خاص مركز بيروت للأخبار

لم تعد مجرد توثيق لآثار الحرب، بل تحوّلت إلى أداة دعائية تُستخدم ضمن قالب بصري قائم على مقارنة “قبل وبعد”، يعيد تأطير المشهد بطريقة تُحمّل الضحية مسؤولية ما لحق بها.

رصدنا خلال الفترة الأخيرة حملة رقمية منظمة استخدمت صور الدمار في قطاع غزة وجنوب لبنان ضمن محتوى بصري متكرر، يعتمد على تقنية “قبل وبعد”، مرفقًا بتعليقات مقتضبة تختزل مشهدًا معقدًا في اتهامات مباشرة لحركتي حماس وحزب الله.

وتقوم هذه الآلية على عرض صورتين للمكان نفسه: الأولى تُظهر مباني قائمة أو مناطق مأهولة، والثانية تُبرز دماراً واسعاً، ثم تُرفق بعبارات مثل: “هذا ما تبدو عليه انتصارات حماس” أو “حزب الله دمّر لبنان”، في محاولة لإعادة توجيه تفسير المشهد.

من التوثيق إلى التبرير:

قبل وبعد… كيف تستخدم "إسرائيل" صور الدمار في غزة وجنوب لبنان لإعادة صياغة الرواية
في الاستخدام التقليدي، تُقرأ صور الدمار كدليل على حجم القوة المستخدمة وكلفة الحرب على المدنيين والبنية التحتية. إلا أن هذا النمط الدعائي يقلب المعادلة، إذ يُعاد تقديم الدمار كدليل اتهام ضد الطرف المتضرر، بدلًا من مساءلة الجهة المنفذة للقصف.

وبذلك تتحول صورة “قبل” إلى رمز للاستقرار، فيما تُقدَّم صورة “بعد” كـ”نتيجة منطقية” لقرارات الجهة المستهدفة، في اختزال شديد لمسار عسكري وإنساني معقد.

كيف يعمل هذا القالب؟
تعتمد هذه المقاربة على ما يمكن وصفه بـ”الصدمة البصرية السريعة”، حيث تُنتج الصورتان المتجاورتان تأثيراً فورياً دون الحاجة إلى شرح معمّق. ويأتي النص المرافق ليمنح المشهد تفسيراً واحداً، يُغيّب النقاش حول الفاعل العسكري المباشر، ويركّز بدلًا من ذلك على سردية مُسبقة.

قبل وبعد… كيف تستخدم "إسرائيل" صور الدمار في غزة وجنوب لبنان لإعادة صياغة الرواية

من غزة إلى جنوب لبنان… القالب نفسه:
خلال الحرب على قطاع غزة بين عامي 2023 و2024، ظهر هذا النمط بكثافة في مناطق مثل جباليا ورفح وبيت حانون. ومع توسّع المواجهة في جنوب لبنان بين 2024 و2026، انتقل القالب نفسه إلى بلدات حدودية مثل عيتا الشعب ورميش.

ويشير هذا التكرار إلى استخدام نموذج دعائي جاهز يُعاد تدويره مع تغيّر الجبهات، مع الحفاظ على البنية والرسالة نفسها.

من يقود الحملة؟
برزت عدة شخصيات وحسابات في نشر هذا النمط، من بينها يوسف حداد الذي يقدّم نفسه كصوت عربي داخل الخطاب الإسرائيلي، إضافة إلى حنانيا نفتالي، إلى جانب منصة Visegrád 24 التي لعبت دورًا في توسيع انتشار هذا المحتوى في الفضاء الغربي.

مؤشرات التنسيق:

"إسرائيل" تدمر ومن العرب من يبرر
“إسرائيل” تدمر ومن العرب من يبرر


تكشف المعطيات عن مجموعة مؤشرات تدل على وجود تنسيق سردي واسع، أبرزها التكرار شبه الحرفي للقالب البصري، وتوحيد الرسائل رغم اختلاف الحسابات، إضافة إلى التضخيم المتبادل وسرعة انتقال المحتوى بين ساحات مختلفة.

ورغم عدم وجود دليل معلن على إدارة مركزية مباشرة، فإن هذا التماسك يشير إلى منظومة دعائية تعمل وفق أهداف مشتركة.

الهدف الحقيقي:
يتجاوز الهدف مجرد التأثير البصري، ليصل إلى إعادة تعريف موقع الضحية داخل الرواية. فبدلًا من تصوير “إسرائيل” كطرف يمتلك التفوق العسكري وينتج الدمار، يُعاد تقديمها كجهة “تدافع عن نفسها”، بينما يُحمَّل الطرف الآخر مسؤولية ما أصابه.

منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر 2023، وما تبعها من تصعيد على الحدود الجنوبية لـلبنان، أصبحت المعركة الإعلامية جزءاً موازياً للمواجهة العسكرية، حيث لم تعد الصور تنقل الوقائع فقط، بل تسهم في إعادة تشكيلها وتوجيه إدراك الجمهور لها.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com