خاص مركز بيروت للأخبار
يشهد لبنان موجات نزوح داخلي مرتفعة، حيث تحولت العاصمة بيروت خلال أسابيع قليلة إلى الملاذ الأخير لآلاف العائلات الهاربة من آلة الحرب في الجنوب والضاحية الجنوبية. المدينة التي باتت مزدحمة بالوافدين والخيام، تعيش اليوم تحت ضغط غير مسبوق يهدد بانهيار مرافقها وخدماتها الأساسية، وسط تحديات إدارية وسياسية استثنائية.
في قلب هذه الكارثة الوطنية، برز اسم محافظ بيروت القاضي مروان عبود كأحد المسؤولين الميدانيين القلائل الذين تصدوا لإدارة هذا الملف الشائك.
ورغم التجاذبات الحادة، يقود المحافظ عبود جهوداً مكثفة داخل محافظة ومجالس البلديات لترتيب العشوائيات وتنظيم وجود النازحين بما يحفظ كرامتهم الإنسانية؛ محاولاً بحنكة امتصاص التباينات السياسية، والوصول إلى صيغة عملية توازن بين التوصيات الرسمية الصادرة عن وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار بتنظيم الساحات، وبين الواقع الإنساني المرير على الأرض.

وتكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن وحدة إدارة مخاطر الكوارث والبيانات المشتركة مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن حجم الفاجعة، إذ تخطى عدد النازحين المسجلين في مختلف المحافظات حاجز 822,600 نازح، من بينهم قرابة 128,800 يقيمون في مراكز إيواء رسمية، في حين تُقدر الحركة الإجمالية للنزوح منذ بدء التصعيد بأكثر من 1.3 مليون شخص. وحسب بيانات المفوضية الصادرة في آذار/مارس، استوعبت العاصمة بيروت وحدها ما يزيد عن 110 آلاف نازح، وفدوا بكثافة من بلدات الجنوب المستهدفة وأحياء الضاحية الجنوبية، مما خلّف مشاهد قاسية لعائلات افترشت الأرصفة والحدائق العامة.
هذا التدفق الهائل وضع “أزمة خيام الواجهة البحرية” في صدارة النقاش الإداري، حيث انقسمت الآراء بين من يطالب بإزالتها الفورية بدعوى الحفاظ على المشهد العام للعاصمة، وبين من يراها ضرورة فرضها غياب البدائل.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى في المشهد اللبناني، فبالرغم من المحاولات الحثيثة لخلية الأزمة التي يقودها المحافظ عبود بالتنسيق مع البلدية لتوجيه المساعدات اللوجستية، إلا أن الأزمة أعادت تسليط الضوء على الانكفاء الواضح والمزمن لمؤسسات الدولة الرسمية، وغياب التنسيق المركزي الفعّال الذي ترك العاصمة تواجه مصيرها منفردة.
وفي مقابل هذا الغياب الرسمي، سارعت جمعيات المجتمع المدني والمجموعات الشبابية التطوعية لسد الفراغ، فتحملت العبء الأكبر في تأمين الوجبات الغذائية، الرعاية الطبية الأولية، ومستلزمات الإيواء الأساسية.
غير أن هذه المؤسسات الأهلية، وعلى الرغم من فعاليتها ونبل جهودها، تصطدم اليوم بـ “قلة الحيلة” وضعف الإمكانات المادية واللوجستية مقارنة بحجم التدفق البشري الهائل، مما يهدد بنفاذ مخزونها وقدرتها على الاستمرار في مساندة الإدارة المحلية لبيروت.
ترافق هذا التخبط الإداري مع دور حيوي ومحوري للإعلام اللبناني، الذي تحول إلى مرآة حية تنقل الوجع البشري لحظة بلحظة، وساهم بفعالية في تسليط الضوء على مراكز الإيواء والمباني المهجورة والمدارس التي فتحت أبوابها. لقد نجح الإعلام في فرض القضية كأولوية وطنية وأداة رقابية كشفت مواطن التقصير الرسمي، بالرغم من وقوع بعض التغطيات أحياناً في فخ التجاذبات السياسية الضيقة التي تحيط بملف الخيام العشوائية وهواجس الأمن الداخلي.
يبقى المشهد الإنساني في شوارع بيروت هو الحقيقة الأقسى، عائلات معلقة بين تشتت الحاضر وقلق المستقبل، وأعمار تُستنزف في طوابير الانتظار والبحث عن الأمان.
وبينما تستمر الحرب في التهام الحجر والشجر، يظل النازح اللبناني ضحية بين نيران القصف ومرارة الإهمال، لتظل المبادرات الميدانية لمحافظ العاصمة مروان عبود، والجهود المضنية للمجتمع المدني، بمثابة الخطوط الدفاعية الأخيرة لمنع غرق بيروت في فوضى اجتماعية شاملة.
