نادين خزعل
منذ إعلان الهدنة، لم يلتزم بها العدو الإسرائيلي، إذ بقي الجنوب مسرحًا لغاراته واغتيالاته وتفجيراته، وسقط المئات بين شهيد وجريح، ودمرت مئات الوحدات السكنية والمحال التجارية..
أما الضاحية الجنوبية، التي تعتبر امتدادًا حيويًّا طبيعيًّا للجنوب في الرمزية والهوية، فقد سادها الهدوء الحذر الذي دأب الطيران المسير على خرقه، وشهدت عودة خجولة جدًّا للأهالي، ودورة بطيئة للحياة اليومية، واستمر اقفال الكثير من المؤسسات التجارية والصحية والاجتماعية، ناهيك عن المؤسسات التربوية التي بقيت مقفلة باستثناء عدد قليل جداً جداً منها غامرت إداراته في استئناف التعليم حضوريًّا لبعض الصفوف.
وكان لسان حال الجميع: متى الحدث الذي سيؤكد أن الضاحية الجنوبية ليست محيدة؟ متى سينفذ العدو الإسرائيلي تهديداته بأنه سيقضي على أي مصدر خطر يستشعره حتى في العمق اللبناني؟
العدو الاسرائيلي في الواقع رغم غدره ورغم همجيته، لم يقم ليل أمس بخرق استثنائي لقواعد لعبته واجرامه، فهو وعبر كل مسؤوليه الأوغاد كان يشير إلى أن كل لبنان في مرماه، وكان يهدد ويكيل وينذر، والمشكلة الحقيقية أن العمق اللبناني تغاضى عن حقيقة أن الضاحية الجنوبية هي بوابة العمق اللبناني بالمفهوم الاسرائيلي.
وفي تمام الساعة الثامنة والسبع دقائق من ليل أمس، وبعد ساعات طويلة من الرصد الجوي عبر المسيرات، استهدفت بارجة بثلاثة صواريخ شقة تقع في الطابق الرابع من مبنى سكني في منطقة حارة حريك في عمق الضاحية الجنوبية، والمبنى جغرافيًّا يقع قرب مدرسة ووسط حي سكني مكتظ…
الغارة “الدقيقة” في الحقيقة، كانت رسالة سياسية أكثر منها تحقيق هدف اغتيال، فالصواريخ الموجهة ودقة إصابة الهدف، أريد منها القول: لا تنسوا، الضاحية الجنوبية في مرمى صواريخنا والأين والمتى والكيف نحن نحددها.
إذًا، التصعيد الأخير على الضاحية الجنوبية، للمرة الأولى منذ تثبيت الهدنة غير المثبتة واقعًا، هو مؤشر خطير على محاولة إعادة خلط الأوراق وفرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة.
وعليه، نعيد التأكيد، الرسائل التي يحملها هذا الاستهداف تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ يبدو أنه يأتي في إطار محاولة إعادة عقارب الاشتباك إلى ما قبل التفاهمات الأخيرة، واختبار حدود الردع وقدرة المقاومة على التعامل مع أي تبدّل في قواعد المواجهة.
في المقابل، يترافق هذا التصعيد مع ضغوط سياسية متزايدة على الدولة اللبنانية لدفعها نحو خيارات وتنازلات تتصل بالمشهد الإقليمي ومسار العلاقات مع العدو الإسرائيلي، بالتزامن مع حديث متصاعد عن مفاوضات أميركية – إيرانية قد تفضي إلى تفاهمات كبرى في المنطقة.
اللافت أن الاستهداف جاء بعد مؤشرات سياسية متسارعة: تصريحات أميركية تتحدث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران، مقابل اعتراض إسرائيلي واضح على أي تسوية قد تمنح طهران مكاسب سياسية أو استراتيجية.
ومن هنا، يبرز السؤال الأساسي: هل ما جرى رسالة ضغط أميركية غير مباشرة في سياق التفاوض مع إيران؟ أم محاولة إسرائيلية منفردة لخلط الأوراق وجرّ المنطقة إلى مواجهة أوسع قبل نضوج أي اتفاق محتمل؟
حزب الله يدرك حساسية المرحلة وتعقيدات التوقيت، إذ إن أي رد محسوب أو غير محسوب قد يُستخدم ذريعة لتوسيع المواجهة إقليمياً، لكن في الوقت نفسه فإن استمرار استهداف الضاحية الجنوبية من دون رد قد يشجع العدو الإسرائيلي على تكريس معادلات جديدة أكثر خطورة.
لذلك، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الدقة، حيث تختلط الرسائل الأمنية بالمفاوضات الدولية، فيما تبقى الأيام المقبلة كفيلة بكشف ما إذا كان التصعيد الحالي مجرد ضغط سياسي بالنار، أم بداية فعلية لجولة جديدة من الحرب.
وحتى نضوج مخرجات هذه المرحلة، يبدو أن العدو الإسرائيلي سيتابع تمرير رسائله، وهي رسائل للأسف مدموغة بالدم والنار.
