تعكس حقيقة أساسية: فالمشكلة لم تعد في قدرة إسرائيل على التقدم نحو نقطة معينة، بل في قدرتها على البقاء فيها وتأمينها واستثمارها ميدانياً.

وقد سبق أن فرضت العبوات الناسفة في العراق وأفغانستان قيوداً مشابهة على حركة القوات الأميركية، فيما تبدو المسيّرات اليوم مرشحة للعب دور مماثل في جنوب لبنان ليس فقط نهاراً بل في الليل بعد نجاح المقاومة اللبنانية في تزويد المسيّرات بكاميرات حرارية.

بين السيطرة بالنار والسيطرة بالأرض

يكشف المشهد الحالي عن معادلة معقدة. فإسرائيل تملك تفوقاً جوياً ساحقاً يسمح لها بالقصف والتدمير واستهداف البنى التحتية والضغط على السكان. لكنها في المقابل لم تتمكن من ترجمة هذا التفوق إلى توسع بري واسع ومستقر. ولم تُرصد حتى الآن حشود كبيرة يمكن أن تشكل مقدمة لعملية اجتياح واسعة أو لتوسيع السيطرة شمالاً. كما أن معظم محاولات التقدم تتم عبر مجموعات محدودة العدد والآليات، ما يعكس حذراً واضحاً في إدارة المعركة البرية. وبالتالي، فإن الجبهة الجنوبية تبدو اليوم أقرب إلى ساحة استنزاف متبادل منها إلى ساحة حسم عسكري حقيقي.

خاتمة

تشير الوقائع الميدانية إلى أن إسرائيل نجحت في فرض واقع قاسٍ على الجنوب اللبناني من خلال تفوقها الجوي وقدرتها على التدمير والتهجير والضغط المستمر على السكان. لكنها لم تنجح حتى الآن في تحقيق الهدف الأكثر طموحاً المتمثل في فرض سيطرة برية واسعة ومستقرة شمال الحدود. في المقابل، لا تملك المقاومة القدرة على حرمان إسرائيل من تفوقها الجوي، لكنها نجحت في رفع كلفة التقدم البري ومنع تحوله إلى واقع ثابت، مستفيدة من تطور أدواتها القتالية، ولا سيما المسيّرات العاملة بالألياف الضوئية. ومن هنا تبدو المعركة في جنوب لبنان وكأنها دخلت مرحلة جديدة: إسرائيل تسيطر على السماء، لكنها لا تسيطر بالكامل على الأرض. وبين هذين الحدين يستمر الصراع مفتوحاً، بانتظار متغير عسكري أو سياسي كبير يعيد رسم توازناته ويحدد اتجاهه النهائي.

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com