كتب باسم الموسوي
ليست أزمة الولايات المتحدة اليوم في حدود قوتها، بل في حدود ثقتها بنفسها. ذلك أن أخطر ما يواجه أي قوة عظمى ليس خصومها الخارجيين، بل تصدّع العقد الداخلي الذي يمنحها القدرة على الفعل في العالم. وحين تبدأ دولة مثل أميركا—التي قامت على فكرة دستورية أكثر منها على رابطة تقليدية—بفقدان الثقة في آلياتها الأساسية، فإن الأزمة لا تعود سياسية عابرة، بل تتحول إلى خلل بنيوي في معنى الدولة نفسها.
في الظاهر، تبدو الولايات المتحدة في موقع القوة: اقتصاد ضخم، شركات عملاقة، تفوق عسكري، ونفوذ عالمي لا يزال واسعًا. لكن تحت هذا السطح، يتكوّن شيء مختلف تمامًا: شك متزايد في الانتخابات، صراع داخلي حاد، وانقسام اجتماعي لم يعد يُدار، بل يُستثمر سياسيًا. لم يعد الخلاف بين الحزبين مجرد تنافس على السلطة، بل أصبح تشكيكًا متبادلًا في شرعية كل طرف.
المشكلة هنا ليست أن الانتخابات قد تُزوَّر، بل أن عددًا متزايدًا من الأميركيين باتوا يعتقدون ذلك. وهذه نقطة مفصلية. لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على نزاهة الإجراءات، بل على إيمان الناس بها. حين ينهار هذا الإيمان، تفقد الانتخابات وظيفتها الأساسية: إقناع الخاسر بقبول النتيجة. عندها، لا يعود الاقتراع وسيلة لحسم النزاع، بل يصبح بداية لأزمة جديدة.
هذا التآكل في الثقة لا يأتي من فراغ. هو نتيجة سنوات من الخطاب السياسي الذي يضخّم الأخطار، ويحوّل الخصم إلى عدو، ويقدّم كل معركة انتخابية بوصفها معركة وجود. في مثل هذا المناخ، يصبح من الطبيعي أن يرى كل طرف أن فوز الآخر لا يمكن أن يكون شرعيًا. وهنا تتحول السياسة من إدارة اختلاف إلى حرب سرديات، كل منها يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة.
إلى جانب ذلك، تظهر محاولة إعادة تشكيل قواعد اللعبة نفسها. الحديث عن نقل بعض صلاحيات إدارة الانتخابات من الولايات إلى المستوى الفدرالي، أو التلويح باستخدام أجهزة الدولة في يوم الاقتراع، يكشف عن ميل متزايد إلى تسييس المؤسسات التي يُفترض أن تبقى محايدة. حتى إن فشلت هذه المحاولات قانونيًا، فإن مجرد طرحها يترك أثرًا عميقًا: الدولة لم تعد حكمًا، بل طرفًا في النزاع.
لكن ما يزيد المشهد تعقيدًا هو أن هذا الانقسام يتغذى على تحولات أعمق في المجتمع الأميركي. الإعلام، الذي كان يومًا ما مساحة مشتركة للنقاش، أصبح عوالم متوازية، كل منها يعيد إنتاج روايته الخاصة. التكنولوجيا، بدل أن توحّد، ساهمت في تفكيك المجال العام إلى فقاعات مغلقة. والاقتصاد، رغم ضخامته، لم يعد يوزّع ثماره بشكل متوازن، ما يخلق شعورًا متزايدًا بالغبن لدى فئات واسعة.
في هذا السياق، لا يعود الاستقطاب مجرد ظاهرة سياسية، بل يصبح انعكاسًا لأزمة هوية. من هو “الأميركي” اليوم؟ ما هي القيم المشتركة التي تجمع المجتمع؟ هذه الأسئلة، التي كانت تُحسم ضمنيًا، عادت إلى الواجهة بقوة. وحين تصبح الهوية نفسها موضع نزاع، فإن كل مؤسسة—من الانتخابات إلى القضاء—تتحول إلى ساحة صراع.
اللافت أن هذه الأزمة الداخلية تتزامن مع دور أميركي خارجي لا يزال فاعلًا، بل متصاعدًا في بعض الملفات. لكن المفارقة هنا أن القدرة على التأثير في الخارج ترتبط، في النهاية، بالتماسك في الداخل. دولة منقسمة على نفسها تجد صعوبة في فرض رؤيتها على الآخرين، لا بسبب ضعفها المادي، بل بسبب اهتزاز صورتها كنموذج.
لقد كانت الولايات المتحدة، لعقود، تقدّم نفسها كمرجع للديمقراطية. ليس لأنها خالية من العيوب، بل لأنها تملك آليات لتصحيحها. اليوم، يبدو أن هذه الآليات نفسها موضع تشكيك. وهذا ما يضعف جاذبية النموذج الأميركي، ليس فقط في أعين خصومه، بل حتى لدى حلفائه.
مع ذلك، لا ينبغي الوقوع في التبسيط. التاريخ الأميركي مليء بالأزمات العميقة التي تم تجاوزها. من الحرب الأهلية إلى حركة الحقوق المدنية، مرّ هذا النظام بلحظات كادت تعصف به، لكنه استطاع إعادة إنتاج نفسه. السؤال اليوم هو: هل ما نراه مجرد أزمة أخرى في هذا المسار، أم أننا أمام تحول نوعي في طبيعة النظام؟
الجواب ليس محسومًا بعد. ما هو واضح، في المقابل، أن التحدي لم يعد خارجيًا فقط. الصين، روسيا، أو غيرهما، ليست هي ما يهدد الديمقراطية الأميركية في المقام الأول. التهديد يأتي من الداخل: من فقدان الثقة، ومن تحويل السياسة إلى صراع صفري، ومن تآكل فكرة أن هناك قواعد مشتركة يمكن الاحتكام إليها.
في النهاية، قوة الولايات المتحدة لم تكن يومًا في سلاحها فقط، بل في قدرتها على إقناع مواطنيها—ثم العالم—بأن نظامها، رغم عيوبه، قابل للحياة. إذا فقدت هذه القدرة، فإن كل عناصر القوة الأخرى تصبح أقل تأثيرًا. لأن الإمبراطوريات لا تسقط فقط حين تُهزم، بل حين تفقد ثقتها بنفسها.
وهنا، تحديدًا، يكمن جوهر اللحظة الأميركية الراهنة: ليس سؤال من يحكم، بل سؤال ما إذا كان النظام نفسه لا يزال قادرًا على أن يكون إطارًا جامعًا لمن يعيشون فيه. إذا لم يُجب هذا السؤال، فإن كل انتخابات قادمة لن تكون مجرد استحقاق سياسي، بل اختبارًا لوجود الفكرة التي قامت عليها الولايات المتحدة.
